فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 3844

عن أم عطية كنا ننهى أن نحد على ميت الحديث.

هدا الحديث أخرجه (خ) هنا مطولًا، وفي الجنائز، والطلاق مختصرًا، وأخرجه (م) أيضًا.

وقع في بعض النسخ حديث هشام أولًا، وفي بعضها تأخيره.

والفائدة فيه أن أم عطية أسندته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحًا، وكذا هو في كتاب (د، ن، ق) من حديث هشام مسندًا.

وساقه (خ) ص 627 في الجنائز من حديث ابن سيرين، قال توفي ابن لأم عطية، فلما كان يوم الثالث دعت بصفرة، فتمسحت به، وقالت (( نهينا أن نحد أكثر من ثلاث إلا لزوج ) ).

نحد بضم أوله، وكسر ثانيه، وبفتح أوله وضم ثانيه، رباعيا وثلاثيا يقال أحدت وحدت، حدادًا، وإحدادًا، فهي حاد، محد، والثاني أكثرهما في كلام العرب.

وأبى الأصمعي إلا أحدت ولم يعرف حدت، حكى في (( المحكم ) )، وهو المنع من الزينة، وأصل هذه الكلمة المنع، ومنه قيل للبواب حدادًا؛ لأنه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم فحكاه بالجيم من جددت الشيء إذا قطعته، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، وعما كانت عليه قبل ذلك.

وظاهر الحديث، وجوب الإحداد على كل من هي ذات زوج، وسواء فيه المدخول بها وغيرها، والصغير والكبير، والبكر والثيب، والحرة والأمة، وقال أبو حنيفة لا حداد على الصغير، ولا على الزوجة الأمة.

وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد والأمة إذا توفي عنها سيدها، ولا على الرجعية.

وفي المطلقة ثلاثًا قولان. وقال الحكم وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور، وأبو عبيد عليها الإحداد.

وهو قول ضعيف للشافعي، وقال عطاء وربيعة ومالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر بالمنع، وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على المطلقة ولا على المتوفى عنها، وهو شاذ.

وظاهر الحديث عدم وجوبه على الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه قال أبو حنيفة وأبو ثور، والكوفيون، وابن نافع وأشهب، وقال الشافعي وعامة أصحاب مالك عليها الإحداد. واختلف عند المالكية في امرأة المفقود، والتي تتزوج في المرض والنكاح الفاسد.

قولها (( فوق ثلاث ) )تعني به الليال مع أيامها؛ ولذلك أنث العدد، ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها ولها أن تمنع من الزينة ثلاثة أيام متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها في بقية يوم أو ليلة ألقتها وحسبت من الليلة المستقبلة.

قولها (( إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا ) )منصوب على الظرف، والعامل فيه تحد، وعشرًا معطوف عليه، وخص بأربعة أشهر وعشر؛ لأن الغالب تبين حركة الحمل في تلك المدة، وأنث العشر؛ لأنه أراد الأيام بلياليها، كما سلف.

وهو مذهب العلماء كافة، إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر. وعند الجمهور لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، وهذا خرج على الغالب في المعتدات أنها تعتد بالأشهر.

أما إذا كانت حاملًا فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواءً قصرت المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء لا يلزمها الإحداد بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع الحمل.

قولها (( ولا نكتحل ) )فيه دلالة على تحريم الكحل على الحادة سواء احتاجت إليه أم لا.

وجاء في (( الموطأ ) )وغيره من حديث أم سلمة (( اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار ) )فهو محمول على الحاجة إليه، والأولى تركه؛ لحديث أن ابنتي اشتكت عينها، أفنكحلها؟ قال (( لا ) ).

ولعله محمول على ما إذا لم تبلغ الحاجة، وجوزه مالك فيما حكاه الخطابي كحل غير مطيب، وعمم غيره، فإن دعت حاجة إلى الاستعانة بها جاز، والمراد بالكحل الأسود والأصفر، أما الأبيض كالتوتيا ونحوه فلا تحريم فيه عند أصحابنا؛ إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على البيضاء حيث تتزين.

قولها (( ولا نتطيب ) )ص 628 فيه صراحة بتحريمه عليها، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام وسواء ثوبها وبدنها.

فرع يحرم عليها أيضًا أكل طعام فيه طيب.

قولها (( ولا نلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب ) )بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، وهو برود اليمن يعصب غزله، أي يجمع ويشد، ثم ينسج، فيأتي موشيا؛ لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال برد عصب وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل هي برود مخططة والعصب الفتل والعصاب الغزال، فيكون النهي للمعتدة عما صبغ بعد النسخ.

قال ابن المنذر أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبغة إلا ما صبغ بسواد، فرخص فيه عروة ومالك والشافعي، وكرهه الزهري، وكره عروة العصب، وأجازه الزهري، وأجاز مالك تخليطه، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقًا.

وهذا الحديث حجة لمن أجازه، نعم أجازوا ما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبة، واحتمال الوسخ كالأسود والكحلي بل هو أبلغ في الحداد، بل حكى الماوردي وجهًا أنه يلزمها لبسه في الحداد، أعني السواد [1] ، وروي عن عمر أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال نبئت أنه يصبغ بالبول، ثم قال نهينا عن التعمق.

والنبذة بضم النون القطعة والشيء اليسير، والكست بضم الكاف ومثناة فوق، وروي بالطاء أيضًا، كما حكاه ابن الأثير.

وفي (م) قسط بالقاف والطاء، وحكاها الفضيل بن سلمة في كتاب (( الطيب ) )ثلاث لغات، قال وهو من طيب الأعراب، وحكاها ابن الجوزي في (( غريبه ) )ومن خطه نقلت؛ لكنه قال بدل كست كسط، وأعجم السين، وصحح على الطاء، وذكر في باب الكاف أن الكست القسط الهندي، فيتحصل فيه إذن أربع لغات، وأما رواية (خ) (( قسط ظفار ) )، فقال ابن بطال وابن التين كذا وقع فيه، وصوابه كست ظفار، نسبة إلى ظفار، ساحل من سواحل عدن.

أقول قال ياقوت ظفار بفتح أول والبناء على الكسر كقطام وحذام مدينتان باليمن إحداهما قرب صنعاء ينسب إليها الجزع الظفاري بها كان مسكن ملوك حمير، وقيل ظفار هي مدينة صنعاء نفسها، وظفار اليوم مدينة على ساحل بحر الهند بينها وبين مرباط خمس مراسخ من أعمال الشحر قريبة من صحار ومرباط هي المرسى دون ظفار واللبان لا يوجد إلا بحبال ظفار من شجر مسيرة ثلاثة أيام في مثلها، يجيئه أهل تلك البلاد يجرحون الشجرة بالسكين فيسيل منه على الأرض فيجمعونه ويحملوه إلى ظفار انتهى.

وقال القرطبي ظفار مدينة باليمن، وعلى هذا ينبغي أن لا تنصرف للتعريب والتأنيث، والذي في (م) (( قسط أو أظفار ) )وهو أحسن فإنهما نوعان، قيل هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شبيهة بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع فيه أثر الدم.

وعن الصغاني ظفار في اليمن أربعة مواضع مدينتان وحصنان، فالمدينتان هما اللذان ذكرهما ياقوت.

والحصنان أحدهما في مباني صنعاء، على مرحلتين، ويسمى ظفار الواديين.

والثاني من بلاد همدان ص 629 ويسمى ظفار الظاهر.

وقال ابن سيده الظفر ضرب من العطر أسود مغلف، من أصله على شبه ظفر الإنسان يوضع في الدخنة، والجمع أظفار وأظافر، وقال صاحب (( العين ) )لا واحد له، وظفر ثوبه طيبه بالظفر.

وفي (( الجامع ) )الأظفار شيء من العطر، يشبه الأظفار يتخذ بها مع أخلاط، ولا يفرد واحدها، وإن أفرد فهو إظفارة، في كتاب أبي موسى المدني عن الأزهري واحده ظفر.

قولها (( وكنا ننهى عن اتباع الجنائز ) )سيأتي بحثه في بابه إن شاء الله تعالى. ووجه مناسبة الحديث لما ترجم له ظاهر.

قال المهلب أبيح للحائض محدا كانت أو غيره عند غسلها في المحيض أن تدرأ رائحة الدم عن نفسها بالبخور بالقسط ونحوه، مما هي مستقبلة من الصلاة ومجالسة الملائكة؛ لئلا تؤذيهم برائحة الدم.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( تحد ) )أي المرأة، وفي بعضها (( نحد ) )بالنون؛ أي نحن وكذا (( لا تكتحل ) )وأخواته، الجوهري أحدت المرأة أي امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة زوجها، وكذلك تحدت تحد بالضم وتحد بالكسر حدادًا، وهي حاد ولم يعرف الأصمعي إلا حدت فهي محدة.

قوله (( زوجها ) )وفي بعضها (( زوج ) )والأول موافق للفظ تحد غائبة والثاني بصيغة.

قوله (( عشر ) )أي عشر ليال إذ لو أريد به الأيام لقيل ثلاثة بالثاء، قال الزمخشري في قوله تعالى {أربعة أشهر وعشرًا} لو قلت في مثله عشرة لخرجت من كلام العرب لا تراهم قط يستعملون التذكير فيه، وقال بعضهم الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد، وإنما هو عند ذكر المميز أما لو لم يذكر جاز فيه التاء وعدمه مطلقًا.

قوله (( ولا نكتحل ) )بالرفع، وفي بعضها بالنصب، فتوجيهه أن تكون لا زائدة وتأكيدًا. فإن قلت لا لا تؤكد إلا إذا تقدم النفي عليه، قلت تقدم معنى النفي وهو النهي.

وفي بعضها (( وإذا اغتسلت ) )بالواو فهو من باب أعجبني زيد وكرمه.

قوله (( في نبذة ) )بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالمعجمة، وهي الشيء اليسير وإنما أرادت بذلك التقليل منه بمقدار ما يقطع الرائحة.

التيمي روى بلفظ أظفار والصواب ظفار، النووي المقصود باستعمال المسك إما تطيب المحل ودفع الرائحة الكريهة، وأما كونه أسرع إلى الولد إن قلنا بالأول يقوم مقامه القسط والأظفار شبهها، أقول كلامه يدل على أن أظفار طيب لا موضع فتأمل انتهى.

أقول فإن قلت ما مناسبة قول أم عطية كنا ننهى عن اتباع الجنائز بعد قولها كنا ننهى إلى آخره. قلت والله أعلم لما ذكرت الإحداد وهو بعد موت الروح يأست أن تذكر أن لا تسع زوجته جنازته، فإن خروجها خلف جنازته ينافي الإحداد فإن من شروطه ملازمة مسكنها.

[1] في هامش المخطوط أقول وفي غالب العراق والعجم يفعلون ذلك البتة أن المتوفى عنها زوجها تلبس السواد وتحتد بما ذكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت