عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة. الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في كتاب الصلاة. وقال فيه (( كانت عندي امرأة من بني أسد ) )، وسماها في (م) ، لكن قال فيه (( إن الحولاء بنت تويت بن حبيب بن أسد بن عبد العزى مرت بها وعندها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). فقلت هذه الحولاء بنت تويت، وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال عليه السلام (( لا تنام الليل! خذوا من العمل ما تطيقون فوالله ما يسأم الله حتى تسأموا ) ).
وذكره مالك في (( الموطأ ) )وفيه فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرفت الكراهية في وجهه، وذكره (م) من رواية الزهري عن عروة ثم ذكر حديث ص 214 هشام عن أبيه عروة.
كما أورده (خ) هنا وفي الصلاة، وفيه أنه عليه السلام دخل عليها وعندها امرأة. فيحتمل أن تكون هذه واقعة أخرى.
المرأة هي الحولاء بمهملة والمد بنت تويت بتائين مثناتين من فوق مصغر، وهي امرأة صالحة مهاجرة.
قوله (( تذكر صلاتها ) )بالمثناة أول تذكر مفتوحة على المشهور، كما قاله النووي قال وروي بالمثناة تحت مضمومة على ما لم يسم فاعله، و (( مه ) )كلمة زجر وكف.
الجوهري مه كلمة بنيت على السكون، وهم اسم سمي به الفعل، ومعناه اكفف. فإن وصلت نونت فقلت مه مه، ويقال مهمهت به أي زجرته.
فأراد عليه السلام زجرها بالسكوت، ثم ابتدأ بقوله (( عليكم من العمل ما تطيقون ) ). أي الزموا ما تطيقوا الدوام عليه.
قال القاضي يحتمل الندب إلى تكلف ما لنا به طاقة، ويحتمل النهي عن تكلف ما لا نطيق، والأمر بالاقتصار على ما نطيق، قال وهو أنسب للسياق، والعمل يحتمل أن يراد به صلاة الليل لوروده على سببه، ويحتمل حمله على العموم، كما نبه عليه الباجي.
قال أبو الزناد والمهلب إنما قال عليه السلام ذلك خشية الملال اللاحق، ويمل بفتح الياء وكذا تملوا هو بفتح التاء والميم ومعنى الملالة السآمة والضجر، واختلف العلماء في المراد به هنا؛ لأن الملال من صفة المخلوقين، وهي ترك الشيء استثقالًا وكراهة له بعد حرص ومحبة به، وهذه غير لائقة بالرب تعالى، فالأصح أن معناه لا يترك الثواب على العمل حتى يترك العمل.
وقيل معناه لا يمل إذا مللتم. قاله ابن قتيبة وغيره.
أقول أو يقال أنه من باب المشاكلة نحو قوله {ومكروا ومكر الله} قال ومثله قولهم في البليغ فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه. أي لا ينقطع إذا انقطعت خصومه، إذ لو كان المعنى ينقطع إذا انقطعت خصومه، لم يكن له فضل على غيره، وقيل إن حتى بمعنى الواو، أو بمعنى حين. حكاه المازري، وفيه ضعف.
وإنما كان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه، لأن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة وتتم.
وفيه فوائد منها أن مراد (خ) بالباب أن الدين يطلق على الأعمال، وقد سبق أن الدين والإسلام والإيمان يكون بمعنى، وقد تفترق، وموضع الدلالة (( وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه ) )أي أحب الأعمال كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية.
وفيه أن الدين هنا الطاعة، ومنه الحديث في الخوارج (( يمرقون من الدين ) ). أي من طاعة الإمام، ويحتمل أن يريد أعمال الدين. وفي (( المحكم ) )الدين الإسلام.
أقول لا حاجة إلى ذكر المحكم بل في كلام الحكيم المحكم (( إن الدين عند الله الإسلام ) )وفي حديث علي (( محبة العلماء دين يدان به والدينة كالدين ) )، وفي (( الجامع ) )الدين العبودية والذل، والدين الملة والدين الحال.
قلت والدين الخالص في الآية التوحيد، والحكم في قوله (( في دين الله ) )والدين اسم لجميع ما يتعبد الله به خلقه.
وفيه استعمال المجاز، وموضع الدلالة إطلاق الملال عليه تعالى.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأنه لا كراهة فيه إذا كان فيه تفخيم أمر أو حث عليه، أو تنفير عن أمر محذور ص 215 ونحو ذلك.
قال أصحابنا يكره اليمين إلا في مواضع منها ما ذكرنا، ومنها إذا كانت في طاعة كالبيعة على الجهاد ونحوه، ومنها إذا كانت في دعوى فلا تكره إذا كان صادقًا.
وفيه فضيلة الدوام على العمل والحث على العمل الذي يدوم.
وفيه بيان شفقته ورأفته بأمته عليه السلام؛ لأنه أرشدهم إلى ما يصلحهم وهو ما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة؛ لأن النفس تكون فيه أنشط، بخلاف من تعاطى من العمل ما لا يمكنه الدوام، فإنه معرض لأن يتركه كله أو بعضه، أو يفعله بكلفة فيفوته الخير العظيم.
وقد قال عليه السلام في الحديث (( ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد ) )وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها فقال {ورهبانيةً ابتدعوها} إلى قوله {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد27] ، والأحاديث الصحيحة دالة عليه كقوله (( لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه ) ).
وفيه كراهة قيام جميع الليل، وهو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وعن جماعة من السلف أنه لا بأس به.
القاضي كرهه مالك مرة، وقال لعله يصبح مغلوبًا وفي رسول الله أسوة، ثم قال لا بأس به ما لم يضر بصلاة الصبح، وإن كان به فتور وكسل فلا بأس به.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أدومه ) )هو أفعل من الدوام وهو شمول جميع الأزمنة؛ أي التأبيد.
فإن قلت شمول الأزمنة لا يقبل التفضيل فما معنى الأدوم. قلت المراد بالدوام هو الدوام العرفي وذلك قابل للكثرة والقلة ومحبة الله للدين إرادة إيصال الثواب عليه.
قوله (( قال ) )فإن قلت لم ما عطف على دخل. قلت لأنه جواب سؤال كان قائلًا قال ماذا قال إذا دخل قالت قال وفي بعضها (( فقال ) )بالفاء.
قوله (( فلانة ) )هي الحولاء الأسدية وفلانة هي غير منصرف لأن حكمها حكم إعلام الحقائق كأسامة لأنها كناية عن كل علم مؤنث؛ أي علم فكل علم للأناس المؤنثة ففيها العلمية والتأنيث.
قوله (( مه ) )الجوهري كلمة بنيت على السكون وهي اسم سمي به الفعل، ومعناه اكفف.
التيمي إذا دخله التنوين كان نكرة وإذا حذف كان معرفة. قوله (( عليكم ) )هو أيضًا من أسماء الأفعال؛ أي الزموا من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه، وإنما قدرنا دوام الفعل لا أصل الفعل لدلالة السياق عليه، وفي بعضها (( بما تطيقون ) )بالباء المتصلة بما.
فإن قلت الخطاب مع النساء فلم عدل عن عليكن. قلت طلبًا لتعميم الحكم لجميع الأمة فغلب الذكور على الإناث في الذكر.
قوله (( لا يمل ) )بالمثناة تحت والميم المفتوحتين. و (( تملوا ) )بالمثناة فوق المفتوحة. اعلم أن الملال لا يجوز على الله تعالى ولا يدخل تحت صفاته فلابد من تأويل، واختلف فيه وذكر نحو ما سلف. قال وقال بعضهم معناه أن الله لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم قبل ذلك فلا تتكلفوا ما لا تطيقون من الذي كني بالملال عنه؛ لأن من تناهت قوته في أمر وعجز عن فعله مله وتركه.
التيمي قالوا معناه أن الله لا يمل أبدًا مللتم أنتم أو لم تملوا نحو قولهم لا أكلمك حتى يشيب الغراب ولا يصح التشبيه؛ لأن شيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف ملال العباد [1] .
وأقول إنه صحيح لأن المؤمن أيضًا شأنه أن لا يمل من الطاعة وهو قول ابن فورك وقال ابن الأنباري سمي فعل الله مللًا على جهة المزاوجة كقوله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} .
وأقول فلقوله ص 216 لا يمل حتى تملوا خمسة تواجيه، والتأويل إما في يمل وهو على ثلاثة أوجه وإما في حتى وإما تملوا.
قوله (( إليه ) )أي إلى الله ما دام أي واظب مواظبة عرفية وإلا فحقيقة الدوام شمول جميع الأزمنة وذلك غير مقدور.
أقول قال الزركشي قوله حتى تملوا حتى بمعنى الواو والمعنى لا يمل وإن ملوا.
[1] في هامش المخطوط أقول التشبيه صحيح بين شيب الغراب وملل الله تعالى لا بينه وبين ملال العباد فتأمله.