إلى آخره، عن الأحنف بن قيس قال ذهبت لأنصر هذا الرجل الحديث. عن المعرور قال لقيت أبا ذر بالربذة الحديث. هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية حديث الأحنف عن أبي بكرة، ثم حديث أبي ذر، ووقع في كثير من النسخ قبل ذكر الآية الثانية حديث أبي ذر ثم قال باب {وإن طائفتان} [الحجرات9] الآية ثم ساق حديث أبي بكرة، والجميع حسن.
ومقصوده بذلك أن مرتكب المعصية لا يكفر، ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة.
فإن قلت إنما سمي في الآية مؤمنًا، وفي الحديث مسلمًا حال الالتقاء لا في حال القتال وبعده، قلت الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى {فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات1] سماهما أخوين بعد القتال، وأمر بالإصلاح بينهما؛ ولأنهما عاصيان قبل القتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه. والحديث محمول على معنى الآية.
وحديث عبادة صريح في الدلالة، وهو قوله عليه السلام (( ومن أصاب من ذلك شيئًا ) )الحديث. والأحاديث بنحو هذا كثيرة مع آيات القرآن العزيز.
حديث أبي بكرة أخرجه أيضًا (خ) في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب بسنده عن الحسن قال خرجت بسلاحي ليالي الفتنة. وساق الحديث أريد نصرة بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عليًا وهذا بيان للمبهم في الرواية السالفة وأخرجه (م) من طرق.
أبو بكرة هو نفيع بالنون بن الحارث بن كلدة بالكاف واللام المفتوحتين الثقفي، وقيل نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل اسمه مسروح، وأمه سمية أمة للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف في بكرة، وكني أبا بكرة لذلك.
الجوهري بكرة البئر ما يستقى عليها، وجمعها بكر بالتحريك كحلقة وحلق وهو من شواذ الجمع.
أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معدود في مواليه، وكان أبو بكرة يقول أنا من إخوانكم في الدين، ص 177 وأنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أبى الناس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح.
وكان من فضلاء الصحابة. قال الحسن لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل منه، ومن عمران بن حصين، روي له مائة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بحديث.
رواه عنه ابناه عبد الرحمن ومسلم وغيرهما من كبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين.
وأما الأحنف بن قيس فهو أبو بحر، واسمه الضحاك، وقيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصين. ولد وهو أحنف، والأحنف الأعوج، والحنف الاعوجاج في الرجل، وهو أن تقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين على الأخرى، وقيل هو الذي يمشي على ظهر قدمه من شقها. أي الذي يلي خنصرها، وكانت أمه ترقصه، وتقول
~والله لولا حنف في رجله وقلة أخافها من نسله
ما كان في فتيانكم من مثله
كان أحنف الرجلين معًا ضئيلًا، صعل الرأس، متراكب الأسنان، مائل الذقن، خفيف العارضين، أعور، فإذا تكلم حكا عن نفسه ولم يكن له إلا بيضة واحدة قاله الصلاح الصفدي في كتابه (( الشعور في معرفة العور ) )وهو من المخضرمين وذكرهم ابن الجوزي في (( تلقيح فهوم أهل الأثر ) )وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى ما كان في الحي غلام مثله.
وعنه عن رجل من بني ليث أنه عليه السلام قال (( اللهم اغفر للأحنف ) )فما شيء أرجى عندي من ذلك. أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يره، وسمع عمر وعليًا والعباس وغيرهم، وعنه الحسن وغيره.
وعنه أنه قال إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة الجواب. مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزبير.
والحسن هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة أم المؤمنين، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قالوا ربما خرجت أمه في شغل فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، فيرون أن الفصاحة والحكمة من بركة ذلك.
نشأ بوادي القرى، ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يصح له سماع منها، وقيل لقي عليًا ولم يصح، وحضر الدار وله أربع عشرة سنة، فسمع ابن عمر وأنسًا وجندب بن عبد الله وغيرهم من الصحابة وخلقًا من التابعين. وعنه خلق من التابعين.
روينا عن الفضيل بن عياض قال سألت هشام بن حسان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال مائة وثلاثين. قلت فابن سيرين قال ثلاثين.
وروينا عنه قال غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، وقال ابن سعد كان جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا، قدم مكة فأجلسوه على سرير، واجتمع الناس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب، فقالوا أو قال بعضهم ما رأينا مثل هذا قط.
وسئل أنس بن مالك عن مسألة فقال سلوا مولانا الحسن؛ فإنه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا. وإمامته وجلالته مجمع عليها. مات ستة عشر ومائة، ومات ابن سيرين بعده بمائة يوم.
فائدة روى (خ) هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف، ورواه في الفتن عن الحسن عن أبي بكرة، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة. قال الدارقطني بينهما الأحنف.
وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه كما ساقه في الفتن، في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( ابني هذا سيد ) )إلى آخره قال القاضي هذا الحسن المذكور في هذا الحديث ص 178 الذي قال فيه سمعت أبا هريرة. إنما هو الحسن بن علي، وليس بالحسن البصري.
وأثنى علي بن المديني وأبو زرعة على مراسيل الحسن، وضعفها بعضهم.
ويونس هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري التابعي، رأى أنسًا، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما من كبار التابعين، وعنه الأئمة، منهم الثوري وشعبة وآخرون. وجلالته وفضله مجمع عليه. مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
قال حماد بن زيد ولد بعد الجارف. وحماد بن زيد هو الإمام أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي البصري مولى جرير بن حازم. سمع ثابتًا البناني وغيره من التابعين، وعنه السفيانان وخلق.
قال عبد الرحمن بن مهدي أئمة الناس في زمانهم أربعة، الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
وقال أبو زرعة حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة.
وإجماع الأئمة منعقد على جلالته، وعظم علمه. ولد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن إحدى وثمانين. قال الخطيب حدث عن حماد بن زيد إبراهيم بن أبي عبلة، والهيثم بن سهل وبين وفاتيهما مائة وثماني سنين. وحدث عنه الثوري، وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر.
وأما شيخ (خ) فهو أبو بكر، ويقال أبو محمد عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله البصري القيشي بالمثناة والشين المعجمة سمع جمعًا، منهم خالد الواسطي، وعنه جماعة من الأعلام منهم (خ، د) ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يرو له (م) شيئًا، مات سنة ثمان، وقيل تسع وعشرين ومائتين، وقيل عشرين. حكاه النووي في (( شرحه ) ).
في هذا الإسناد لطيفتان كل رجاله بصريون، وفيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، الأحنف والحسن وأيوب مع يونس.
الآية الأولى دالة لمذهب أهل الحق على أن من مات موحدًا لا يخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة في قوله (( وإن زنى، وإن سرق ) ).
والمراد بالآية من مات على الذنوب من غير توبة؛ لأنه لو مات عليها فلا فرق فيه بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة، وإجماع السلف عليه.
وأما الآية الثانية فهي عمدة أصحابنا وغيرهم في قتال أهل البغي.
والطائفة القطعة من الشيء. قاله أهل اللغة. والمراد بالطائفتين في الآية الفرقتان من المسلمين. وقد تطلق الطائفة على الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة.
وقال الزجاج عندي أن أقل الطائفة اثنان. وقد حمل الشافعي وغيره الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة122] ، واحد فأكثر، واحتج به في خبر الواحد، وفي قوله تعالى {وليشهد عذابهما طائفة} [النور2] أربعة. وفي قوله تعالى {فلتقم طائفة منهم معك} [النساء12] ثلاثة. وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن.
قوله (( إذا التقى المسلمان ) )وفي الرواية الأخرى (( إذا تواجه المسلمان ) ). ومعنى تواجه ضرب كل منهما صاحبه.
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم (( فالقاتل والمقتول في النار ) )أنهما يستحقان بها، وأمرهما ص 179 إلى الله تعالى، هو مصرح به في حديث عبادة، (( فإن شاء عفي عنهما، وإن شاء عذبهما ) )ثم أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة.
ونظير هذا الحديث قوله تعالى {فجزاؤه جهنم} [النساء93] معناه هذا جزاؤه، وليس بلازم أن يجازى، ثم هذا الحديث محمول على غير المتأول، كمن قاتل لعصبية وغيرها.
واختلف في القتال في الفتنة، فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكر في (م) (( إنها ستكون فتن ) )الحديث. ومثل هؤلاء لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز وله المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكر وغيره.
وقال معظم الصحابة والتابعين يجب نصر الحق وقتال الباغين؛ لقوله {فقاتلوا التي تبغي} [الحجرات9] وهذا هو الصحيح.
وتتأول أحاديث المنع على من لم يظهر له الحق، أو على عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد.
والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب.
وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع [1] ، وضعف أجر المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح به الجمهور إذا كان أفضل من كان على وجه الدنيا حينئذ.
وتأول محض بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا يطيعون بيعة حتى نقضوا ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر، وفيهم عدد ولهم منعة، ولما ظهر تسليمهم أو القصاص منهم لاضطرب الأمر، منهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فقاتلوها.
قوله عليه السلام (( إنه كان حريصًا على قتل صاحبه ) )وفي رواية أخرى (( إنه قد أراد قتل صاحبه ) )في الحديث حجة للقول الصحيح الذي عليه الجمهور أن العزم على الذنب، والعقد على عمله معصية يأثم به وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة للقتال.
الحديث الثاني
حديث أبي ذر هذا الحديث أخرجه (خ) هنا وفي العتق وفي التأدب وأخرجه (م) في الأيمان والنذور.
أبو ذر هو جندب بضم الجيم والدال، وحكي فتح الدال، وعن بعضهم كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب، الذي هو طائر وقيل اسمه برير بضم الموحدة وراء مكررة بن حبيب. والمشهور الأول. بن جنادة بضم الجيم الغفاري، السيد الجليل. أسلم قديمًا، جاء عنه أنه قال أنا رابع أربعة في الإسلام.
ويقال كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم رجع إلى المدينة.
وحديث إسلامه مشهور في (( الصحيح ) )، ومناقبه وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع عيسى بن مريم عليه السلام وزهده.
روي له مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بسبعة عشر. روى عنه ابن عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة. ص 180
ومن مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته من المال، وكان قولًا بالحق. وعن أبي ذر قال تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقلب طائر جناحيه في السماء، إلا ذكرنا منه علمًا. كان طوالًا أدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قال ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقًا.
والمعرور بعين مهملة وراء مكررة أبو أمية المعروف بن سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه واصل والأعمش، وقال رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو أسود الرأس واللحية. قال يحيى بن معين وأبو حاتم ثقة.
واصل هو ابن حيان بالمثناة تحت الأسدي الكوفي. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم الثوري. قال يحيى بن معين ثقة. مات سنة عشرين ومائة.
الجاهلية ما قبل الإسلام. سموا بذلك لشدة جهالاتهم.
والربذة بفتح الراء ثم موحدة ثم معجمة على ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق. قال ياقوت وبها قبر أبي ذر جربت بالقرامطة سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
والحلة ثوبان لا يكون ثوبًا واحدًا، ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل على الآخر.
قوله (( فسألته عن ذلك ) ). إنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون سيده.
قوله (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ). معناه إنك في التعيير بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولست جاهليًا محضًا، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم.
قيل إنه عير الرجل بسواد أمه، كأنه قال يا ابن السوداء ونحوه. وقد ذكره في كتاب الأدب، وساق الحديث وفي آخره فليعنه عليه.
وجاء في (م) في أول هذا الحديث إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، ومنه فقال له عليه السلام (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ).
وجاء في رواية لمسلم" (( فليبعه ) )بدل (( فليعنه ) )، وهي وهم، كما نبه عليه القاضي."
والصواب ما في (خ) وقد روي أن بلالًا كان هو الذي عيره أبو ذر بأمه، عن الوليد بن مسلم قال كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة فعيره أبو ذر بسواد أمه. فانطلق بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى إليه تعييره بذلك، فأمره أن يدعوه.
فلما جاء أبو ذر قال له (( أشتمت بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ ) )قال نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من أمر الجاهلية شيء ) ). فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه. فوطئ خده.
أقول يشكل هذا على رواية (م) أنه كان بيني وبين رجل من إخواني وبلال لم يكن أخاه اللهم إلا أن يقال يعني من إخواني في الدين، والأحاديث ناطقة بأنه كان مملوكًا وأبو ذر من سادات الأحرار الأخيار. وفيه الغلام وهو مبهم لم يعرف اسمه.
قوله عليه السلام (( إخوانكم خولكم [2] ) )قال أهل اللغة الخول الخدم. سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها، ويقومون بها. يقال خال المال يخوله إذا أحسن القيام عليه، وقيل إنه لفظ مشترك، تقول خال المال، والشيء يخول وخلت أخول خولًا إذا سست الشيء ص 181 وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه. والخائل الحافظ، ويقال خال المال، وخائل مال، وخولي مال، وخوله الله الشيء أي ملكه إياه.
قوله (( أعيرته بأمه؟ ) )فيه رد على منع أن يقال عيرته بكذا، وإنما يقال عيره أمه والحديث حجة عليهم، والعار العيب، والمعاير المعاند.
وفيه فوائد
1 ما ترجم له (خ) من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، واحترز بارتكابها عن اعتقادها، فإنه إذا اعتقد حل محرم معلوم في دين الإسلام ضرورة كالخمر والزنا وشبههما كفر قطعًا، إلا أن يكون قريب عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء؛ فإنه حينئذ لا يكفر.
وما ذكرنا من كونه لا يكفر بارتكاب المعاصي الكبائر هو مذهب أهل السنة، وشذ الخوارج فكفروه، والمعتزلة حيث حكموا بتخليده في النار من غير تكفير، ومذهب أهل الحق أنه لا يخلد في النار، من مات على التوحيد وإن ارتكب الكبائر غير الشرك.
واحتج (خ) بقوله {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية [النساء48] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق؛ لأن المراد من مات على الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد من تاب قبل الموت لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك.
2 النهي عن سب العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحث على الإحسان إليهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه، ويلحق بالعبد من في معناه من أجير، وخادم، وكذا الدواب، ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلف من العمل ما لا تطيق، فإن كلفه لزمه إعانته بنفسه أو غيره.
3 عدم الترفع على المسلم، وإن كان عبدًا أو نحوه؛ لأن الله تعالى قال {يا أيها الناس إنا خلقناكم} إلى قوله {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات13] .
4 استحباب الإطعام مما يأكل، والإلباس مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق.
5 المحافظة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
6 إطلاق الأخ على الرقيق.
7 أن إطعام المملوك من الخبز وما يقتاته إطعام مما يأكله؛ لأن من للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل على العموم من طيبات العيش، مع أن المستحب أن لا يستأثر على عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم.
قال والدي رحمه الله تعالى
المعاصي جمع معصية وهي مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم أعم من الكبائر والصغائر. و (( الجاهلية ) )زمان الفترة قبل الإسلام.
قوله (( لا يكفر ) )هذا هو مذهب الجماعة، وأما عند الخوارج فالكبيرة موجبة للكفر وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين وصاحبها لا مؤمن ولا كافر. قوله (( امرؤ ) )هو من نوادر الكلمات إذ حركة عين كلمته تابعة للامها في الأحوال الثلاث ومعناه رجل.
قوله (( أن يشرك ) )فإن قلت المفهوم من الآية أن مرتكب الشرك لا يغفر لا أنه يكفر، والترجمة إنما هي في الكفر لا في الغفر. قلت الكفر وعدم الغفر عندنا متلازمان، نعم عند المعتزلة صاحب الكبيرة الذي لم يتب عنها غير مغفور بل مخلد في النار وفي الكلام لف ونشر.
قوله (( واصل ) )هو ابن حيان الأسدي الكوفي الأحدب توفي سنة عشرين ومائة. فإن قلت حيان ينصرف أم لا. قلت إن أخذته من الحين ينصرف ومن الحين فلا.
قوله (( ساببت ) )أي شاتمت أو يكون بمعنى شتمت. قوله (( فعيرته ) )أي نسبته إلى العار يقال عيرته بكذا وعيرته كذا.
فإن قلت هذا التعبير كان هو نفس السبب ذكر (خ) في كتاب الأدب قال فنلت منها فكيف يضع الفاء بينهما وشرط المعطوفين مغايرتهما. قلت هما متغايران بحسب المفهوم ص 182 من اللفظ ومثل هذه الفاء تسمى بالفاء التفسيرية، وذلك نحو قوله تعالى {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} حيث قالوا القتل هو نفس التوبة.
قوله (( يا باذر ) )أصله يا أبا ذر فحذفت الهمزة تخفيفًا والاستفهام في أعيرته للتقرير أو للإنكار التوبيخي.
قوله (( خولكم ) )بفتح الواو، وخول الرجل حشمه الواحد خايل وقد يكون الخول واحدًا وهو اسم يقع على العبد والأمة، قال الفراء هو جمع خائل وهو الراعي، وقال غيره هو مأخوذ من التخويل وهو التمليك، وقيل الخول الخدم وسموا به لأنهم يتخولون الأمور أي يصلحونها.
فإن قلت أصل الكلام أن يقال خولكم إخوانكم لأن المقصود هو الحكم على الخول بالأخوة. قلت التقديم إما للاهتمام بشأن الأخوة وإما لحصر الخول على الإخوان؛ أي ليسوا إلا إخوانًا.
وقال بعض علماء المعاني المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين أي تعريف كان يفيد التركيب الحصر وإما أنه من باب القلب المورث لملاحة الكلام.
التيمي كأنه قال هم إخوانكم ثم أراد إظهار هؤلاء الإخوان فقال خولكم.
قوله (( تحت أيديكم ) )مجاز عن القدرة أو عن الملك والأخوة ههنا أيضًا مجاز عن مطلق القرابة؛ لأن الكل أولاد آدم أو عن أخوة الإسلام والمماليك الكفرة إما أن تجعلهم في هذا الحكم تابعين للمماليك المؤمنة أو تخصص هذا الحكم بالمؤمنة.
قوله (( فليطعمه ) )بضم الياء وكذا ليلبسه.
فإن قلت ما الفائدة في العدول عن المطابقة حيث لم يقل مما يطعم كما قال مما يلبس. قلت الطعم جاء بمعنى الذوق.
الجوهري يقال طعم يطعم إذا ذاق أو أكل. قال تعالى {ومن لم يطعمه فإنه مني} أي لم يذقه فلو قال مما يطعم لتوهم أنه يجب الإذاقة مما يذوق وذلك غير واجب.
فإن قلت هذه الأوامر الثلاثة هل هي للوجوب أم لا، وكذا النهي هل هو للتحريم أم لا. قلت اختلف العلماء في الأمر والظاهر الوجوب لكن الأكثر على أنه للاستحباب، وأما النهي فإنه للتحريم اتفاقًا.
أقول في النسخة تقديم وتأخير فإنه باب وإن طائفتان تقدم في شرح ابن الملقن وفي شرح والدي رحمه الله متأخر.
[1] في هامش المخطوط أقول فيه إشكال ذلك أن المجتهد المخطئ له أجر والمصيب له أجران فيلزم أن تكون الفئة الباغية الذين قاتلوا عليًا أجر.
[2] في هامش المخطوط فإن قلت ما مناسبة تمام الحديث وهو قوله (( إخوانكم خولكم ) )بقصة أبي ذر مع بلال قلت لأن بلالًا كان عبدًا ثم عتق فزاد عليه السلام على قصته مع بلال هذه الوصية في الخول.