فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 3844

148 -باب التشهد في الآخر

فيه حديث عبد الله قال كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم .. الحديث.

هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا والأربعة، وهو أشدها صحة باتفاق المحدثين.

وأخرجه (خ) في باب الأخذ باليد من كتاب الاستئذان.

واختلف في التشهد الأخير، فذهب الكوفيون ومالك والأوزاعي إلى أنه ليس بفرض، وقال الشافعي وأحمد هو فرض.

واحتج لشافعي بقوله عليه السلام (( إذا صلى أحدكم فليقل التحيات لله ) )والأمر للوجوب، واعترض بأن كل أمر ليس كذلك بدليل تكبيرات الانتقالات مع الأمر بها وفعله.

فإن قلت الجلسة الآخرة فرض. فكذا ذكرها، كما أن الأولى سنة، وكذا ذكرها. وأجيب بأنه لا تكون الجلسة الآخرة مقدرة بذكرها وإنما هي للسلام، وقد روي عن جماعة من السلف أن من رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته، روي ذلك عن علي وابن المسيب والحسن. وقال عطاء من نسي التشهد فصلاته جائزة.

وعند أبي حنيفة أن الجلوس بقدر التشهد واجب ولا يجب التشهد، وأشهر عن مالك أنه يجب الجلوس بقدر السلام.

واعلم أنه ورد في الباب تشهدات عددتها في تخريجي لأحاديث الرافعي، فبلغت ثلاثة عشر تشهدًا، واختار الشافعي تشهد ابن عباس في (م) والأربعة.

ومالك تشهد عمر في (( الموطأ ) )، وخالف عمر فيه ابنه. وأبو حنيفة تشهد ابن مسعود، وأكثر المحدثين وأحمد، والسلام الله. كما نطق به في الحديث، وهو المسلم لعباده. وقيل ذو السلام.

و (( التحيات ) )جمع تحية، وهي الملك أو البقاء أو العظمة أو السلامة أو الحياة.

و (( الصلوات ) )أي الخمس أو النوافل أو العبادات أو الدعاء. الطيبات، أي طيب القول أو الأعمال الزاكية.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب التشهد في الآخرة ) )أي الجلسة الآخرة وسمي الذكر المخصوص تشهدًا لاشتماله على كلمتي الشهادة.

و (( جبريل ) )فيه سبع لغات بوزن تعليل وبحذف الباء وبحذف الهمزة وبوزن قنديل وبهمز ولام مشددة وبوزن جبراعيل وجبراغل ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة.

و (( ميكائيل ) )فيه خمس لغات وزن قنطار ميكاعيل وميكاعل وميكيل وميكييل.

قوله (( إن الله ) )هو السلام.

فإن قلت هذا إنما يصح ردًا عليهم لو قالوا السلام على الله. قلت هذا الحديث مختصر مما سيأتي في باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد. وقال فيه قلنا السلام على الله. فقال لا تقولوا [على الله] فإن الله هو السلام.

وحاصله أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر التسليم على الله وعليهم أن ما يقولونه عكس ما يجب أن يقال فإن كل سلامة ورحمة له ومنه وهوص 1027 ومعطيها.

الخطابي المراد أن الله هو ذو السلام فلا يقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود ومرجع الأمر في إضافة السلام إليه أنه ذو السلامة من كل نقص وآفة وعيب، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة عن الآفات.

النووي معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى يعني السالم من النقائص وقيل المسلم أولياءه وقيل المسلم عليهم، وقال لفظ فليقل فيه أن التحيات واجبة لأن الأمر للوجوب.

وقال الشافعي التشهد الأول سنة والأخير واجب وأبو حنيفة ومالك هما سنتان ليسا بواجبين وأحمد هما واجبان وفي رواية الأول واجب والثاني فرض.

قوله (( التحيات ) )الخطابي هي كلمات مخصوصة كانت العرب تحي بها الملوك نحو قولهم أبيت اللعن وقولهم أنعم صباحا.

وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله فتركت أعيان تلك الألفاظ واستعمل منها معنى التعظيم فقيل قالوا التحيات لله أي أنواع التعظيم له كما يستحقه.

وقال النضر بن شميل معناها البقاء. يقال حياك الله أي أبقاك الله، وقال أبو عبيدة معناها الملك وقال الصلوات الأدعية والطيبات ما طاب من الكلام فصلح أن يثنى به على الله تعالى دون الكلمات التي تليق بصفاته مما يحيون بها فيما بينهم، وقال بعضهم الأعمال الزاكية.

القاضي البيضاوي الصلوات والطيبات بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على التحيات وأن يكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه عليك، فالطيبات معطوفة عليها والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة والثانية لعطف المفرد على الفرد وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلًا، وزاد المباركات وأخر لله فتكون صفات وقال واختاره الشافعي لأنه أفقه.

قوله (( السلام عليك ) )قيل معناه التعوذ بالله فإن السلام اسم من أسمائه تعالى تقديره الله عليك أي حفيظ كما يقال الله معك أي بالحفظ وقيل السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذة أي السلامة والنجاة لك.

النواوي يجوز فيه حذف الألف واللام ولا خلاف في جواز الأمرين هنا، ولكن المعرف أفضل وأما سلام التحلل فمنهم من جوز الأمرين ومنهم من أوجب التعريف، وهو الأصح عند الجمهور وأنه لم ينقل إلا معرفًا ولأنه تقدم ذكره في التشهد فينبغي أن يعرف ليعود إلى السابق.

الطيبي التعريف إما للعهد التقديري أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأنبياء المتقدمة يتوجه إليك أيها النبي والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا وإما للجنس؛ أي حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد أنه ما هو وعمر يصدر وعلي من يقول عليك وعلينا وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قول الله وسلام على عباده الذين اصطفى.

فإن قلت هلا جيء بلفظ الغيبة، وهي الظاهرة سياقًا للنقل من تحية الله إلى تحية النبي صلى الله عليه وسلم فيقول سلام عليه قلت نحن نتبع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه حين علم الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم عليه.

قوله (( الصالحين ) )العبد الصالح هو القائم بحقوق الله وحقوق العباد وهذا تعميم بعد تخصيص (( وقلتموها ) )أي هذه الكلمة.

وفيه دليل على أن الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق ولا يقال أنه جمع القلة فلا يزيد على العشرة لأن القلة والكثرة إنما يعتبران في النكرات لا في المعارف.

قوله (( أشهد أن محمدا ) )قالوا يقال رجل محمد إذا كثرت خصاله الحميدة.

قال ابن فارس وبذلك سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمدًا يعني لعلم الله بكثرة فضائله المحمودة ألهم أهله تسميته بذلك.

قوله (( رسوله ) )قال صاحب (( تعليقة الحاوي ) )لو قال إن محمدًا رسوله بطلت صلاته يعني لابد من قول رسول الله بدون الضمير وهو سهو منه ص 1028 إذ لا خلاف في تأدي الفرض بكل من تشهدي ابن عباس وابن مسعود وإنما الخلاف في الأفضل.

اعلم أنهم كانوا يسلمون على الله أولًا ثم على أشخاص معينين فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بكيفية الثناء على الله.

ثم أعلمهم أن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم وأمرهم بإفراد صلوات الله عليه بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم وتخصيص أنفسهم فإن الاهتمام بها أهم ثم أتبعه بشهادة التوحيد لله والرسالة لنبي الله؛ لأنها منبع الخيرات وأساس الكمالات ثم عقبه بالصلوات عليه ليجمع له الفضيلتين الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت