فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث ابن عباس كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث.
هذا الباب كذا هنا في الأصول، وقدم ابن بطال عليه كتاب الصوم وهو قريب فلنقتد بالجم الغفير، فنقول قرئ في السبعة (( {حج البيت} [آل عمران97] ) )بالفتح والكسر، لغتان، وقيل بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقيل عكسه.
وقال ابن السكيت بالفتح القصد، وبالكسر القوم الحجاج، والحجة المرة الواحدة، وبالكسر التلبية والإجابة.
وقيدها الجوهري بالكسر، قال أبو موسى الحافظ وهو من النوادر. ص 1545
قلت وأنكره قوم. وحكي عن الكسائي أنه قال يقال في كل شيء فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة ورويت روية يعني إلى الغزو.
قال أبو إسحاق والحج بفتح الحاء الأصل تقول حججت الشيء أحجه حجًا إذا قصدته، والفتح والكسر اسم للعمل.
وفي (( أمالي الهجري ) )الحج أكثر العرب يكسرون الحاء فقط.
قلت ويجمع على حجج.
قوله (( {ومن كفر} [آل عمران97] ) )أي من أهل الملل أو بفرضه، ونقله ابن التين عن أكثر المفسرين، أو هو من إن حج لم يره برًا وإن جلس لم يره إثمًا، وفي حديث (( من حج لا يرجو ثوابه ولا يخاف عقابه فقد كفر ) ).
قال سعيد بن جبير، عن عمر لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة.
وفي اللغة القصد، وفي الشرع قصد الكعبة للنسك الآتي بيانه، وقام الإجماع ودلائل الكتاب والسنة على فرضيته، واختلف متى فرض على سبعة آراء أغربها قبل الهجرة، وأقربها قولان سنة خمس أو سنة ست، وقيل سنة ثمان، وقيل تسع، وصححه القاضي عياض.
وقيل سنة سبع، وقيل عشر، وهما غريبان، فصارت سبعة أقوال.
وقام الإجماع على أنه لا يتكرر إلا لعارض كنذر.
فرع يجب الحج عندنا على التراخي خلافًا للمزني، ووفاقًا للأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن وابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاووس.
وقال مالك في رواية وأبو يوسف هو على الفور، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك، قال أبو يوسف مذهبه يقتضي أنه على الفور، وهو الصحيح عندهم.
وأما حديث الباب فأخرجه (م) في (( صحيحه ) )، وأخرجه (خ) في الاستئذان أيضًا، وقال وأعجبه حسنها يعني الفضل (( فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها ) )، وأخرجه بلفظ هل يقضي أن أحج عنه؟ وذكره في الاعتصام أيضًا عنه إن أمي نذرت الحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال (( حجي عنها ) )، وذكر في النذور أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أختي نذرت، بمثله.
فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وهو إجماع، وقد جمع ابن منده الإرداف في جزء مما سلف فزاد على الثلاثين، ويحتمل الزيادة، فالارتداف للسادة والرؤساء سائغ ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ومشقة الرحالة؛ ولأن الراكب فيه أفضل كما تعلمه.
قوله (( فجاءت امرأة من خثعم ) )وأسلفنا رواية أخرى من جهينة، وهاتان القبيلتان لا يجتمعان لتعديهما، وهذه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غائثة، لكن فيها أنها سألت عن أمها ففي كتاب (( الصحابة ) )لابن منده وأبي نعيم في باب الغين المعجمة غاثية أو غائثة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال (( اقضي عنها ) ).
وفيه دليل على أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع كما حكاه ابن عبد البر، ويحتمل أن يكون كما قال ابن التين أنها سدلت ثوبًا على وجهها.
وفي نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات.
وفيه أن العالم يغير من المنكر ما أمكنه إذا رآه، وأسند ابن المنذر من حديث ابن عباس قال كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن فقال (( يا ابن أخي، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له ) )، ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إليه، وكان الفضل وضيئًا؛ أي جميلًا، ويحتمل أن يكون الشارع اجتزأ بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأن حكمهما واحد، أو تنبهت لذلك أو كان ذلك الموضع هو محل نظره ص 1546 الكريم فلم يصرف نظرها.
وقال الداودي فيه احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن وجوه الرجال، إنما يغضضن عن عورتهن، وقال بعض المالكية ليس على المرأة تغطية وجهها بهذا الحديث، وإنما على الرجل غض بصره، وقيل إنما لم يأمرها بتغطية وجهها, لأنه محل إحرامها، وصرف وجه الفضل بالفعل أقوى من الأمر.
وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن المراد في قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور31] أي الوجه والكفان.
وبه قال أبو حنيفة والثوري وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن ابن صالح لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام.
وحاصل مذهب مالك ثلاثة أقوال مشهورها لا تجوز النيابة، ثالثها تجوز في الولد.
ويكره للمرء إجارة نفسه على المشهور.
قال ابن المنذر وأجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئه غيره عنه.
وعن النخعي وبعض السلف لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره، وهي رواية عن مالك، وإن أوصى به.
وفي (( مصنف ابن أبي شيبة ) )عن ابن عمر أنه قال لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد.
وقال الشافعي والجمهور يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى أم لا، وهو واجب في تركته.
وعندنا تجوز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين، والحديث حجة على الحسن بن حي في قوله إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل، وهو حجة لمن أجازه.
وقال صاحب (( الهداية ) )الأصل أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صدقة أو صومًا أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما روي أنه عليه السلام ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته، والعبادات أنواع مالية مطلقة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركب منهما كالحج، والنيابة تجزئ في النوع الأول لا الثاني، وتجزئ في الثالث عند العجز دون القدرة، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت.
قال الخطابي العجب من مالك كيف روى هذا الحديث ولم يقل به، قال وقد تأول بعضهم أن معنى (( أدركت أبي شيخًا كبيرًا ) )أي أسلم وهو شيخ كبير بهذه الصفة.
وقال ابن عبد البر اختلف في معنى هذا الحديث، فذهب جماعة إلى أنه مخصوص به أن الخثعمية لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره، بدليل الآية السالفة {من استطاع إليه سبيلًا} وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج، فلما لم يكن عليه الحج لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال ذلك مالك وأصحابه؛ لأن الحج عندهم من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد عن أحد كالصلاة.
وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد العبدري أن امرأة قالت إن أبي شيخًا كبيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( حجي عنه، وليس لأحد بعده ) )، وهو ضعيف بالإرسال.
فرع غريب عن ابن سيرين كانوا يرون أن المرأة إذا حجت وفي بطنها ولد، أن له حجًا، وعن طاوس يجزئ عن الصغير حجة حتى يكبر.
وأجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط في إيجاب الحج، واختلف في تفسيرها على قولين
أحدهما أن من قدر على الوصول ببدنه فقد لزمه، وإن لم يجد راحلة، وهو بمنزلة من يجدها ويعجز عن المشي، ص 1547 وهو قول ابن الزبير وعكرمة والضحاك، وبه قال مالك.
ثانيهما الزاد والراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وعبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وظاهر قول ابن حبيب.
فرع انفرد أبو محمد بن حزم حيث قال الحج واجب على العبد؛ احتجاجًا بقول جابر وابن عمر ما من مسلم، وقال الآخر ما من أحد من خلق الله إلا عليه عمرة وحجة معًا, ولم يخصا إنسيًا من جني ولا حرًا من عبد، وسئل القاسم وسليمان بن يسار عن العبد يحج بإذن سيده فقالا يجزئ عنه من حجة الإسلام، فإذا حج بغير إذنه لم يجز.
ادعى الطحاوي ثم الطرطوشي، أن في هذه الأحاديث ما يدل على أنه جائز للرجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاقها ولم يسأله أحججت أم لا؟ ويدل عليه تشبيهه بالدين ويجوز قضاؤه بغير إذن من عليه.
قال والذي يدل عليه أن من حج تطوعًا ولم يحج الفرض أنها تكون تطوعًا كما قاله من قاله من أهل المدينة يعني المالكيين والكوفيين ولا يكون عن حجة الإسلام كما قاله من قاله ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت كاملة، وإن لم يكن أكملها قال تعالى لملائكته انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع؟ فأكملوا ما ضيع من فريضته ) )، والزكاة مثل ذلك ثم تؤخذ الأعمال على مثل ذلك، فدل أنه جائز للرجل أن يحج تطوعًا، وإن لم يكن حج الفرض، وأنه جائز أن يحج عن غيره قبل نفسه.
قال وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول لبيك عن شبرمة، قال (( من شبرمة؟ ) )قال أخ لي أو قريب لي قال (( أحججت عن نفسك؟ ) )قال لا، قال (( اجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة ) )، فلا حجة فيه لمن تعلق به، وهو حديث معلول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس.
وقال الشافعي والأوزاعي وإسحاق لا يجوز، ويقع إحرامه عن حجة الإسلام.
وعن ابن عباس يقع الحج باطلًا ولا يصح عنه ولا عن غيره، ونقل عن بعض الحنابلة كما في (( المغني ) ).
قال والدي رحمه الله تعالى
الحج لغة القصد، واصطلاحًا قصد الكعبة لعبادة تشتمل على الوقوف بعرفة.
قوله (( شيخًا ) )حال (( ولا يثبت ) )أيضًا حال فهما متداخلان أو هو صفة لـ (( شيخًا ) )ومعناه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ أو حصل له المال في هذه الحال.
قوله (( أفأحج ) )فإن قلت الهمزة تقتضي الصدارة والفاء تقتضي عدم الصدارة فأين المعطوف عليه؟ قلت هي عاطفة على مقدر بعد الهمزة؛ أي أنوب عنه فأحج له.
قوله (( في حجة ) )بكسر الحاء وفتحها وسميت بذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها وليس هذه الإضافة للتقييد التمييزي؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا هذه الحجة.
وفيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة وسماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء ونحوه، وتحريم النظر إليها وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وجواز النيابة في الحج عن العاجز وحج المرأة عن الرجل وبر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء الديون وغيره، ووجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره وجواز قول حجة الوداع ص 1548 بدون كراهة.
الخطابي فيه جواز الحج عن غيره إذا كان مغصوبًا ولم يجوزه مالك راوي الحديث، وهو الحجة عليه.
التيمي قال الشافعي لا يجوز للصحيح أن يستنيب لا في الفرض ولا في النفل، وقال أبو حنيفة يجوز في النفل.
الزركشي
(( من خثعم ) )مجرور بالفتحة؛ لأنه غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، حي من بجيلة، وبجيلة من قبائل اليمن.
(( رديف ) )يقال ردفته ركبت خلفه على الدابة، وأردفته أركبته خلفي.