فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 3844

1 -باب ما جاء في قول الله تعالى

{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة6] الآية.

هكذا هو في النسخ الصحيحة وفي بعضها (( باب ما جاء في الوضوء، وقوله تعالى إلى آخره ) )، ومعنى قوله {إذا قمتم إلى الصلاة} أي محدثين كذا قدره الجمهور.

وذهب جماعة إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذلك كان ثم نسخ يوم الفتح، وضعفه في (( شرح م ) )، وقيل لا نسخ، بل الأمر به لكل صلاة على الندب؛ لأنه إذا نسخ الوجوب بقي التخيير.

ثم أجمع أهل الفتوى بعد ذلك على أنه لا يجب إلا على المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف، واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه

1 أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.

و 2 لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.

وأصحها وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره، واختلف هل الوضوء من خصائص هذه الأمة أم لا؟ على قولين، وستأتي حجة كل في باب الوضوء إن شاء الله تعالى، والواو في الآية ليست للترتيب على الصواب، وإنما أخذ من أدلة أخرى، وهو قول الشافعي وأحمد خلافًا لمالك والكوفيين.

وقد وردت في الكتاب العزيز للترتيب وغيره، فمن الأول قوله {اركعوا واسجدوا} [الحج77] [1] ، و {إن الصفا والمروة} [البقرة158] ، ومن الثاني قوله {وأتموا الحج والعمرة} [البقرة196] ، قوله {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة43] ، وقوله {فتحرير رقبة مؤمنة ودية} [النساء92] والوجه ما يقع به المواجهة.

قال (خ) ونبه النبي صلى الله عليه وسلم أن فرض الوضوء مرةً مرةً [2] . وجه ذلك أنه صح أنه عليه السلام توضأ مرة مرة، وصلى به؛ فعلم أنه الفرض، إذ لا ينقص عليه السلام منه، وهو المبين عن الله تعالى لأمته دينهم، وهو أيضًا إجماع كما نقله ابن جرير وغيره.

وشذ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره، وحكاه صاحب (( الإبانة ) )عن ابن أبي ليلى، وهو باطل يرده إجماع من قبله، والنصوص الصحيحة الصريحة أيضًا، قال مالك ولا أحب الواحدة إلا من العالم.

قال (خ) (( وتوضأ أيضًا مرتين مرتين ) )، قال (( وثلاثًا ثلاثًا ) )، لكن لم يذكر فيه المسح فيه ثلاثًا، وقد أخرجه أبو داود من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه. ووضوؤه عليه السلام مرتين وثلاثًا هو من باب ص 431 الرفق بأمته والتوسعة عليهم؛ ليكون لمن قصر في المرة الواحدة من عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذلك في المرة الثانية والثالثة.

ومن أكمل أعضاءه أولى، فالثانية سنة والثالثة فضيلة، وكأن تنويع وضوئه من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارة الأيمان.

قال (خ) (( ولم يزد على الثلاث ) )هو كما قال، بل روى ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال (( هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء أو تعدى وظلم ) )ثم قال لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى.

وزعم أبو داود في كتاب (( التفرد ) )أنه من منفردات أهل الطائف، ورواه ابن ماجه في (( سننه ) )كذلك، ورواه أحمد في (( مسنده ) )، والنسائي في (( سننه ) )بلفظ (( فقد أساء وتعدى وظلم ) )ورواه أبو داود في (( سننه ) )بلفظ (( أو نقص فقد أساء وظلم ) )أو (( ظلم وأساء ) ).

قال (خ) وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوزوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا من (خ) إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، وقال الشافعي في (( الأم ) )لا أحب الزيادة عليها، وحاصل ما ذكره أصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه

أصحها أن الزيادة عليها مكروه كراهة تنزيه.

ثانيها أنها حرام.

ثالثها أنها خلاف الأولى.

وأبعد قوم فقالوا إنه إذا زاد على الثلاث يبطل وضوؤه، كما لو زاد في الصلاة، حكاه الدارمي في (( استذكاره ) )عنهم، وهو خطأ ظاهر، وخلاف ما عليه العلماء.

وفي ابن ماجه بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر أنه عليه السلام رأى رجلًا يتوضأ فقال (( لا تسرف، لا تسرف ) ).

ثم ساق من حديث ابن عمرو أنه عليه السلام مر بسعد وهو يتوضأ فقال (( ما هذا السرف؟ ) )فقال أفي الوضوء إسراف؟ قال (( نعم وإن كنت على نهر جار ) ).

قال والدي رحمه الله تعالى

الأحكام الشرعية شرعت لمصالح العباد تفضلًا وإحسانًا وهي إما دينية تتعلق بالعبادات وإما دنياوية تتعلق بالمبايعات والمناكحات ونحوهما والدينية هي أشرف لأنها هي المقصود من خلق أهل العالم ولأنها موجبة لنيل السعادات الأبدية، والصلاة مقدمة على سائر العبادات لأنها أفضلها ولأنها تتكرر في كل يوم خمس مرات وهي متوقفة على الوضوء فلهذا قدم كتاب الوضوء على سائر الكتب الأحكامية.

قال (خ) وبين النبي صلى الله عليه وسلم وكذا وتوضأ كلاهما تعليق منه، وكأن غرضه من لفظ وبين الإشارة إلى أن الأمر من حيث هو اتخاذ حقيقة الشيء المأمور به لا مقتضيًا للمرة ولا للتكرار بل محتملًا لهما فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه المرة حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها إذ لو لم يكن الغرض إلا مرة واحدة لم يجز الاجتزاء بها، والغرض من توضأ مرة وتوضأ مرتين وثلاثًا الإشارة على أن الزيادة عليها مندوب إليها؛ لأن قول الرسول يدل على الندب غالبًا إذا لم يكن دليل دل على الوجوب لكونه بيانًا للواجب مثلًا.

قوله (( مرة ) )بنصب المرة لأنها مفعول مطلق؛ أي فرض غسل الأعضاء غسلة واحدة أو ظرف أي فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمى بالمرة، وفي بعضها بالرفع؛ أي فرض الوضوء غسلة واحدة.

فإن قلت ما فائدة تكرار لفظ مرة, قلت إما التأكيد وإما إرادة التفصيل أي فرض الوضوء غسل الوجه مرة وغسل اليدين مرة وغسل الوجه مرة نحو بوبت الكتاب بابًا بابًا، أو فرض الوضوء في كل وضوء مرة في هذا الوضوء مرة وفي ذاك مرة، والتفصيل إما بالنظر إلى أجزاء الوضوء، وإما بالنظر إلى جزيئات الوضوء.

قوله (( وثلاثًا ) )وفي بعضها وجد ثلاثًا مرتين، وفي بعضها (( ثلاثة ) )بالهاء. قوله (( كره ) )مشتق من الكراهة، وهي اقتضاء الترك مع عدم المنع من النقيض، وقد يعرف المكروه بأنه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله، والإسراف ص 432 هو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي بخلاف التبذير فإنه صرف مما لا ينبغي.

(( وأن يجاوزوا ) )هو عطف تفسيري للإسراف؛ إذ ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أي الثلاث فإن قلت لم لم يذكر في هذا الباب حديث، وقيل كله ترجمة الباب, قلت لا نسلم أنه لم يذكر إذ بين هو حديث؛ لأن المراد من الحديث أعم من قول الرسول وكذا وتوضأ أيضًا، ولا شك أن كلًا منهما بيان للسنة، والمقصود منه باب ما جاء فيه من السنة نعم ذكرهما على سبيل التعليق ولم يوجد لفظ ما جاء في بعض النسخ وهو ظاهر مستغن عن تكلف التوجيه.

أقول ذكر ابن العربي في (( أحكام القرآن ) )في سورة المائدة في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} قال الثامنة والأربعون في تحقيق معنى لم يتفطن له إلا مالك بن أنس لعظيم إمامته وسعة دراسته وثاقب فطنته، وذلك أن الله تعالى قال {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} الآية، وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة ومرتين ومرتين وثلاثًا ثلاثًا ومرتين في بعض أعضائه وثلاثًا في بعضها في وضوء واحد، فظن بعض الناس بل كلهم أن الواحدة فرض والثانية فضل والثالثة مثلها والرابعة تعدى، وأعلنوا بذلك في المجالس ودونوه في القراطيس، وليس كما زعموا وإن كثروا، والحق لا يكال بالقفران وسواء في دركه الرجال والولدان.

اعلموا وفقكم الله أن قول الراوي إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين وثلاثة أنها إنما أوعب بواحدة وجاء بالثانية والثالثة زائدة، فإن هذا غيب لا يدركه بشر، وإنما رأى الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غرف لكل عضو مرة فقال (( توضأ مرة ) )وهذا صحيح صورة ومعنى؛ ضرورة لأنا نعلم قطعًا أنه لو لم يوعب العضو بمرة لأعاد، وأما إذا زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين، فإنا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة، وجاء بما بعدها فضلًا أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنتين حتى زاد عليها بحسب المال وحال الأعضاء في النظافة، وتأتي حصول التلطف في إدارة الماء القليل والكثير عليها فيشيه والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يوسع على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لا يستطيع أن يوعبه بغرفة واحدة فجرى مع التلطف بهم والأخذ لهم بأدنى أحوالهم إلى التخلص، ولأجل هذا لم يوقت مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا إلا ما أسبغ.

قال وقد اختلفت الآثار في التوقيت، يريد اختلافًا يبين أن المراد معنى الإسباغ لا صورة الأعداد، وقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فغسل وجهه بثلاث غرفات ويده بغرفتين لأن الوجه ذو غضون ودحرجة واحديداب، فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرة بخلاف الذراع فإنه مسطح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها أكثر مما يكون ذلك في الوجه.

فإن قيل فقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة، وقال (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) )، وتوضأ مرتين مرتين وقال (( من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ) )ثم توضأ ثلاثًا، وقال (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء أبي إبراهيم ) ).

وهذا يدل على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ يتعلق الأجر بها مضاعفًا على حسب مراتبها. قلنا هذه الأحاديث لم تصح، وكيف تبني مثل هذا الأصل على أخبار ص 433 التي ليس لها أصل على أن له تأويلًا صحيحًا وهو أنه توضأ مرة مرة، وقال (( هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ) )فإنه أقل ما يلزم وهو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها، ثم توضأ بغرفتين، وقال (( له أجره مرتين في كل تكلف غرفة ثواب ) )، وتوضأ ثلاثًا وقال (( هذا وضوئي ) )معناه الذي فعلته رفقًا بأمتي وسننته لهم.

ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث؛ لأن الغرفة الأولى تسن العضو للماء، وتذهب عنه شعث التصرف، والثانية ترحض وضر العضو وتدحض وهجه، والثالثة تنظفه فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويًا جافيًا فيعلم الرفق حتى يتعلم، أو يشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها، ويتقدم، ولهذا قال من قال (( من زاد على الثلاث فقد أساء وظلم ) )انتهى.

الزركشي

(( أن فرض الوضوء مرةً مرةً ) )مرفوعان على الخبرية لأن، ووقع في بعض النسخ بنصبهما على لغة من ينصب الجزأين بـ (( أن ) )، أو على الحال السادة مسد الخبر، أي يفعل مرة، كقراءة بعضهم {ونحن عصبةً} .

قوله (( ولم يزد على ثلاثة ) )كذا ثبت، وكان الأصل لو ذكر لأن المعدود ثلاث، كما تقول عندي ثلاث نسوة.

[1] في هامش المخطوط أقول ومنه قوله ?واسجدي واركعي مع الراكعين?.

[2] في هامش المخطوط أقول قال ابن العربي في قوله تعالى {فاغسلوا} الفاء حرف يقتضي الربط والسبب وهو بمعنى التعقيب وهي ههنا فوات للشرط ربطت المشروط به وجعلته جوابه وجزاءه ولا خلاف فيه؛ بيد أن الشافعي ومن قال بقوله من علمائنا في وجوب الترتيب في الوضوء قال إن في هذا دليل على وجوب البداءة بالوجه؛ إذ هو جزاء الشرط وجوابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت