فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 3844

ذكر فيه حديث عائشة وميمونة عن عائشة أنه عليه السلام كان إذا اغتسل من الجنابة الحديث، وحديث ميمونة قالت توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة الحديث.

أما حديث عائشة فأخرجه (خ) من حديث مالك، وأخرجه (م) من حديث أبي معاوية، وفي آخره ثم غسل رجليه.

وحديث ميمونة أخرجه (م) أيضًا وباقي الستة.

وكان في حديث عائشة تدل على الملازمة والتكرار، لقول ابن عباس كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير.

وقولها (( إذا اغتسل ) )يحتمل أن يكون المراد إذا أراده، ويحتمل أن يكون المراد شرع فيه.

وقولها (( غسل يديه ) )أي قبل إدخالهما الإناء، كما جاء مصرحًا به في بعض الروايات، ولا خلاف في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف في الوجوب.

وقولها (( ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ) )ثم يؤخذ منه استحباب تقديم أعضاء الوضوء في الغسل، والظاهر أنه وضوء حقيقة، وإن كان يحتمل أن المراد تقديم غسل هذه الأعضاء على غيرها على ترتيب الوضوء، وقدمت على بقية الجسد تكريمًا لها، وبالثاني صرح ابن داود من أصحابنا في (( شرح المختصر ) )، وإذا قلنا بالأول فظاهره إكمال الوضوء، وهو أصح قولي الشافعي رحمه الله، وله قول آخر يؤخر غسل رجليه عملًا بظاهر حديث ميمونة، والخلاف عند مالك أيضًا.

وله قول ثالث أنه إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا والماء قليلًا أخر جمعًا بين الأحاديث، وأجاز أبو حنيفة التأخير، وادعى أبو ثور وأهل الظاهر وجوب هذا الوضوء، وأوجبه بعض أصحابنا إذا كان محدثًا مع الجنابة [1] .

أما الوضوء بعد الغسل فعنه مشروع إذا لم يحصل منه حدث، وقد كان عليه السلام لا يتوضأ بعده كما رواه (ت) والحاكم وصححاه، وما روي عن أبي البحتري عن علي أنه كان يتوضأ بعد الغسل؛ فمنقطع ومحمول على أنه عرض عارض يوجبه.

وأما حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة توضأ وضوءه للصلاة. فالمراد والله أعلم كان إذا أراد الاغتسال. وأما ابن شاهين، فزعم أنه حديث غريب صحيح. وزعم أنه منسوخ، ولا حاجة إلى ادعاء ذلك، ونقل ابن بطال في باب من توضأ من الجنابة الإجماع ص 569 على عدم وجوب الوضوء في الغسل.

وقولها (( كما يتوضأ للصلاة ) )لعله احتراز من الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح رأسه في هذا الوضوء. والصحيح، كما قال في (( المبسوط ) )؛ لأنه أتم للغسل.

وقولها (( ثم يدخل أصابعه ) )فيه استحباب ذلك وحكمته سهولة إدخال الماء إلى أصول الشعر، ثم هذا التخليل عام لشعر الرأس واللحية، فقيل واجب. وقيل سنة. وقيل واجب في الرأس، وفي اللحية قولان للمالكية وأوجب ذلك أبو حنيفة في الغسل دون الوضوء، وقد ورد في عدة أحاديث أن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر.

ونقل ابن بطال في باب تخليل الشعر الإجماع على تخليل شعر الرأس، وقاسوا اللحية عليها.

قولها (( ثم يصب على رأسه ثلاث غرف ) )فيه استحباب ذلك في الرأس، وباقي الجسد مثله، وخالف الماوردي من أصحابنا، والقرطبي من المالكية فقالا لا يستحب التثليث في الغسل.

قال القرطبي لا يفهم من هذه الثلاث، أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه كان قد أفاض على جانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة.

وقولها (( ثم يفيض الماء على جسده كله ) )هذا صفة الغسل ولم يذكر فيه الدلك، وهو مستحب عندنا وعند أحمد وبعض المالكية وأهل الكوفة، وخالف مالك والمزني فذهبا إلى وجوبه.

قولها (( وغسل فرجه، وما أصابه ) )فيه مشروعية ذلك قبل الغسل، والواو هنا للجمع لا للترتيب، إذ المراد غسل فرجه ثم توضأ، كما جاء مبينًا في بعض الطرق.

قولها (( ثم نحى رجليه فغسلهما ) )فعل ذلك ليقع الاختتام بأعضاء الوضوء، كما وقع الابتداء بها، واستدل به من يرى التفريق بغير عذر.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( فاطهروا ) )فإن قلت كيف الجمع بينه وبين ما جاء في الحديث المؤمن لا ينجس أو الطهارة في مقابلة النجاسة. قلت التطهير أعم من أن يكون من الحدث أو الحنث، وأما عرض (خ) من هاتين الآيتين أن وجوب الغسل على الجنب مستفاد من القرآن.

قوله (( إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل ) )فإن قلت لم ذكر هذه الألفاظ بالماضي والبواقي بالمضارع، قلت إن كان إذا شرطية فالماضي بمعنى المستقبل فالكل مستقبل معنى، وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل، وما ليس كذلك وإن كان ظرفية فما جاء ماضيًا فهو على أصله وما عدل عن الأصل إلى المضارع فلاستحضار صورته للسامعين.

قوله (( الشعر ) )وفي بعضها (( شعره ) )وإنما فعل ذلك ليلين الشعر ويرطبه فيسهل مرور الماء عليه. قوله (( ثلاث غرف ) )جمع الغرفة بالضم وهو قدر ما يغرف من الماء بالكف وفي بعضها (( غرفات ) ).

فإن قلت هذا هو الأصل لأن مميز الثلاثة ينبغي أن يكون من جموع القلة فما الوجه في غرف. قلت جمع الكثرة يقام مقام جمع القلة وبالعكس وأما الكوفيون بضم الفاء وكسرها من باب جموع القلة كقوله تعالى {فأتوا بعشر سور} وقوله تعالى {ثماني حجج} .

قوله (( يفيض ) )أي يسيل، وفيه استحباب غسل اليدين قبل الغسل وتثليث الصب وتخليل الشعر وجواز إدخال الأصابع في الماء. قوله (( غير رجليه ) )فإن قلت ما التلفيق بينه وبين رواية عائشة. قلت زيادة الثقة مقبولة فيحمل المطلق على المقيد فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره وهو ما سوى الرجلين.

فإن قلت الزيادة في رواية عائشة حيث أثبتت غسل الرجلين. قلت مراد المحدثين ص 570 بزيادة الثقة الزيادة في اللفظ، وقال بعضهم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد غسل القدمين بعد الفراغ لإزالة الطين لا لأجل الجنابة، ويحتمل أن يقال أنهما كانا في وقتين مختلفين فلا منافاة بينهما.

فإن قلت فالعمل على أيهما أفضل؟ قلت للشافعي قولان أصحهما أنه لا يؤخر غسلهما. فإن قلت فلم أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت بيانًا للجواز.

قوله (( وغسل فرجه ) )أي ذكره وهذا دليل على صحة إطلاق الفرج على الذكر. فإن قلت غسل الفرج مقدم على التوضؤ فلم أخره. قلت لا يجب التقديم أو الواو ليس للترتيب أو أنه للحال.

فإن قلت ما المراد بالأذى. قلت الظاهر أنه هو المستقذر الطاهر.

قوله (( غسله ) )بضم الغين (( وهذه ) )إشارة إلى الأفعال المذكورة.

ابن بطال واعلم أن العلماء مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الوضوء بعد الغسل فلا وجه له عندهم قال ويحتمل أن يكون تقديم الوضوء عليه لفضل أعضاء الوضوء، وما روي عن علي أنه كان يتوضأ بعد الغسل لو ثبت لكان إنما يفعله لانتقاض وضوئه أو شك فيه.

[1] في هامش المخطوط أقول لما يتصور في مذهب الشافعي أن يجنب بجماع بدون تقدم حدث أصغر وهو اللمس فإنه لا بد من اللمس ثم الإيلاج إلا بنوع آخر غير اللمس فنعم فحينئذ يصير سببان للحدث الأصغر هذا عند الشافعي وعند غيره يتصور بالحنفية فإن اللمس غير ناقض للوضوء فيولج ذكره وهو على طهارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت