فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويذكر عن ابن عباس {الوسواس} إذا ولد خنسه الشيطان، إلى آخره
ثم ساق حديث زر سألت أبي بن كعب قلت أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. الحديث أبي هو ابن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وهاتان السورتان مدنيتان، وبه جزم الثعلبي، وعن قتادة وغيره، مكيتان والصواب الأول، نزلتا في اليهودي لبيد بن الأعصم سحر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل سحره في راعوفة بئر ذروان، يعني الحجر الذي في أسفل البئر إذا نزل الإنسان بفم البئر قام عليه، ويقال إنه العقد التي عقدها لبيد، وهي إحدى عشرة عقدة في وتر ومشط ومشاطة أعطاها غلام يهودي يخدمه لهم، وصورة من عجين فيها إبر مغروزة، فبعث عليا والزبير وعمارا فاستخرجوه
وشفاه الله، ويقال إنه سحره امرأتان من البحرين بحضرته بحائل بينهما وجعلا ينفثان ويعقدان فنزلت الفلق، وفي رواية لبيد بن عامر بن مالك وأم عبد الله اليهودية، وفي رواية في"الصحيح"قالت عائشة هلا استخرجته قال (( قد عافاني الله وكرهت أن أثور منه على الناس شرا ) ). وفيه مخالفة لما سبق.
وفي رواية فهلا أحرقته. وظاهره دال على الذي سحر به، كما قاله ابن الجوزي، إلا أنا قد روينا من طريق آخر قالوا يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث فنقتله، وهو دال على أن الإشارة إلى اليهودي الساحر، والظاهر أن هذا للساحر وذاك للسحر، ويجوز أن يكون ذلك منها على وجه الاستفهام فيحتج به إذن على قتل الساحر، وجاء في رواية أنه لما سحر احجتم على رأسه بقرن وهو اسم موضع كما قال ابن السيرافي.
وقال المهلب وقع فاستخرجه، ووقع في باب السحر قلت يا رسول الله ص 3708، أفلا استخرجته فأمر بها فدفنت. قال وهو اختلاف من الرواة، ومداره على هشام بن عروة وأصحابه يختلفون في استخراجه، فأثبته سفيان في رواية من طريقين، ووافق سؤال عائشة على النشرة، ونفى الاستخراج عن عيسى بن يونس، ووافق سؤالها النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستخراج، ولم يذكر أنه جاوب على الاستخراج بشيء، وحقق أبو أسامة عليه السلام إذ سألته عائشة رضي الله عنها عن استخراجه فكان الاعتبار يعطي أن سفيان [أولى] بالقول لتقدمه في الضبط وأن الوهم على أبي أسامة في أنه لم يستخرجه، ويشهد لذلك أنه لم يذكر النشرة وكذلك عيسى بن يونس لم يذكر عليه السلام أنه جاوب على استخراجه بلا، وذكر النشرة، والزيادة من سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم لاسيما فيما حقق من الاستخراج، وفي ذكره النشرة في جواب النبي صلى الله عليه وسلم مكان الاستخراج، ويحتمل أن يحكم بالاستخراج لسفيان، ويحكم لأبي أسامة بقوله لا، على أنه استخرج الجف بالمشاقة ولم يستخرج صورة ما في الجف لئلا يراه الناس فيتعلمونه.
ثم اعلم أن السحر مرض من الأمراض، وعارض من العلل غير قادح في نبوته، وطاح بذلك طعن الملحدة قاتلهم الله وأنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، فذاك غير فادح في نبوته وطاح بذلك الملحدة وأنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله فذاك فيما يجوز طروؤه عليه في أمر دنياه دون ما أمر بتبليغه، يؤيده الرواية الأخرى أنه يأتي أزواجه ولا يأتيهن، أو يحمل على خيل لا يعتقد صحته، وقد روي عن المسيب وعروة سحره حتى كاد ينكر بصره، وعن عطاء الخرساني حبس عن عائشة سنة، قال عبد الرزاق وحبس عنها خاصة حتى أنكر بصره، قلت وما أسلفناه من رواية ثلاثة أيام أو أربعة هو أصوب، وسنة بعيد.
{الفلق} الصبح، لأن الليل يفلق عنه، فهو معنى مفلوق، أو كلما فلقه الله من خلق قال تعالى {فالق الحب والنوى} [الأنعام 95] ، أو واد، أو جب في جهنم، أو هو جهنم، إذا فتح صاح أهل النار من شدة حره، والغاسق الليل كما ذكره عن مجاهد، وقاله ابن عباس أيضا وقال الحسن أول الليل إذا أظلم، وقال محمد بن كعب هو النهار إذا دخل في الليل، وفي رواية غروب الشمس إذا وجب، وقال أبو هريرة الغاسق كوكب، وعنه مرفوعا"النجم"، وقال ابن زيد العرب تقول الغاسق سقوط الثريا وفي الصحيح عن عائشة مرفوعا"القمر"وقيل إذا كسف واسود، {وقب} دخل كما فسره، وقال قتادة ذهب، واستغربه الطبري.
وما ذكره في {الوسواس الخناس} عن ابن عباس هو كذلك لكن قوله (خنسه الشيطان) الذي في اللغة خنس إذا رجع، و {الخناس} الرجاع، وقيل هو الشيطان يوسوس في الصدر، قال قتادة له خرطوم كخرطوم الكلب فإذا ذكر العبد ربه خنس أي تأخر، وجاء أن له رأسا كرأس الحية، وإذا ترك يطبعا في القلب يوسوس فيه وقوله (إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا) يريد لم يدخل المعوذتين في مصحفه، وهو من أفراده لكثرة ما كان يرى الشارع يتعوذ بهما فظن أنهما من الوحي وليسا من القرآن. والصحابة أجمعت عليهما، وأثبتهما في المصحف، وكان أبي رضي الله عنه أدخل سورتي القنوت في مصحفه وهما (( اللهم إنا نستعينك ) )إلى (( بالكفار ملحق ) ). وأول السورة الثانية {اللهم إياك نعبد}
قال والدي رحمه الله تعالى
قال تعالى (الخناس الذي يوسوس) . قوله (خنسه) قال الصغاني الأولى نخسه الشيطان مكان خنسه ص 3709 الشيطان وإن سلمت اللفظة من الانقلاب والتصحيف فالمعنى والله أعلم أخره وأزاله عن مكانه لشدة نخسه وطعنه بأصبعه في خاصرته. قوله (قال) أي سفيان بن عيينة وحدثنا عاصم، و (أبو المنذر) بكسر المعجمة الخفيفة كنية أبي رضي الله تعالى عنه كناه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما (أخاك) فهو بحسب الدين، و (كذا وكذا) يعني أنهما ليستا من القرآن، و (قيل لي) أي أنه من القرآن وهذا كان مما اختلف فيه الصحابة ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه فلو أنكر اليوم أحد قرآنيته كفر وقال بعضهم ما كانت المسألة في قرآنيتهما بل في صفة من صفاتهما وخاصة من خواصهما ولا شك أن هذه الرواية تحتملهما والحمل عليه أولى والله تعالى أعلم.
الزركشي
(إذا ولد الإنسان خنسه الشيطان) قال السفاقسي لينظر فيه، فالذي في اللغة خنس إذا رجع وانقبض.
وقال القاضي كذا الرواية في جميع النسخ، وهو تصحيف وتغيير، فإما أن يكون صوابه نخسه الشيطان كما جاء في غير هذا الباب، لكن اللفظ الذي جاء به من بعد من غير هذا الحديث وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال (( يولد الإنسان والشيطان خاتم على قلبه، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا غفل وسوس ) )وكأن البخاري إنما أراد هذا الحديث أو الإشارة للحديثين.
(إن أخاك ابن مسعود يقول كذا) إلى آخره، وإنما كنى عنه هنا بكذا استعظاما منه لهذا القول أن يتلفظ به،
وقال القاضي أبو بكر بن الطيب لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن؛ إنما أنكر إثباتهما في المصحف؛ لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته وكتبه ولم يبلغه أمره به، وهذا تأويل منه وليس جحدا لكونهما قرآنا.
وقد روى ابن حبان في «صحيحه» عن زر قلت لأبي إن ابن مسعود لا يكتب في مصحفه المعوذتين، فقال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قال لي جبريل قل أعوذ برب الفلق فقلتها. وقال لي قل أعوذ برب الناس فقلتها ) )، فنحن نقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.