ثنا موسى بن إسماعيل إلى آخر الباب.
هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه مع البخاري مسلم والأربعة.
واختلف في يزيد هذا الراوي عن عمرو، هل هو يزيد بن هارون أو يزيد بن زريع، قال أبو مسعود الدمشقي يقال هو ابن هارون لا ابن زريع وهما جميعًا قد روياه. وقال المزي الصحيح أنه يزيد بن زريع، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع دون يزيد بن هارون.
ولم يذكر البخاري الفرك في طريق من هذه الطرق مع أنه ترجم له، وقد أخرجه مسلم من حديث الأسود وهمام عن عائشة كنت أفركه من ثوب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _.
ترجم البخاري أيضًا لغسل ما يصيب من المرأة، ووجه استنباطه مما ذكره أن منيه _ صلى الله عليه وسلم _ إنما كان من جماع، لأن الاحتلام ممتنع في حقه، وإذا كان من جماع فلابد أن يكون قد خالط الذكر الذي خرج منه المني شيئًا من رطوبة فرج المرأة، وكذا مراده بقوله أو غيرها. في الترجمة الثانية.
قوله في الترجمة (( فلم يذهب أثره ) )ظاهر إيراده أن المراد أثر المني؛ ولهذا أورد عقبه الحديث أن عائشة كانت تغسل من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا.
ورجحه ابن بطال، إذ قال قوله وأثر الغسل. يحتمل أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب، والضمير راجع فيه إلى أثر الماء، فكأنه قال وأثر الغسل بقع الماء فيه، يعني لا بقع النجاسة. ويحتمل أن يكون معناه وأثر الغسل يعني أثر الجنابة التي غسلت بالماء فيه بقع الماء الذي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء، وكلا الوجهين جائز.
لكن قوله في الحديث الآخر أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _، ثم أراه فيه بقعة أو بقعًا. يدل على أن تلك البقع كانت بقع المني وطبعه لا محالة؛ لأن العرب أبدًا ترد الضمير إلى أقرب مذكور، وضمير المني في الحديث الآخر أقرب من ضمير الغسل.
والمراد بالجنابة هنا المني، من باب تسمية الشيء باسم سببه.
ذهب الأكثرون إلى طهارة مني الآدمي، وهو الأصح عند الشافعي وأحمد، وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا بنجاسته. قال مالك فيغسل رطبًا ويابسًا، وقال أبو حنيفة يفرك يابسًا ويكفي في تطهيره.
وسواء في الخلاف الرجل والمرأة، وأغرب من نجسه منها دونه، والفرك دال على الطهارة، إذ لو كان نجسًا لم يكتف به. وفركه تنزهًا، وكذا ص 539 الغسل.
وفيه خدمة المرأة لزوجها في غسل ثيابه وشبهه، خصوصًا إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من حسن العشرة.
وفيه نقل أحوال المقتدي به وإن كان يستحى من ذكرها عادة للاقتداء.
وفيه طهارة رطوبة الفرج.
وفيه إن الأثر الباقي بعد الغسل لا يضر، وقد قاس البخاري سائر النجاسات على الجنابة.
وفيه الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه والخروج به إلى المسجد قبل جفافه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( كنت أغسل الجنابة ) )يفهم من هذا التركيب أن هذا الفعل تكرر منها. فإن قلت الجنابة معنى لا عين فكيف يغسل. قلت المضاف محذوف أي أثر الجنابة أو موجبة أو هي مجاز عنه.
قوله (( بقع ) )بضم الموحدة وفتح القاف وبالعين المهملة جمع بقعة بضم الباء وسكون القاف كالنطف والنطفة والبقعة قطعة من الأرض يخالف لونها لون مائلها، وفي بعضها بقع يضع الباء وسكون القاف جمع بقعة كتمرة وتمر مما يفرق بين الجنس والواحد منه بالباء.
قوله (( يريد بالبقعة الأثر ) )قال أهل اللغة البقع اختلاف اللونين يقال غراب أبقع. فإن قلت الحديث لا يدل على الفرك ولا على غسل ما يصيب من المرأة. قلت علم من الغسل عدم الاكتفاء بالفرك، والمراد من الباب باب حكم المني غسلًا وفركًا في أن أنهما ثبت في الحديث وما الواجب منهما وعلم أيضًا غسل رطوبة فرج المرأة إذ لا شك من اختلاط المني بها عند الجماع أو أنه ترجم بما جاء في هذا الباب واكتفى في إيراد الحديث ببعضه وكثيرًا يفعل مثل ذلك إذ كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم ينفق له أو لم يجد راويه بشرطه.
فإن قلت الحديث حجة لمن قال بنجاسة المني قلت لا حجة له لاحتمال أن يكون غسله بسبب أن ... كان نجسًا، أو نسيت اختلاطه برطوبة فرجها على مذهب من قال بنجاسة رطوبته. فإن قلت هل دل الحديث على نجاسة رطوبته قلت لا هذا وقد جاء في الصحاح أن عائشة قالت لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا فيصلي فيه، وهذا يدل على طهارة المني إذ لو كان نجسًا لم يكف فركه كالدم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل ما أصابه من المرأة، وهو يدل على نجاسة رطوبة فرجهًا فمن قال بطهارة المني والرطوبة قال في الصورتين الغسل محمول على الاستحباب واختيار النظافة.
قال ابن بطال الفرك إنما جاء في ثياب ينام فيها ونحن لا ينازع جواز النوم في الثياب النجسة ولئن سلمنا أنه في الثياب التي يصلي فيها لكن يحتمل أن يكون المني في نفسه نجسًا ويطهر منه الثوب بالفرك كما روي مما أصاب النعلين من الأذى أن التراب يجري من غسلها وليس ذلك بدليل على طهارة الأذى في نفسه.
النووي اختلف في طهارة مني الآدمي فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وقال مالك لا بد من غسله ربطًا ويابسًا، والشافعي وأحمد إلى طهارته وأما مني الكلب والخنزير فنجس بلا خلاف وفيما عداهما من الحيوان ثلاثة أوجه الأصح أن كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره، والثاني أنها نجسة، والثالث مني مأكول اللحم طاهر وغيره نجس.
قال ابن القصار مني الآدمي نجس قياسًا على مذيه لعله أنه خارج من مخرج البول. فإن قيل أنه طاهر لأنه خلق منه حيوان طاهر قلنا قد يكون الشيء طاهرًا ويكون متولدًا عن نجس كاللبن فإنه متولد عن الدم. فإن قلت خلق منه الأنبياء فلا يكون نجسًا قلنا وكذلك خلق منه الفراعنة فيجب أن يكون نجسًا.
قوله (( يزيد ) )أي ابن زريع بضم الزاي وفتح الراء وسكون التحتانية وبالمهملة العائشي بالعين المهملة وبالتحتانية المكسورة وبالسين المعجمة البصري أبو معاوية الصدوق الفقيه المأمون. قال أحمد إليه المنتهى في ... بالبصرة توفي بها سنة اثنين وثمانين ومائة ص 540 أو يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي كان حافظًا متقنًا.
قال الغساني في كتاب التقييد قال ابن السكن هو ابن زريع وإليه أشار الكلاباذي في كتابه. وقال أبو مسعود الدمشقي هو ابن هارون وليس بابن زريع تم كلامه.
وأقول وبهذا الالتباس لا يلزم مدح في الحديث لأن .... فهو عدل ضابط بشرط خ.
قوله (( سمعت ) )ومفعوله ما يأتي بعد الإسناد الثاني وهو قالت كيف أغسله إلى آخره. قوله (( عن المني ) )أي عن حكم المني غسلًا أو فركًا وفيخرج؛ أي من الحجرة إلى المسجد للصلاة وبقع الماء أي آثار الماء وهو بفتح العين نصبًا على الاختصاص أي أعني بقع الماء وفي بعضها بضمها على أنه جواب سؤال فقد رأى ما ذلك الأمر فأجاب بأنه بقع الماء وفي الحديث جواز سؤال النساء عما يتعلق بأمور الجماع لتعلم الأحكام.
(( باب إذا غسل الجنابة ) )قوله (( فلم يذهب أثره ) )أي أثر الغسل وفي بعضها أثرها أي أثر الجنابة والفاء في فلم يذهب للعطف لا للجزاء إذ الجزاء محذوف تقديره صح صلاته.
قوله (( أغسله ) )فإن قلت ضمير مذكر والمرجع مؤنث فكيف ذلك قلت أريد بالجنابة أثرها.
قوله (( ثم أراه ) )أي أبصره ومرجع الضمير في فيه الثوب وفي بعضها أرى بدون الضمير. فإن قلت هو ليس مقول سلمان لأنه تابعي لأصحابي فما تقديره. قلت يقدر قالت قبله أو قبل أنها كانت ويكون أول الكلام نقلا بالمعنى عن لفظ عائشة إذ أصله أن يقال إني كنت أغسل وأخره نقلا للفظها بعينه.
قوله (( أو بقعا ) )الظاهر أنه من كلام عائشة رضي الله عنها ويحتمل أن يكون شكا من سليمان فإن قلت لم يعلم من الحديث حكم غسل غير الجنابة الذي هو بعض الترجمة. قلت علم بالقياس على الجنابة. فإن قلت كيف الحكم على نسخه تأنيث الضمير في أثرها قلت قالوا في غسل النجاسات أنه يحتاج إلى زوال كل صفاتها إذا كانت سهلة الزوال أما لو كانت عسرة فقد عفي عن إزالة اللون أو الرائحة العسرتين. قال ابن بطال وأثر الغسل يحتمل معنيين أحدهما أن يكون معناه بلل الماء الذي غسل به الثوب والضمير راجع إلى أثر الماء فكأنه قال وأثر الغسل بالماء بقع الماء فيه يعني لا بقع الجنابة، وثانيهما أن يكون معناه وأثر الغسل يعني أثر الجنابة الذي غسلت بالماء فيه بقع الماء الذي غسلت به الجنابة، والضمير فيه راجع إلى أثر الجنابة لا إلى أثر الماء وكلا الوجهين جائز لكن لفظ ثم أراه في الحديث الآخر يدل على أن البقع كانت بقع المني؛ لأن العرب أبدا ترد الضمير إلى أقرب مذكور وضمير المني أقرب من ضمير الغسل.
وأقول جعل بقع الماء على الوجهين خبرًا لقوله وأثر الغسل نعم يحتمل أن يقال جعله مبتدأ وفيه خبره والجملة خبر الأثر سيما حيث حصر إذ لا طريق للحصر هنا إلا التقديم على المبتدأ ثم لا نسلم أن لفظ ثم أراه يدل على أنها بقعة المني إذ أقرب المذكورات النبي صلى الله عليه وسلم أي ثم أرى النبي صلى الله عليه وسلم في ثوبه بقعة من الماء أو بقعا منه أو الأقرب الثوب أي أرى ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بقعة أو بقعًا من الماء.