فهرس الكتاب

الصفحة 3350 من 3844

42 -باب التعوذ من أرذل العمر

فيه حديث أنس كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ يقول (( اللهم ) )إلى آخره وسلف.

وجميع أبواب الاستعاذة ما سلف، وما يأتي ص 4580 تدل آثارها على أنه ينبغي سؤال الله والرغبة إليه في كل ما ينزل بالمرء من حاجاته، وأن يعين كل ما يدعو به. ففي ذلك إطالة الرغبة إلى الله، والتضرع إليه، وذلك طاعة الله، وكان عليه السلام يتعوذ بالله من كل ذلك، ويعينه باسمه، وإن كان الله قد عصمه من كل شر؛ ليلزم نفسه خوف الله وإعظامه؛ وليسن ذلك لأمته، ويعلمهم كيف الاستعاذة من كل شيء.

وقد روى ثابت البناني، عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(( ليسأل أحدكم ربه حاجاته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) )؛ ليستشعر العبد الافتقار إلى ربه في كل أمر، وإن دق، ولا يستحي من سؤاله ذلك.

فالتعوذ من المحيا والممات دعاء جامع لمعان كثيرة لا تحصى، وكذلك التعوذ من المأثم والمغرم، و (( ضلع الدين ) )هو الذي لا يجد دينه من حيث يؤديه، وهو مأخوذ من قول العرب حمل مضلع أي ثقيل ودابة (مضلع) لا تقوى على الحمل. عن صاحب (( العين ) ). فمن كان هكذا فلا محالة أنه يوكد ذلك عليه الكذب في حديثه، والخلف في وعده.

فإن قلت كيف استعاذ من المغرم، وكيف قال (( إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيه ما يكره الله ) )، فيما رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، وكان عبد الله بن جعفر يقول اذهب فخذ لي بدين؛ فإني أكره أن أبيت ليلة إلا والله معي، بعد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلت كلاهما صحيح، ولا تناقض بينهما، فالثاني في المستدين الذي ينوي قضاء دينه، وعنده في الأغلب ما يقضيه، فالله في عونه على قضائه، والأول الذي استدان على ثلاثة أوجه إما فيما يكرهه الله، ثم يجد سبيلا إلى قضائه، فحق على الله أن يؤديه، أو فيما لا يكرهه، ولكن لا وجه عنده لقضائه إن طالبه به صاحبه، فهو معرض لهلاك أموال الناس، ومتلف لها، أو نوى ترك القضاء وعزم على الجحد فهو عاص لربه وظالم لنفسه نبه عليه الطبري فكل هؤلاء في القضاء مخلفون، وفي حديثهم كاذبون، فكان معلوما بذلك أن الحال التي كره فيها عليه السلام الدين غير الحال التي ترخص لنفسه فيها، وذلك أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بعشرين صاعا من شعير.

وأما فتنة الغنى فيخشى منها بطر المال وما يئول من عواقب الإسراف في إنفاقه وبذله فيما لا ينبغي، ومنع حقوق الله فيه، ففتنة الغنى متشعبة إلى ما لا يحصى عده، وكذلك فتنة الفقر يخشى منها قلة الصبر على الإقلال والتسخط له وتزيين الشيطان للمرء حال الغنى، وما يئول من عاقبة ذلك لضعف البشرية.

وكذلك الاستعاذة من العجز والكسل؛ لأنهما يمنعان العبد من أداء حقوق الله تعالى وحقوق نفسه وأهله، وتضييع النظر في أمر معاده وأمر دنياه، وقد أمر المؤمنين بالاجتهاد في العمل، والإجمال في الطلب، وألا يكون عالة ولا عيالا على غيره ما متع بصحة جوارحه وعقله.

وكذلك الجبن مهانة في النفس وذلة، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون

ذليلا، بالإيمان ولزوم طاعة الله التي تؤدي إلى النعيم المقيم، فينبغي للمؤمن أن يكثر التعوذ من ذلك.

(( والهرم ) )هو أرذل العمر الذي ينتهي بصاحبه إلى الخرف وذهاب العقل، فيعود العالم جاهلا، ويصير إلى حال من لا ميز له، ولا يقدر على أداء ما يلزمه من حقوق الله وحاجة نفسه، ومثل هذا خشي عمر رضي الله عنه حين قال لما كبر ما سلف، ومن متعه الله بصحته لم يزده طول العمر إلا خيرا يستكثر من الحسنات ص 4581 ويستغيث من السيئات.

وكذلك الهم والحزن لا ينبغي للمؤمن أن يكون مهموما بشيء من أمور الدنيا، فإن الله قد قدر الأمور وأحكمها، وقدر الأرزاق، فلا يجلب الهم للعبد في الدنيا خيرا، ولا يأتيه بما لم يقدر له، وفي طول الهم قلة الرضا بقدر الله، وسخطه على ربه، ومن آمن بالقدر فلا ينبغي له أن يهتم على شيء فاته من الدنيا ولا يتهم ربه، فيما قضى له الخيرة، وإنما ينبغي للعبد الاهتمام بأمر الآخرة، ويفكر في معاده وعرضه على ربه، وكيف ينجو من سؤاله عن الفتيل والنقير والقطمير؛ ولذلك قال عليه السلام (( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) )فههنا يحسن الهم والبكاء، وغلبة الرجال أشد من الموت؛ لأن المغلوب يصير كالعبد من غلبة قهره، وكذلك البخل استعاذ منه؛ لقوله تعالى {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر 9] ، وقال عليه السلام (( وأي داء أدوى من البخل ) )ومعنى ذلك أن البخيل يمنع حقوق الله وحقوق الآدميين ويمنع معروفه ورفده، ويسيء عشرة أهله وأقاربه.

فإن قلت قد دعا عليه السلام بالمفصلات والجوامع، وكان السلف يستحبون الدعاء إلى الله بالجوامع كنحو الرغبة والخوف والعفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، اكتفاء منه بعلم الله بموضع حاجتهم ومبلغا؟

قيل لكل نوع من ذلك حالة يختار العمل به فيها على الآخر، فالجوامع تحتاج في حال الحاجة إلى الإيجاز والاقتصاد، والمفصلات بالأسماء والصفات في حالة الحاجة إلى إدامة الرغبة إلى من بيده مفاتيح خزائن السموات والأرض؛ استفتاحا بذلك مغاليقها، وقد دعا عليه السلام بكل ذلك في مواضعه.

قال والدي رحمه الله تعالى

(باب التعوذ من عذاب القبر) ، قوله (الحميدي) بضم الحاء عبد الله و (موسى بن عقبة) بضم المهملة وسكون القاف وبالموحدة و (أم خالد) ابن الزبير بن العوام بنت خالد بن سعد بن العاص اسمها أمه بتخفيف الميم المفتوحة و (مصعب) بضم الميم وإسكان المهملة الأولى وفتح الثانية سعد بن أبي وقاص و (أرذل العمر) الهرم حيث ينتكس قال تعالى {ومن نعمره ننكسه في الخلق} ولفظ (يعني فتنة الدجال) قالوا هو من باب زيادات شعبة عن الحجاج، قوله (عثمان ابن أبي شيبة) بفتح المعجمة ضد الشباب و (جرير) بفتح الجيم وكسر الراء الأولى و (أبو وائل) بلفظ فاعل الويل بالتحتانية شقيق بكسر القاف الأولى قال الغساني في بعض النسخ أبو وائل و (مسروق) بالعطف وهو وهم وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق وما أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة، قوله (عجوزان) العجوز يطلق على الشيخ والشيخة ولا يقال عجوزة إلا على لغة رديئة والعجز بضمتين جمعه، فإن قلت سبق في الجنائز أن يهودية دخلت قلت لا منافاة بينهما و (لم أنعم) أي لم أحسن في تصديقهما، قوله (إن عجوزين) حذف خبره للعلم به وهو دخلتا، فإن قلت العذاب ليس مسموعا قلت المقصود صوت المعذب به من الأنين ونحوه أو بعض العذاب نحو الضرب مسموع ومر في الجنائز أن صوت الميت يسمعه كل شيء إلا الإنسان، قوله (المحيا) إما مصدر أو اسم زمان و (الممات) أي زمان الموت أي بعده أو وقت النزع و (المعتمر) أخو الحاج ابن سليمان و (الهرم) هو أقصى الكبر و (الفتنة) الامتحان والضلال والإثم والكفر والعذاب والفضيحة، قوله (المأثم) بمعنى الإثم و (المغرم) بمعنى الغرامة وهي ما يلزمك أداؤه كالدين والدية و (عذاب القبر) ما يترتب بعده على سبيل التوبيخ قال تعالى {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها} الآية، قوله (فتنة الغني) هو نحو الطغيان والبطر تأدية الزكاة، فإن قلت لم زاد لفظ الشر فيه ولم يذكره في الفقر ونحوه قلت تصريحا بما فيه من الشر وأن مضرته أكثر من مضرة غيره ص 4582 أو تغليظا على الأغنياء حتى لا يغتروا بغناهم ولا يغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى صورة أخرى لا خير فيها بخلاف صورته فإنها قد تكون خيرا، قوله (البرد) بفتح الراء حب الغمام، فإن قلت العادة أنه إذا أريد المبالغة في الغسل أن يغسل بالماء الحار لا بالبارد لاسيما الثلج ونحوه قلت، قال الخطابي هذه أمثال لم يرد بها أعيان المسميات وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه والثلج والبرد ماءان مقصوران على الطهارة لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال فكان المثل بهما أو كد في بيان ما أراده من التطهير وتقدم في الصلاة له أوجه أخر وأقول يحتمل أنه جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مؤدية إليها فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج ثم إلى أبرد منه وهو البرد، بدليل جموده قوله (خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام و (سليمان) هو ابن بلال و (الضلع) بالمعجمة واللام المفتوحتين الثقل والقوة ومر الحديث آنفا، قوله (محمد بن المثنى) ضد المفرد و (غندر) بضم المعجمة وسكون النون وفتح المهملة وبالراء اسمه محمد بن عبد الملك بن عمير مصغر عمر مصغر عمر ومر آنففا مع الحديث، قوله (أرذل العمر) هو الهرم زمان الخرافة وحين انتكاس الأحوال قال تعالى {ومنكم من يرد غلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا} وقال تعالى {إلا الذين هم أراذلنا} أي أسقاطنا، قوله (أبو معمر) بفتح الميمين عبد الله و (أبو صهيب) مصغر الصهب بالمهملة، فإن قلت فالدعاء بطول العمر دعاء عليه لا دعاء له وقد ثبت في الحديث السعادة كل السعادة طول العمر في طاعة الله قلت المراد بطوله الممدوح مالا ينتكس ويبقى على عمله ويقوي على طاعته اللهم اجعلنا من السعداء الأبرار.

الزركشي

(اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل) قال صاحب (( تثقيف اللسان ) )العجز ما لا تستطيعه، والكسل أن تترك الشيء وتتراخى عنه وإن كنت تستطيعه انتهى كلام الزركشي.

أقول قوله أرذل العمر أي أخره في حال الكبر والعجز والخرف والأرذل من كل شيء الرديء منه باب ... من فتنة المحيا والممات يدخل تحت قوله فتنة المحيا والممات الاستعاذة من جميع فتن الدنيا والأخرة وهو ... عظيم واستعاذة اللهم إنا نعوذ بك من فتنة المحيا والممات يا أرحم الراحمين أقول وفيه المحيا ... الدنيا وفتنة الممات المسائلة في القبر ولهذا يسمى منكر ونكر فأتيا القبر أي ... الميت باب التعوذ من المأثم والمغرم ... الأمر الذي يأثم به الإنسان أو هو الأثم نفسه وأما المغرم فهو الذنوب والمعاصي وقيل المغرم الدين ويرد ما استدين مما يكرهه لله أو فيما يجوز ثم عجز عن أدائه وأما دين احتاج إليه وهو قادر على أدائه فلا يستعاد منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت