فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث عروة قال سألت عائشة، الحديث.
وقد أخرجه (م) والأربعة.
قوله (( أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن ) )قائل هذا هو الزهري، كما صرح به (م) ، وزعم الحميدي أن أبا معاوية الضرير تفرد عن هشام بقوله إن الأنصار كانوا يطوفون بين الصفا والمروة، وسائر الروايات عن هشام أنهم كانوا لا يطوفون بينهما.
وما ذكرته عائشة مرة رضي الله عنها من بديع فقهها، ومعرفتها بأحكام الألفاظ؛ لأن الآية الكريمة إنما اقتضى ظاهرها رفع الحرج عمن طاف بين الصفا والمروة، وليس بنص في سقوط الوجوب، فأخبرته أن ذلك محتمل، ولو كان نصًا في ذلك لكان يقول فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما؛ لأن هذا يقتضي سقوط الإثم عمن ترك الطواف، ثم أخبرته أن ذلك إنما كان بسبب الأنصار، وقد جاء أن الأنصار قالوا إنما أمرنا بالطواف ولم نؤمر بين الصفا والمروة، فنزلت الآية، وعروة أول الآية بأن لا شيء عليه في تركه؛ لأن هذا اللفظ أكثر ما يستعمل في المباح دون الواجب، ولكن سببه أنه خوطب به من رأى الحرج فيه.
وجاء أن من العرب من كان يقول إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن أراها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
وفي (( أسباب النزول ) )للواحدي قال ابن عباس كان على الصفا صنم على صورة رجل، يقال له إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة يقال لها نائلة، يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا؛ ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين، فنزلت هذه الآية.
وقال الفراء فيما نقله الأزهري كانت العرب عامة لا يرون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يطوفون بينهما، فأنزل الله تعالى {لا تحلوا شعائر الله} [المائدة2] أي لا تستحلوا ترك ذلك.
وقال أبو عبيدة {شعائر الله} واحدها شعيرة، وقيل شعاره، حكاه في (( الموعب ) )و (( المطالع ) )، وهو ما أشعر لهدي البيت لله.
وقال الزجاج هي جميع متعبدات الله التي أشعرها الله؛ أي جعلها أعلامًا لنا، وهي كل ما كان من موقف أو سعي وذبح، وإنما قيل {شعائر} لكل علم مما تعبد به.
وقال الحسن شعائره دينه.
وقال السجستاني في (( مصاحفه ) )وجدت في مصحف أبي بن كعب ?فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما?.
وقال الزمخشري هي قراءة ابن مسعود، زاد غيره وابن عباس.
قال الزجاج يجوز {أن يطوف} ، ويطوف، على الإدغام، لقرب مخرج التاء من الطاء، ومن ضم أوله، فهو من طوف إذا أكثر الطواف.
واختلف في السعي بينهما، فروي عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس أنه غير واجب، ولا دم في تركه، وقال الحسن وعطاء وقتادة والثوري هو واجب، يجبر بدم، وعن عطاء سنة لا شيء فيه، وبه قال الكوفيون.
وقالت عائشة هو فرض لا يصح الحج إلا به، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ص 1652 وأبو ثور وداود، ويأمرون من بقي عليه منه شيء بالرجوع من بلده، فإذا كان وطئ النساء قبل أن يرجع كان عليه إتمام حجة أو عمرة وحج قابل والهدي، كذا حكاه ابن بطال عنهم، ونقل المروزي عن أحمد أنه مستحب، وعن طاوس من ترك منه أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع، وليس هو بركن.
وزعم بعض الشافعية أن الآية الكريمة تم الكلام فيها عند قوله {فلا جناح عليه} ، ثم ابتدأ فقال {عليه أن يطوف بهما} .
والجواب أن الأمر يقتضي رفع الجناح والحرج عمن تطوف بهما، والكلام فيمن سعى بينهما.
فائدة مناة صنم كان نصبه عمرو بن لحي لجهة البحر.
قال ابن الكلبي وقيل هي صخرة لهذيل بقديد، سميت مناة؛ لأن النسائك كانت تمنى بها؛ أي تراق.
وقال الحازمي هي على سبعة أميال من المدينة، وإليه نسبوا زيد بن مناة.
والمشلل بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين الأولى مفتوحة الجبل الذي يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر.
وقال البكري هي ثنية مشرفة على قديد، وقال ابن التين هي عند الجحفة. وفي رواية أبي معاوية أن الأنصار كانوا يهلون لصنمين على شط البحار يقال لهما إساف ونائلة، وإساف بنت بغي، ونائلة بنت ديك، قاله ابن إسحاق وغيره.
ووقع في كلام القرطبي ويقال عمرو، ونائلة بنت سهيل، ويقال ذئب، والمعروف ما قلناه.
قال ولم يكونا قط على شاطئ البحر، وإنما كانا فيما يقال من جرهم زنيا في الحرم داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبا عند الكعبة، وقيل على الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما الناس، ثم حولهما قصي بن كلاب فجعل أحدهما ملاصق الكعبة والآخر بزمزم، وقيل جعلهما بزمزم ونحر عندهما، وأمر بعبادتهما.
وما ذكره من أن قصيًا هو الذي نحر عندهما خلاف ما ذكره الأزرقي أن فاعل ذلك عمرو ابن لحي الذي ابتدع عبادة الأوثان.
وذكر الواقدي أن نائلة حين أمر الشارع بكسرها عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور، وهادمها أبو سفيان فيما ذكره ابن هشام، ويقال علي بن أبي طالب.
قوله (( قال أبو بكر ) )يعني ابن عبد الرحمن (( فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كلاهما في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بين الصفا والمروة، والذين يطوفوا ثم تحرجوا في الإسلام ) )يحتمل أن يكون (( فاسمع ) )أمرًا.
قلت وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه، وعلى الوجهين فإن الآية نزلت فيمن خاف الحرج إذا طاف بينهما.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( باب وجوب الصفا ) )فإن قلت الوجوب إنما يتعلق بالأفعال لا بالذوات؟ قلت المضاف إليه محذوف؛ أي وجوب السعي و (( جعل ) )أي لكل واحد من الصفا والمروة أو السعي بينهما وفي بعضها (( جعلا ) )والشعائر جمع الشعيرة وهي العلامة؛ أي جعلا من علامات الطاعات وشعارها.
قوله (( أرأيت ) )أي أخبريني عن هذه الآية إذ مفهومها عدم وجوب السعي بينهما إذ [1] عدم الإثم على ص 1653 الترك فقالت عائشة مفهومها ليس ذلك بل عدم الإثم على الفعل ولو كان على الترك لقال أن لا يطوف بزيادة لا.
قوله (( مناة ) )بفتح الميم وخفة النون وبالمثلثة [2] اسم صنم و (( الطاغية ) )فاعلة من الطغيان صفة لها ولو روي لمناة الطاغية بالإضافة وتكون (( الطاغية ) )صفة للفرقة وهم الكفار لجاز والمشلل بضم الميم وفتح المعجمة الخفيفة وشدة اللام الأولى اسم موضع قريب لقديد من جهة البحر.
قوله (( يتحرج ) )أي يحترز الحرج ويخاف الإثم.
فإن قلت ما وجه تعلق المناة بكراهة السعي؟ قلت لأنهم ما نصبوها في المسعى بل في المشلل وكان لغيرهم صنمان أحدهما بالصفا والآخر بالمروة واسمهما إساف بكسر الهمزة وخفة المهملة، ونائلة بالنون والألف والهمز فتحرجوا الطواف بينهما كراهة لذينك الصنمين.
قوله أي شرع وجعله ركنًا.
فإن قلت الآية لا تدل على الوجوب فلم جزمت عائشة به؟ قلت إما لأنها استفادت الوجوب من فعله مع انضمام (( خذوا عني مناسككم ) )إليه أو فهمت بالقرائن أن فعله للوجوب أو مذهبها أن مجرد فعله يدل على الوجوب كما قال به ابن شريح وغيره.
والسعي ركن عند مالك الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة واجب لو تركه صح حجه ويجبر بالدم.
قال النووي هذا من دقيق علمها وثاقب فهمها؛ لأن الآية دلت على رفع الجناح عن الطائف فقط فأخبرت عائشة بأن لا دلالة فيها لا على الوجوب ولا عدمه وبينت السبب في نزولها والحكمة في نظمها وقد يكون الفعل واجبًا ويعتقد الإنسان أنه يمتنع إيقاعه على صفة مخصوصة وذلك كمن عليه صلاة الظهر وظن أنها لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك فيقال له في جوابه لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فيكون جوابًا صحيحًا ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر.
قوله (( ثم أخبرت ) )أي قال الزهري ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
قوله (( لعلم ) )بالتنوين؛ أي كلام عائشة لعلم وفي بعضها (( إن هذا العلم ) )فالعلم صفة، و (( ما كنت ) )بلفظ المتكلم خبر وعلى النسخة الأولى بلفظ المخاطب و (( ما ) )موصولة منصوب على الاختصاص أو مرفوع بأنه صفة أو خبر بعد خبر و (( ما ) )نافية و (( كنت ) )هو بصيغة التكلم وحاصله استحسان قولها.
قوله (( كلاهما ) )هو على مذهب من يجعل المثنى في الأحوال كلها بالألف والفريق الأول هم الأنصار الذين يتحرجون احترازًا من الصنمين والثاني هم غيرهم الذين كانوا يتحرجون بعد ما كانوا يطوفون لعدم ذكر الله له.
وحاصله أن إيثار هذا الأسلوب الذي لا يدل على وجوب السعي صريحًا في القرآن هو لمكان الرد على الفريقين على ما اعتقدوا فيه من الحرج فأراد الله رد ذلك فنفى الحرج مصرحًا.
قوله (( ذلك ) )أي الطواف بينهما بعد ذكر الطواف بالبيت وفي بعضها (( بعد ذلك ) )وتوجيهه أن يقال لفظ (( ما ذكر ) )يدل عن (( ذلك ) )أو أن (( ما ) )مصدرية والكاف مقدر كما في زيد أسد؛ أي ذكر السعي بعد ذكر الطواف كذكر الطواف واضحًا جليًا مشروعًا مأمورًا به.
الزركشي
(( لمناة الطاغية ) )مناة اسم صنم كان نصبه عمرو بن لحي بالمشلل مما يلي قديدًا، فيجر بالفتحة، و (( الطاغية ) )صفة لها، ولو روي بكسر الهاء والإضافة لجاز، وتكون (( الطاغية ) )صفة للفرقة الطاغية وهم الكفار.
(( يتحرج ) )بحاء مهملة وآخره جيم؛ أي يخاف الحرج، ومقصود عائشة أن نفي الحرج لم ينصرف إلى نفس الفعل، لكن إلى محل الفعل؛ لأنهم يعبدون في تلك البقعة الأصنام ص 1654 فتحرجوا أن يتخذوها متعبدًا لله.
(( فقال إن هذا العلم ) )بفتح اللام خبر (( إن ) ).
[1] هنا بياض في الأصل.
[2] لعل الصواب (( وبالمثناة ) ).