فهرس الكتاب

الصفحة 1246 من 3844

2 -باب الحلال بين والحرام بين

فيه حديث النعمان بن بشير سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (( الحلال بين ) )، الحديث.

وسلف في الإيمان وذكر هنا سنده مرتين متفقًا ومرة مختلفًا، والحاصل أن النعمان صرح بسماعه في الرواية الأولى من رسول الله وفي الثانية والثالثة بعن، وفي الرابعة بقال.

وعن أبي داود، عن الشعبي سمعت النعمان _ ولا أسمع أحدًا بعده _ يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الحلال بين ) )، وقد أسلفنا في الإيمان بطلان قول من ادعى عدم سماعه من رسول الله.

و (( سفيان ) )الراوي عن أبي فروة في الرابع هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره، وجمع (خ) بين ابن عون وأبي فروة ظنًا أن الروايتين في إسناد واحد، وساق الحديث بلفظ الثوري.

وهذا الحديث أصل في باب الورع وما يجتنب من الشبه، والشبه كل ما أشبه الحلال من وجه والحرام من آخر، والورع اجتنابها فالحلال البين ما علم المرء ملكه يقينًا لنفسه، والحرام البين عكسه، والشبهة ما يجده في يده فلا يدري أهو له أو لغيره؟.

واختلف في حكم الشبهات على أقوال أسلفناها هناك، فرواية (( لا يعلمها كثير من الناس ) )دالة على الوقف، ورواية (( من وقع في الشبهات وقع في الحرام ) )دالة على أن تركها واجب، ورواية (( من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ) )تدل على الحيل.

وقيل قوله (( حول ص 1914 الحمى ) )إنما نهى عما يشك فيه هو من الحمى أو مما حوله؟ فنزهه عما قرب منه، ولم يشك فيه خوفًا أن تزين النفس أنه ليس منه، ويحمل على الندب.

والمشبهات في الدماء والأموال والأعراض والنساء والقضاء وغير ذلك، فسرها الاجتراء على النساء بغير علم؛ لأنه قد تزين له نفسه أنه أهل لها وهو على خلافه، قال تعالى {فاحكم بين الناس بالحق} الآية [ص26] ، وفي الحديث (( حبك الشيء يعمي ويصم ) )، ويقال أشقى الناس من باع دينه بدنياه، وأشقى منه من باع دينه بدنيا سواه.

وقسم بعضهم الورع على ثلاثة أقسام واجب وهو اجتناب ما يحققه لغيره، ومستحب وهو اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، ومكروه أن لا يقبل الرخص، ولا يجيب الداعي، ولا يقبل الهدية، ويجتنب الأشياء المباحة مثل المياه التي يتوضأ بها، واجتناب الغريب التزوج مع الحاجة؛ لقيام قدوم أبيه البلدة المذكورة والتزوج بها، وكره ذلك؛ لأن النادر لا عبرة به.

قوله (( من يرتع ) )قال ابن فارس يقال رتع إذا أكل ما شاء، وقيل رتعت أقامت في المرتع.

وعبارة ابن بطال الحلال البين ما نص الله على تحليله أو رسوله، والحرام البين ما نص على تحريمه، وكذا ما جعل فيه حدًا أو عقوبة أو وعيد، أو المشتبه ما نازعته الأدلة من الكتاب والسنة، وتجاذبته المعاني فوجد منه يعضده إليك الحرام، وآخر عكسه.

وقال القرطبي أول مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه فيكون مباحًا، وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث أنه متساوي الطرفين، فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر خرج عن كونه مباحًا فحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله وهو المكروه، أو عكسه فالمندوب، وفيه دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها.

قال الخطابي قوله (( لا يعلمها كثير من الناس ) )معناه أنها تشتبه على بعض الناس دون بعض والعلماء يعرفونها؛ لأن الله جعل عليها دلائل عرفها بها، لكن ليس كل أحد يقدر على تحقيق ذلك؛ ولهذا قال ذلك ولم يقل يعلمها كل الناس.

قوله (( كراع يرعى .. إلى آخره ) )هو مثل يحتمل أن صاحبه يقع في الحرام ولا يدري.

قال الخطابي إذا اعتادها قادته إلى الوقوع في الحرام، فيتجاسر عليه ويواقعه عالمًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر عنده، ولما قد ألفه من المساهلة.

قال والدي رحمه الله تعالى

وفائدة التحويلات التقوية والتأكيد سيما إذا كان بلفظ سمعت.

قال القابسي خرج من طرق متعددة ردًا على من قال إن النعمان لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله (( ابن أبي عدي ) )بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية وتشديد الياء محمد بن إبراهيم البصري و (( ابن عون ) )بالمهملة المفتوحة وسكون الواو والنون عبد الله و (( الشعبي ) )بفتح الشين عامر و (( النعمان بن بشير ) )بفتح الموحدة الصحابي و (( أبو فروة ) )بفتح الفاء وسكون الراء عروة بن الحارث الهمداني الكوفي وهو المشهور بأبي فروة الأشتر و (( محمد بن كثير ) )ضد القليل (( وسفيان ) )أي ابن عيينة. [1]

قوله (( مشتبهة ) )أي على بعض الناس لا أنها مشتبهة في نفسها غير محرمة أو محللة؛ لأن الله بعث الرسول مبينًا لأمته جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم من الحلال والحرام.

قالوا الأشياء ثلاثة أقسام حلال واضح كأكل الخبز, وحرام واضح كالسرقة, والتي ليست بواضحة الحل والحرمة ولا يعرفها إلا العلماء ومر الحديث في الإيمان.

الخطابي كل شيء يشبه الحلال والحرام من وجه ص 1915 فهو شبهة، فالحلال البين ما علم ملكه يقينًا لنفسه، والحرام ما علم ملكه لغيره يقينًا والشبهة ما لا يدرك أهو لنفسه أو لغيره؟ فالورع اجتنابه ثم الورع على أقسام واجب كما الذي قلناه, ومستحب كاجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، ومكروه كالاجتناب من قبول رخص الله والهدايا، ومن جملته أن يدخل الرجل الخراساني مثلًا بغداد ويمتنع من التزوج بها مع الحاجة إليه بزعم أن أباه كان ببغداد فربما تزوج بها فولدت له بنت فتكون هذه المنكوحة أختًا له.

قوله (( استبان ) )أي ظهر حرمته (( ويشك ) )أي يشبه فيه و (( أوشك ) )أي قرب؛ أي من كثر تعاطي الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده أو يعتاد التساهل ويتمرن عليه حتى يقع في الحرام عمدًا.

قوله (( الحمى ) )بكسر المهملة وخفة الميم مقصورًا موضع يخص للإمام ويمنع الغير عنه, شبه المعاصي بالحمى من جهة وجوب الامتناع عنها.

أجمعوا على عظم موقع هذا الحديث وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.

الزركشي

وإنما كرر (خ) الأسانيد في حديث النعمان بن بشير (( الحلال بين ) )لأجل معارضة قول يحيى بن معين عن أهل المدينة أنه لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم.

[1] في هامش المخطوط (( أقول سفيان هذا هو الثوري لا ابن عيينة، وكأنه غلط من الناسخ، كما قاله ابن الملقن آنفًا أنه الثوري ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت