ذكر فيه حديثين من طريق أبي سعيد الخدري وإسنادها كلهم مدنيون، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يدخل أهل الجنة الجنة ) )الحديث. هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه (م) وقد سلف تعريف أبي سعيد ومالك.
ويحيى هو ابن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، سمع أبا سعيد وعبد الله بن زيد، وعنه ابنه والزهري وغيرهما، وثقه النسائي وابن خراش.
وأما ابنه فهو عمرو بن يحيى بن عمارة، ووقع بخط النووي في (( شرحه ) )عثمان وهو تحريف الأنصاري المازني المدني. روى عن أبيه وغيره من التابعين، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره من التابعين وغيرهم، والأنصاري من أقرانه، وثقه أبو حاتم والنسائي. مات سنة أربعين ومائة.
عمارة صحابي بدري عقبي، ذكره أبو موسى، وأبو عمر وفيه نظر، نعم أبوه صحابي عقبي بدري. وأم عمرو هي أم النعمان بنت أبي حنة بالنون عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء.
المازني بالزاي والنون نسبة إلى مازن قبائل وبطون منه مازن الأنصار.
وإسماعيل هو ابن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني عم مالك بن أنس أخي الربيع، وأنس وأبي سهيل نافع، أولاد مالك بن أبي عامر. وإسماعيل هذا هو ابن أخت الإمام مالك بن أنس. سمع خاله وأباه وأخاه عبد المجيد وغيرهم. وعنه الدارمي و (خ، م) وغيرهم.
وروى (م) أيضًا عن رجل عنه، وأخرج له أيضًا (د، ت، ق) ، ولم يخرج له (د) ؛ لأنه ضعفه.
قال أبو حاتم محله الصدق، وكان مغفلًا، وقال يحيى بن معين هو ووالده ضعيفان، وعنه بين وعنه يسوى فلسين، وعنه لا بأس به.
وقال ابن عدي روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها. وأثنى عليه ابن معين وأحمد، و (خ) يحدث عنه كثيرًا.
وقال الحاكم عيب عليه وعلى (م) إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا، ومات سنة ست، ويقال في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين.
ووهيب هو ابن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم البصري أبو بكر صاحب الكرابيس، روى عن هشام وعمرو وغيرهما، وعنه القطان وابن مهدي وأبو داود الطيالسي، وخلق، ثقة بالاتفاق، قال ابن سعد كان ثقة كثير الحديث حجة، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
وكان قد سجن فذهب بصره، قال (خ) حدثني أحمد بن أيوب قال أخبرني غير واحد قالوا مات وهيب بن خالد سنة خمس وستين ومائة.
والمثقال وزن مقدر، والله أعلم بقدره، وليس المراد المقدر هذا المعلوم، فقد جاء مبينًا، (( وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ) ).
الحبة من الخردل هنا مثل؛ ليكون عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، ولكن ما يشكل مع المعقول فإنه يرد إلى عيار المحسوس؛ ليفهم، قاله الخطابي.
وقال غيره يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ثم يوزن، وفيه قوة لاسيما على من قال إن المراد بالوزن الأعمال؛ لقوله (( من خير ) ).
وقال إمام الحرمين الوزن الصحف المشتملة على الأعمال، والله تعالى يزنها على ص 151 قدر أحوال الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وجاء به الشرع وليس في العقل ما يحيله. وقال غيره للوزن معنيان
أحدهما هذا. والثاني تمثل الأعراض بجواهر فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات سود مظلمة.
وحكى الزجاج وغيره من أهل السنة أنه إنما بوزن خواتيم العمل، فإن كان خاتمة عمله حسنًا جوزي بخير، ومن كانت خاتمة عمله يسر جوزي بشر.
المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك. ففي رواية فيه (( أخرجوا من قال لا إله إلا الله وعمل من الخير ما يوزن كذا ) )ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.
قال القاضي هذا هو الصحيح أن معنى الخير هنا أمر زائد على الإيمان؛ لأن مجرده لا يتجزأ، إنما يتجزأ أولًا من الزائد عليه، وهي الأعمال الصالحة من ذكر خفي، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله، ونية صادقة من عمل وشبهه بدليل الرواية السالفة. وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله (( من إيمان ومن خير ) )وما جاء معه أي من اليقين.
وذكره غيره إلا أنه قال المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل فإن أتبعه بالعمل عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه.
فإن قلت كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقدراه؟ قلت لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد بدارات السجود.
والنهر بفتح الهاء، وإسكانها لغتان. والمشهور في القراءة فتحها، وأصله الاتساع والسيلان، ومنه أنهر الدم، وجمعه أنهار ونهر بضمتين، وقوله تعالى {جنات ونهر} [القمر54] ، المراد به الأنهار فعبر بالواحد عن الجمع.
الحيا مقصور ومده الأصيلي، ولا واحد له كما نبه عليه القاضي، والمراد كل ما يحيا به الناس، والحيا المطر، والحيا الخصب، فيحيون بعد غسلهم فيها فلا يموتون، وتخصب أجسامهم.
صرح (خ) في روايته هنا بأن الشك من مالك، ولم يفصح به (م) .
وقوله (( قال وهيب نا عمرو الحياة ) )معناه قال وهيب بن خالد وهو في درجة مالك نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد به. وقال فيه نهر الحياة بالهاء ولم يشك كما شك مالك، ويقرأ (( الحياة ) )بالجر على الحكاية، وهذا التعليق من (خ) قد أسنده في باب صفة الجنة والنار، لكنه قال (( حبة من خردل من إيمان ) ).
ولم يقل (( من خير ) )كما ساقها هنا عنه، وسقطت اللفظة بجملتها عند (م) من طريق وهيب عن عمرو.
الحبة بكسر الحاء وتشديد الباء، والكسر حب بكسر الحاء وفتح الباء المخففة وهي اسم لبذر العشب، هذا هو الصحيح من الأقوال. وعبارة بعضهم أنه بذر البقول مما ليس بقوت، وعبارة (( المحكم ) )أنها بذور البقول والرياحين. قال واحدها حب، قال وقيل إذا كانت الحبوب مختلفة في كل شيء فهو حبة، ثم حكى غير ذلك.
ثم قال وقال أبو حنيفة الدينوري الحبة بالكسر جمع بذور النبات، واحدتها حبة بالفتح، عن الكسائي، قلت والحبة بالفتح القطعة من الشيء، وبالضم مع تخفيف الباء اسم للحب الداخل في بطن العنب.
قال الحربي ما كان من الحب له حب فاسم ذلك الحب حبة.
فإن قلت لم شبههم في الحديث بالحبة؟ قلت لأوجه بياضها، وسرعة نباتها لأنها تنبت في يوم وليلة، وهو أسرع النبات، ومن حيث ضعف النبات.
قوله (( في جانب السيل ) )، كذا هنا، وجاء (( حميل ) )بدل (( جانب ) )، ص 152 وفي رواية وهيب (( حمأة السيل ) )، (( والحميل بمعنى المحموم ) )، وهو ما جاء به من طين أو غثال، والحمأة ما تغير لونه من الطين، وكله بمعنًى، فإذا اتفق فيه حبة مجراه فإنها تنبت سريعًا، فأخبر بذلك عن سرعة نباته.
أتى البخاري بتعليق وهيب هنا؛ لفائدتين
الأولى أن فيها الحياة من غير شك بخلاف رواية مالك.
والثانية أنه أتى بالتحديث عن عمرو، ورواية مالك أتى فيها بعن وإن حوشي عن التدليس.
وفائدة ثالثة أن فيها (( من خير ) )بدل (( إيمان ) ).
في الحديث ما ترجم له، وهو تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، فإنه المراد من (( خير ) )كما سلف.
ومنها إثبات دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وقد تظاهرت عليه النصوص، وأجمع عليه من يعتد به. ومنها إخراجهم من النار، ومنها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للخوارج والمعتزلة.
ومنها أن الأعمال من الإيمان لقوله عليه السلام (( خردل من إيمان ) )والمراد ما زاد على أصل التوحيد كما أسلفنا.
الحديث الثاني
عن أبي سعيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون ) )الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) هنا عن محمد (ق) في التعبير عن يعقوب، وفي فصل عمر عن يحيى بن بكير وفي التيمم عن سعيد بن عفير، ورواه م في الفضائل.
وأبو أمامة هو أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن العكين، وقد سلف باقي نسبه في الأنصار الأنصاري الأوسي المدني الصحابي ابن الصحابي.
أمه حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة النقيب. سمي باسمه، وكني بكنيته، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن أبا أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوج حبيبة سهل بن حنيف فولدت له أسعد هذا، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكناه بكنية جده لأمه واسمه وبرك عليه.
روى له الجماعة عن الصحابة و (ن، ق) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مات سنة مائة عن نيف وتسعين سنة.
وإبراهيم هو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم القرشي الزهري المدني، سكن بغداد، سمع أباه والزهري وغيرهما من التابعين وغيرهم، وعنه شعبة وابن مهدي، وابناه يعقوب ومحمد، وخلق.
وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم، وكان كثير الحديث، وربما أخطأ في أحاديث، ولي بيت المال ببغداد، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة عن خمس وسبعين سنة، وأبوه قاضي المدينة من جلة التابعين.
قال الخطيب حدث عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد، والحسين بن سيار الحراني وبين وفاتيهما مائة واثنا عشرة سنة.
فائدة في (خ، م، ن، ق) إبراهيم بن سعد خال هذا.
وأما محمد فهو أبو ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد بن زيد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان المدني، سمع جمعًا من الكبار، وعنه (خ، ن) عن رجل عنه، وغيرهما من الأعلام.
قوله (( بينما أنا نائم ) )الجوهري بينا فعلى، أشبعت الفتحة فصارت ألفًا، وأصله بين، وبينما بمعناه زيدت فيه هاء ص 153 تقول بينا نحن نرقبه أتانا، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه. ثم حذف المضاف الذي هو أوقات، وولى الظرف الذي هو بين الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليه.
فكان الأصمعي يخفض ما بعد بينا إذا صلح في موضعه بين. وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما على الابتداء والخبر.
والقمص جمع قميص ويجمع أيضًا على قمصان وأقمصة. والثدي بضم الثاء، ويجوز كسرها وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح الثاء وفيه لغتان التذكير والتأنيث، والتذكير أصح وأشهر، ويجمع أيضًا على أثد ويطلق على الرجل والمرأة، ومنهم من منع إطلاقه في الرجل وليس بشيء، والأحاديث ترده.
قال ابن فارس ويقال لذلك من الرجل ثندوة. بفتح الثاء بلا همز، وبالضم والهمز والأول هو المشهور.
قوله (( ومنها ما دون ذلك ) )أي أقصر، فيكون فرق الثدي لم ينزل إليه، ولم يصله لقلته.
ابن بطال معلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل من بلغ قميصه ثديه، وتأويله عليه السلام ذلك للدين يدل على أن الإيمان الواقع على العمل يسمى دينًا كالإيمان الواقع على القول.
وقال أهل التعبير القميص في النوم الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليقتدى به.
القاضي أخذوه من قوله تعالى {وثيابك فطهر} [المدثر4] يريد نفسك، وإصلاح عملك ودينك، على تأويل بعضهم؛ لأن العرب تعبر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر، وجره عبارة عما فضل عنه وانتفع الناس به، بخلاف جره في الدنيا بالخيلاء فإنه مذموم.
وفيه أن الأعمال من الإيمان؛ فإن الإيمان والدين بمعنًى.
وفيه تفاضل أهل الإيمان.
وفيه بيان عظم فضل عمر.
وفيه تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها.
وفيه إشاعة العالم الثناء على الفاضل من أصحابه إذا لم يخش فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون التنبيه على فضله؛ لتعلم منزلته.
قال والدي رحمه الله تعالى
(( باب تفاضل ) )لفظ تفاضل مجرور بإضافة الباب إليه، ففي الأعمال متعلق بتفاضل أو متعلق بمقدر نحو الحاصل وكلمة في للسببية كما في قوله عليه السلام (( في النفس المؤمنة مائة إبل ) )أي التفاضل الحاصل بسبب الأعمال، فيحتمل أن يكون تفاضل مبتدأ، وفي الأعمال خبره والباب مضاف إلى الجملة لكنه احتمال بعيد.
فإن قلت الحديث يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال لا في نفس الأعمال إذ المقصود منه بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر وبعضهم يدخلونها آخرًا. قلت يدل على تفاوت الناس في الأعمال لأن الإيمان إما بالتصديق وهو عمل القلب وإما التصديق مع العمل، وعلى التقديرين قابل للتفاوت إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو الأقل منه أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعًا.
ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إما تجوزًا بإطلاق السبب وإرادة المسبب وإما إضمارًا بتقدير لفظ الثواب مضافًا إليها. واعلم أن رجال هذا الإسناد كلهم مدنيون إذ قد تقدم أن مالكًا وأبا سعيد مدنيان أيضًا.
قوله (( أخرجوا ) )من الإخراج خطابًا للملائكة ويجوز من الخروج، وحينئذ يكون من كان منادى أي يا من كان، وفي بعض النسخ وجد بعد لفظ أخرجوا لفظ (( من النار ) ).
قوله (( مثقال ) )هو كالمقدار لفظًا ومعنى وهو مفعال من الثقل وهو في غير هذا الموضع العظيم الثقل الكثيرة، وفي الفقه المثقال من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة، ص 154 و (( الحبة ) )بفتح الحاء واحد الحب المأكول من الحنطة ونحوها.
و (( الخردل ) )حب نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلة بذلك يعني يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان.
فإن قلت هل يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفا جر من جنس واحد وهو الكلمة الابتدائية يعني من خردل ومن إيمان. قلت لا يجوز ومن خردل متعلق بحاصل أي حبة حاصلة من خردل ومن إيمان متعلق بحاصل آخر وبقوله من كان وإنما نكر الإيمان؛ لأن المقام مقتضى للتقليل ولو عرف لم يفد ذلك.
فإن قلت فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به لأنه إيمان ما. قلت لا يكفيه؛ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرف أو نكر.
قوله (( اسودوا ) )أي صاروا سودًا كالحمم من تأثير النار (( فيلقون ) )بفتح القاف و (( النهر ) )بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح. قوله (( الحيا ) )بفتح الحاء والقصر، المطر ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيا من انغمس فيه.
قوله (( شك مالك ) )يعني الترديد بين الحيا والحياة، وهو إنما وقع من مالك. قوله (( الحبة ) )بكسر الحاء وشدة الباء، بزر العشب جمعه حب كقربة وقرب.
ويحتمل أن تكون اللام للعهد ويراد به حبة بقلة الحمقاء؛ لأن شأنه أن ينبت سريعًا على جانب السيل فيتلفه السيل ثم ينبت فيتلفه، ولهذا سميت الحمقاء لأنه لا تمييز له في اختيار المنبت.
الجوهري الحبة بالكسر بزور الحضر [1] مما ليس بقوت، وفي الحديث (( ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ) )وسمى الرجلة بكسر الراء وبالجيم بقلة الحمقاء؛ لأنها لا تنبت إلا في السيل. والكسائي هي حب الرياحين، وفي بعض الروايات (( في حميل السيل ) )وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه. قيل فإذا اتفق فيه الحبة واستمرت على شط مجرى السيل نبتت في يوم وليلة وهي أسرع نابتة نباتًا. واعلم أن لفظ في حميل السيل مشعر بأن وجه التشبيه سرعة الإنبات.
قوله (( صفراء ) )الاصفرار من أحسن ألوان الرياحين وسيد رياحين الجنة الحناء وهو أصفر (( ملتوية ) )أي منعطفة منثنية، وذلك أيضًا يزيد الريحان حسنًا يعني اهتزازه وتميله أي الذي في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا حسنًا منشطًا متبخترًا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة، وهذا يؤيد كون اللام في الحبة للجنس لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة.
النووي التشبيه وقع من حيث الإسراع ومن حيث ضعف النبات ومن حيث الطراوة والحسن. وأقول فوجه التشبيه متعدد وسمى هؤلاء بعتقاء الله.
والحديث حجة لأهل السنة على المرجئة حيث يحكم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار، وحجة على المعتزلة أيضًا حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي النار.
الخطابي الحبة من الخردل مثل ليكون عيارًا في المعرفة وليس بعيار في الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل ولكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس فيفهم ويشبه به ليعلم.
قوله (( رأيت ) )مشتق من الرؤية أو ص 155 من الرؤيا بمعنى الإبصار فيعرضون حال أو من الرؤيا بمعنى العلم فهو مفعول ثان والأول هو الظاهر، ويحتمل رفع الناس نحو قوله رأيت الناس ينتجعون غيثًا، فقلت لصيدح [2] انتجعي بلالًا. والصيدح علم ناقة الشاعر.
(( ويعرضون علي ) )أي يظهرون لي يقال عرض الشيء إذا أبداه فأظهره، قوله (( قمص ) )جمع قميص نحو رغيف ورغف ويجمع أيضًا على قمصان وأقمصة، و (( الثدي ) )بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء جمع الثدي نحو فلس وفلوس.
قوله (( أولت ) )التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، والمراد ههنا التعبير وفي اصطلاح الأصوليين التأويل تفسير الشيء بالوجه المرجوح، وقيل هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح بدليل يصيره راجحًا وهذا أخص منه.
قوله (( الدين ) )بالنصب؛ أي أولت الدين والدين للإنسان كالقميص له في أنه يستره من النار ويحجبه عن كل مكروه كما أن القميص يستر عورة الإنسان، فلعله صلى الله عليه وسلم إنما أوله الدين بهذا الاعتبار روى البخاري في كتاب المناقب هذا الحديث وفيه بدل يعرضون عرضوا وبدل يجره اجتره، وبدل منها ما دون ذلك ومنها ما يبلغ دون ذلك وفي كتاب التعبير يجتره.
فإن قلت يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من أبي بكر لأن المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا والأعمال علامات للثواب فمن كان دينه أكثر فثوابه أكثر وهو خلاف الإجماع. قلت لا يلزم إذ القسمة غير حاصرة لجواز القسم الرابع سلمنا انحصار القسمة لكن ما خصص القسم الثالث بعمر، ولم يحصره عليه سلمنا التخصيص به لكنه معارض بالأحاديث الدالة على أفضلية الصديق بحيث تواتر القدر المشترك بينهما ومثله يسمى بالمتواتر من جهة المعنى فدليلكم آحاد ودليلنا متواتر.
سلمنا التساوي بين الدليلين لكن الإجماع منعقد على أفضليته وهو دليل قطعي، وهذا دليل ظني والظني لا يعارض القطعي، وهذا الجواب يستفاد من نفس تقدير الدليل وهذه قاعدة كلية عند أهل المناظرة في أمثال هذه الإيرادات بأن يقال ما أوردته إما مجمع عليه أولًا، فإن كان فالدليل مخصوص بالإجماع وإلا فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه والله أعلم.
أقول قوله الدين بالنصب ويجوز الرفع قاله الزركشي.
[1] كذا في المخطوط، ولعل الصواب (( الصحراء ) ).
[2] في هامش المخطوط أقول هو ذو الرمة قاله الجوهري.