فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقول النبي صلى الله عليه وسلم (( هذا شيء كتبه الله على بنات آدم ) ). وقال بعضهم (( كان أول ما أرسل الحيض ... ) )إلى آخره.
قال المهلب الحديث دال على أن الحيض مكتوب على بنات آدم فمن بعدهم من البنات، وهو من أصل خلقهن الذي فيه صلاحهن، قال تعالى في زكريا عليه السلام {وأصلحنا له زوجه} [الأنبياء90] .
قال أهل التأويل يعني رد الله إليها حيضها لتحمل، وهو من حكمة الباري تعالى الذي جعله سببًا للنسل ألا ترى أن المرأة إذا ارتفع حيضها لم تحمل عادة. قال ابن بطال وقال غيره ليس فيما أتى به حجة؛ لأن زكريا من أولاد بني إسرائيل، والحجة القاطعة في ذلك قوله تعالى {فضحكت} [هود71] في قصة إبراهيم.
قال قتادة يعني حاضت. وهذا معروف في اللغة يقال ضحكت المرأة إذا حاضت، وكذلك الأرنب والضبع والخفاش.
أقول ذكر بعض الأطباء أن الحيض يعرض لأكثر النساء إذا ارتفعت أثداءهن بمقدار إصبعين والحيوانات كلها التي لا تلد حيوانًا ليس يعرض لها حيض وهو قليل خفي في سائر إناث الحيوان قال وقد يوجد لبعض الصبايا قبل وقت الطمث طمث أبيض، فإذا عرض ذلك لهن عوض أبدانهن عن النشوء وصرن قصارًا، قال والحيض ينقطع من أكثر النساء في حدود الأربعين سنة، ومنهم من يلزمها الحيض إلى الخمسين، ولم أر امرأة ولدت بعد الخمسين، وقد تلد الرجال إلى أن يتجاوز السبعين، والأكثر إلى الستين قال ومن الحيوان ما تلد واحدًا ومنها ما تلد أكثر، ونوع الإنسان يوجد له الأمران جميعًا في مواضع تلدن النساء القوم مثل سكان مصر وقد يلدن ثلاثة وأربعة وأكثر ما شوهد خمسة، وقد عرض هذا لكثير من النساء حتى أن امرأة في أربع مرات عشرين ولدًا كل مرة خمسة وعاش أكثرهم.
وقال أسقطت بعض النساء فرمت اثني عشر ولدًا حملت بهم حملًا على حمل.
وقيل إن الكلبة أيضًا تحيض، وروى البيهقي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جيء له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها، وزعم أنها تحيض. وذكر أرسطا طاليس في كتاب (( طبائع الحيوان ) )أن سائر إناث أصناف الحيوان الباقية تحيض إلا أن حيضها نذرة يسيرة بالإضافة إلى أبدانها وأنها لقلة كميتها لا يقف عليها أكثر الناس، ويظنون بها أنها لا تحيض جملة وأن من أطال صحبتها ويفتقد ذلك في إناثها وقف على ذلك منها لا سيما في الحيوانات العظيمة الجيب كالبقر والخيل والحمير، وذكر الفيلسوف أن حيضة هذه الحيوانات ربما اندفعت في بعضها مع البول فلا يحس بها.
وإبراهيم صلى الله عليه وسلم هو جد إسرائيل؛ لأن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ولم ينزل على بني إسرائيل كتاب إلا على موسى عليه السلام، فدل ذلك على أن الحيض كان قبل بني إسرائيل، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لهذا التأويل وصحته.
ثم ساق ص 609 (خ) الحديث الذي ذكره معلقًا عن عائشة تقول خرجنا لا نرى إلا الحج فلما كنا بسرف .. الحديث.
هذا أخرجه (خ) أيضًا في الحج والأضاحي، وأخرجه (م) في الحج و (د) فيه و (ن) فيه والطهارة.
قوله (( لا نرى إلا الحج ) )أي لا نعتقد أنا نحرم إلا به، لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها، أو عن الغالب من حال الناس، أو من حال الشارع، أما هي فقد قالت إنا لم نحرم إلا بعمرة.
وسرف _ بفتح المهملة وكسر الراء ثم فاء _ موضع قريب من مكة على أميال منها، قيل ستة، أو سبعة، أو تسعة، أو عشرة، أو اثنا عشر. ثنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث وفيه ماتت.
قوله (( أنفست؟ ) )بكسر الفاء وفتح النون، وضمها لغتان أصحهما الفتح؛ أي حضت، ويقال في النفاس الذي هو الولادة نفست _ بضم النون وفتحها أيضًا _، ونفى الثاني النووي فقال إنه بالضم لا غير.
وليس كما قال فقد حكاهما فيه صاحب (( الأفعال ) ).
واقتصر الخطابي على الفتح في الحيض، والضم في النفاس. وهو المشهور فيهما، وقيل بالوجهين في النفاس، وفي الحيض بالفتح لا غير.
قوله (( إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ) )أي قضى به عليهن، وهذا تسلية وتأنيس لها وتخفيف لهمها، ومعناه إنك لست مختصة به.
أقول قال بعض العلماء فرق كثير بين قوله (( عقرى حلقى أحابستنا هي ) )وبين قوله لهذه السيدة الجليلة (( هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ) ) [1] .
قوله (( فاقضي ما يقضي الحاج ) )معنى (( اقضي ) )افعلي، وهو دال على أن الحائض والنفساء، والجنب والمحدث يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف، فإنه يشترط فيه الطهارة، وهذا مذهب الجمهور وصححه أبو حنيفة وداود، واختلف عن أحمد في طواف المحدث والنجس، فروي عنه عدم الصحة، والصحة مع لزوم دم كقول أبي حنيفة، حكاه ابن الجوزي.
واعتذروا عن الحديث بأن أمره لها باجتناب الطواف؛ لأجل المسجد واللبث فيه، وجوابه أنه لو أراد ذلك لقال لها لا تدخلي المسجد، ولما قال لها (( لا تطوفي ) )كان ذلك دليلًا على المنع في حق الطواف نفسه، كيف وقد قال عليه السلام (( الطواف بالبيت صلاة ) )؟! والصلاة الطهارة شرط فيها.
أقول ولا فرق بين أن يكون الحائض في حال درور الطمث وبين انقطاعه قبل الغسل فإنه يطلق عليها حائض في حال انقطاع الدم باعتبار ما كان بها من درور الطمث وبما سيكون، وإذا كانت في حال درور الطمث يقال لها حائضة _ بالتاء _، وهذه فائدة نفيسة أعرفها، وبهذا أجبت عن من سأل في قوله تعالى {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} [الحج2] ما الفائدة في دخول التاء مع أن الإرضاع من خواص النساء، وليس المراد بها الوحدة فقيل في الجواب أن المراد أنها تكون في حال إلقام الثدي الطفل وهو بالثاء، وأما إذا لم يكن تلقمته الثدي يقال لها مرضع، وكذلك الحائض.
وقال أبو بكر بن العربي رضي الله عنه في (( أحكام القرآن ) )الحيض عبارة عن الدم الذي يرجى عنه الرحم فتقبض ولها ثمانية أسماء
1 حائض، 2 عارك، 3 فارك، 4 طامس، 5 دارس، 6 كاثر، 7 ضاحك قال مجاهد قوله فضحكت أي حاضت. 8 طامث. انتهى.
قولها (( وضحى عن نسائه بالبقر ) )هو محمول على استئذانه لهن في ذلك، فإن التضحية عن الغير لا تجوز إلا بإذنه، وفي رواية أخرى (( أهدى عن نسائه البقر ) )وهي دالة على أن البقر مما يهدى، وأنه يجوز إهداء الرجل عن غيره، وإن لم يعلمه، ولا أذن له، وكان هذا الهدي والله أعلم تطوعًا.
واستدل به مالك على أن التضحية ص 610 بالبقر أفضل من البدن، ولا دلالة فيه؛ لأنها قضية غير محتملة، ولا حجة فيها، والشافعي والأكثرون ذهبوا إلى أن التضحية بالبدن أفضل من البقر؛ لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( الحيض ) )في اللغة السيلان، وفي الاصطلاح جريان دم المرأة في أوقات معلومة يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها، والاستحاضة جريانه في غير أوانه، قالوا دم الحيض يخرج من قعر الرحم ودم الاستحاضة يسيل من عرق فمه الذي يسيل منه في أدنى الرحم، ويسمى بالعاذل؛ بالمهملة والذال المعجمة.
قوله (( وقول النبي صلى الله عليه وسلم ) )من جملة تعليقات (خ) و (( بنات آدم ) )حقيقة في البنات الصلبية لكن صار بحسب العرف أعم من ذلك.
قوله (( على بني إسرائيل ) )خبر لكان، فإن قلت الحيض أرسل على بنات إسرائيل لا على بنيه. قلت يستعمل بنو إسرائيل ويراد به أولاده كما يراد من بني آدم أولاده أو المراد به القبيلة.
قوله (( أكثر ) )أي أشمل لأنه يتناول بنات بني إسرائيل وغيرهن، وفي بعضها (( أكبر ) )بالموحدة لا بالمثلثة ووجد في بعضها بعد لفظ (( أكبر ) )باب الأمر بالنفساء إذا نفس _ بضم النون _ في اللفظين وفتح الفاء في الأول وكسرها في الثاني.
فإن قلت البحث في الحيض فما وجه تعلقه به. قلت المراد بالنفساء الحائض وأصل ذلك فله خروج الدم، والدم يسمى نفساء، تنفست حاضت.
فإن قلت النفساء مأمورة لا مأمور بها. قلت الباء زائدة وتقديره الأمر الملتبس بالنفساء.
فإن قلت لم ذكر نفس والضمير راجع إلى النفساء.
قلت باعتبار الشخص أو لعدم الالتباس إذ الحيض من خصائص النساء ولهذا لا يحتاج في لفظة الحائض إلى تاء التأنيث، وكذا في طالق وحامل ونحوه.
قوله (( أمر ) )وفي الترجمة شيء فهو إما من باب نقل الحديث بالمعنى وإما أن اللفظين ثابتان.
قوله (( فاقضي ) )القضاء والأداء بمعنى واحد، وفي الاصطلاح أيضًا قد يستعمل أحدهما مقام الآخر، والمراد من الحاج الجنس فيشمل الجميع، وهو لقوله تعالى {سامرًا تهجرون} [المؤمنون67] قوله (( غير أن لا تطوفي ) )بنصب (( غير ) ).
فإن قلت تقدير الكلام غير عدم الطواف وليس صحيحًا إذ المقصود نقيضه.
قلت (( لا ) )زائدة و (( تطوفي ) )منصوب أو (( أن ) )مخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن و (( لا تطوفي ) )مجزوم ومعناه لا تطوفي ما دمت حائضًا لفقدان شرط صحة الطواف وهو الطهارة.
التيمي والأحكام المتعلقة بالحيض منع وجوب الصلاة، وجواز فعلها، وجواز فعل الصوم، ودخول المسجد، والطواف، وقراءة القرآن، ومس المصحف، والعدة الشرعية، وحرمة الجماع، ويتعلق به وجوب الغسل، ويزيل حكم الاعتداد بالشهور، وتبلغ به المرأة.
أقول فإن قلت قوله (( هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ) )صريح بأنه حصل ووجد في ثيابه، وقوله (( أول ما أرسل على بني إسرائيل ) )يدل على أنه لم يكن قبل ذلك مرسلًا على غير بني إسرائيل.
قلت قيل معناه كما قال الداودي ليس في الحديث مخالفة لهذا القول فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم.
أقول لا يكفي هذا ولا يندفع السؤال بما قاله الداودي لكن يقال إنه أول ما حصل في بنات آدم وأول ما أرسل؛ يعني كثيرًا في بني إسرائيل، فيحصل الفرق بينهما، أو يقول المراد بالحيض الاستحاضة، ويلزم أنه لم يكن قبل بني إسرائيل، والله أعلم بذلك.
[1] في هامش المخطوط أقول فإن قلت هذا أمر كتبه الله على بنات آدم، يدل على أن حواء لم تكن من بنات آدم وإنما هي زوجته فيدل على أنها لم تكن تحيض والذي لا تحيض لا تحبل ولا تلد وهي قد ولدت لآدم عشرين بطنًا بأربعين ولدًا قلت يلزم أنها كانت تحيض وولادتها من معجزات آدم وقدرة الله واسعة لمثل ذلك إذ كانت بنتًا لأنها خلقت من ضلعه أو أنها حاضت بعد المعصية لا قبلها، قال ابن الجوزية في (( حادي الأرواح ) )في قوله ?وأزواج مطهرة? لا يبلن ولا يتغوطن ولا يحضن قال وكذلك كانت حواء حتى عصت فلما عصت قال الله تعالى (( إني خلقتك مطهرة وسأدميك كما دميت هذه الشجرة ) ).