فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 3844

وبه قال عطاء بن أبي رباح. ثم قال (خ) وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من تناوله تيمم. والحسن هو البصري ثم قال وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف فحضرت العصر بمربد النعم إلى آخره.

والجرف قريب من المدينة. وروي أيضًا مرفوعًا، والمحفوظ الأول.

والجرف بضم الجيم والراء. وقال الزبير إنه على ميل منها. وقال ابن إسحاق على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو.

وقال صاحب (( المطالع ) )هو على ثلاثة أميال إلى جهة الشام، به مال عمر وأموال أهل المدينة، ويعرف ببئر جشم وبئر جمل.

والمربد بالكسر ثم السكون وفتح الموحدة ودال مهملة كل موضع حبست به الإبل وبه سمي مربد البصرة؛ لأنه كان موضع سوق الإبل. والمربد أيضًا الموضع الذي يجمع فيه التمر وهو الحرين، ومربد البصرة اليوم كالبلدة المنفردة عنها بينها ثلاثة أميال كانت متصلة بها فخرب ما بينهما فصارت منفردة في وسط البرية قاله ياقوت.

وهو من ربد بالمكان إذا أقام به، وقال ابن التين رويناه بفتح الميم وهو في اللغة بكسرها. قال ابن سيده والمربد محبس الإبل وقيل هي خشبة أو عصى تعترض صدور الإبل بمنعها من الخروج، والمربد فضاء وراء البيوت ترتعي به. والمربد كالحجرة في الدار. ومربد التمر جرينه الذي يوضع فيه الجذاذ لييبس.

قال سيبويه هو اسم كالمطبخ، وإنما مثله به؛ لأن المطبخ ييبس به.

وقال السهيلي المربد والجرين والمسطح والبيدر والأندر والجرجان لغات بمعنى واحد.

وهذا الأثر دالًا على جواز التيمم بقرب الحضر على من خاف الوقت. قال محمد بن مسلمة إنما تيمم؛ لا خاف الفوات. أي فوت الوقت المستحب، وهو أن تصفر الشمس. وارتفاعها يحتمل أن يكون عن الأفق مع دخول الصفرة فيها، ويحتمل أن ابن عمر رأى أن من رجا إدراك الماء في آخر الوقت وتيمم في أوله يجزئه ويعيد في الوقت استحبابًا، وهو ابن القاسم.

ثم ساق (خ) حديث أبي جهيم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه الحديث.

وهذا الحديث أخرجه (م) معلقًا حيث قال وروى الليث، فذكره.

و (خ) وصله فرواه عن يحيى بن بكير عنه. ووصله أيضًا أبو داود والنسائي، ووقع في (م) عبد الرحمن بن يسار، والصواب عبد الله كما وقع في (خ) ، مولى ميمونة.

ووقع أيضًا أبو الجهم مكبرًا، وإنما هو مصغر كما ساقه (خ) . وقد ذكره (م) على الصواب في حديث المرور.

وسماه أبو نعيم ص 661 وابن منده عبد الله بن جهم، وجعلاهما واحدًا.

ورجح ابن الأثير كونها اثنين، وفي الدارقطني أنه الذي سلم. يعني أبا الجهيم وهو يبين المجهول في رواية (خ) فلقيه رجل فسلم عليه.

وبئر جمل، بجيم مفتوحة، وللنسائي الجمل بالألف واللام، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها، ذكره أبو عبيد.

وأصل المسألة التي بوب (خ) لها، هو من كان في الحضر وخاف فوت الصلاة، وفقد الماء إذ ذاك، هل له أن يتيمم، وفيه قولان حكاهما ابن بريدة، والذي عليه الجمهور أنه يتيمم قال مالك إذا خاف الفوت إن عالج الماء يتيمم ويصلي ولا يعيد، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومحمد، عن مالك أنه يصلي بالتيمم ويعيد، وهو قول الليث والشافعي.

وروي عن مالك أنه يعالج الماء وإن طلعت الشمس، وهو قول أبي يوسف وزفر قالا لا يصلي أصلًا، والفرض في ذمته إلى أن يقدر على الماء؛ لأنه لا يجوز عندهما التيمم في الحضر، واحتجا بأن الله تعالى جعل التيمم رخصةً للمريض والمسافر، ولم يبحه إلا بشرط المرض والسفر، فلا دخول للحاضر ولا للصحيح في ذلك؛ لخروجها من شرطه تعالى.

واحتج من قال يتيمم ويصلي ويعيد قال إنا قد رأينا من يفعل ما أمر به، ولا يسقط عنه الفرض بالإعادة وهو واقع موقع فساد، مثل من أفسد حجه وصومه الفرض عليه، فإنه مأمور بالمضي فيه عليه فرض، ومع هذا فعليه الإعادة، وأيضًا فإن المسافر والمريض قد أبيح لهما الفطر في رمضان مع القضاء، فكذا هذا الحاضر.

واحتج من قال لعدم الإعادة، بأن الفطر رخصة لهما ولم يفعلا الصوم، والمتيمم فعل الواجب وفعل الصلاة، فلو رخص له في الخروج منها كما رخص للمسافر في الفطر لوجب عليه القضاء.

وأما من أفسد حجه وصومه فإنما أمر بالمضي فيه عقوبةً لإفساده له، ثم وجب عليه قضاؤه ليؤدي الفرض كما أمر به، والحاضر عند التعذر والخوف مطيع بالتيمم والصلاة ابتداء ولم يفسد شيئًا يجب معه القضاء.

وأما حديث أبي جهيم فإن فيه التيمم في الحضر إلا أنه لا دليل فيه لرفع الحدث به؛ لأنه أراد أن يجعله تحية لرد السلام، فإنه كره أن يذكر الله على غير طهارة، وهو مع ذلك دال على التيمم في الحضر عند خوف الفوات؛ لأنه لا يتيمم في الحضر لرد السلام، وكان له عليه السلام أن يرده قبل تيممه دل على التيمم في الحضر عند خوف الفوات، بل أولى؛ لأن الطهارة فيها شرط بخلاف السلام.

وأيضًا فإن التيمم إنما ورد في المسافرين والمرضى لإدراك الوقت وخوف فواته، فإذا كان حاضرًا وخاف فوته جاز.

واحتج الطحاوي بهذا الحديث على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي؛ لأنه عليه السلام تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوته الرد، وكره أن يرد وإن كانت ليست شرطًا، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذلك.

قال الداودي والدليل على سنة ذلك قوله لأبي هريرة (( المؤمن لا ينجس ) )قال ويحتمل أنه فعل ذلك قبل أن يخبر.

قال ابن القصار وفي تيممه عليه السلام بالجدار رد على أبي يوسف والشافعي في اشتراطهما التراب في صحة التيمم؛ لأنه عليه السلام تيمم بالجدار.

قلت رواية الشافعي السالفة بزيادة فيها عن أبي جهيم قال مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه، فلم يرد علي حتى قام إلى جداره فحته بعصا كانت ص 662 معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي.

وبهذه الرواية يرد أيضًا على من استدل من الحنفية بهذا الحديث على جواز التيمم على الحجر. قال لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود.

فرع لو تيقن وجود الماء آخر الوقت فانتظاره أفضل، وإن ظنه فقولان للشافعي أظهرهما أن تعجيل الصلاة بالتيمم أفضل، وقال أبو حنيفة في الرجاء التأخير أفضل. وعنه أنه حتم.

قال ابن حزم وبه قال الثوري وأحمد وعطاء. وقال مالك لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت.

فائدة قد سلف أن تيممه لرد السلام إنما كان على وجه الأكمل. قال ابن الجوزي كره أن يرده؛ لأنه اسم من أسماء الله تعالى، ويكون هذا في أول الأمر، ثم استقر الأمر على غير ذلك.

وقال الأوزاعي أن الجنب إذا خاف إن اشتغل بالغسل طلعت الشمس تيمم وصلى قبل فوت الوقت. قال الخطابي وبه قال مالك في بعض الروايات.

وعند الحنفية إذا خاف فوت الصلاة على الجنازة والعيدين تيمم.

وعندنا وجه أنه إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم ثم قضاها.

وفي (( شرح الآثار ) )للطحاوي حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء، وقيل بحديث عائشة كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه.

وقد جاء ذلك مصرحًا به في حديث عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الماء فنكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يسلم علينا، حتى نزلت آية الرخصة {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة6] .

وزعم الحسن أنه ليس منسوخًا، وتمسك بمقتضاه، فأوجبت الطهارة للذكر ومنعه للمحدث، ثم ناقض بإيجابه التسمية للطهارتين، فإنه مستلزم لإيقاع الذكر حالة الحديث. وروي عن عمر إيجاب الطهارة للذكر. وقيل يتأول الخبر على الاستحباب؛ لأن ابن عمر راويه رأى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود.

تنبيهات

أحدها كيف يتيمم بالجدار بغير إذن مالكه؟

والجواب أنه كان مباحًا أو مملوكًا لمن يعرفه ولا يكره ذلك منه [1] .

2 كيف يتيمم في الحضر؟

والجواب أن هذا كان في أول الأمر ثم استقر على غيره، وأيضًا فهو تشبيه بالطاهرين وإن لم يصح كما في حق الممسك في رمضان، ذكرهما ابن الجوزي، لكن الطحاوي استدل به على ثبوت الطهارة به وإلا لم يفعله.

3 فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض، والقصد من خصه من أصحابنا بالفرض، وهو واه.

4 أطلق اليد في الحديث ولم يقيدها، ومشهور مذهب الشافعي مسحها إلى المرفقين للوضوء، وكذا هل هو بضربة أو بضربتين، ورواية ضربة أصح من ضربتين، وأبعد من قال بثلاث وأربع، ثنتان للوجه ولكل يد واحدة، حكاه ابن بزيزة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( فحضرت العصر ) )أي صلاة العصر ولهذا أنث الفعل.

قوله (( فلم يرد ) )يجوز في داله الكسر لأنه الأصل والفتح لأنه أخف لاتباع الراء. الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان عادمًا للماء حال التيمم فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر ص 663 على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع ولا يبقى صلاة الجنازة والعيد وغيرهما، وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل كسجود التلاوة ونحوه.

ووقع في (م) بدل عبد الله بن يسار عبد الرحمن بن يسار، وبدل أبي الجهيم أبي الجهم مكبرًا وكلاهما غلط.

ابن بطال فإن قلت الحديث وإن كان فيه التيمم في الحضر إلا أنه لا دليل فيه أنه رفع بذلك التيمم الحدث زمنًا استباح به الصلاة؛ لأنه أراد رد السلام وكره أن يذكر الله على غير طهارة. قلت يستنبط منه لأنه لما تيمم في الحضر لرد السلام مع جوازه بدون الطهارة، فإذا خشي فوت الصلاة في الحضر جاز له التيمم بطريق الأولى لعدم جواز الصلاة بدون طهارة.

وأيضًا فإن التيمم إنما ورد للمسافرين والمرضى لإدراك وقت الصلاة وخوف فوته، وكل من لم يجد الماء، وخاف الفوات تيمم إن كان مسافرًا أو مريضًا بالنص وإن كان حاضرًا صحيحًا بالمعنى، وهذا دليل قاطع، وقال وفي تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالجدار رد على الشافعي في اشتراط التراب؛ لأنه معلوم أنه لم يعلق بيده من الجدار تراب إذ لا تراب على الجدار.

أقول ليس فيه رد على الشافعي إذ ليس معلومًا أنه لم يعلق به تراب وما ذاك إلا بحكم بارد إذ الجدار قد يكون التراب وقد لا يكون بل الغالب وجود الغبار على الجداران مع أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم جث الجدار بالعصا ثم تيمم فيجب حمل المطلق على المقيد.

أقول وهذا يرد قول من قال إن جدران المدينة كلها من حجارة سود، فإنها لو كانت كذلك لم يفد الحث بالعصى فعلم أن جدرانها قد تكون من حجارة وآجر ولبن وغيرها.

والرجل المبهم المذكور في الحديث هو أبو الجهم كني به عن نفسه.

[1] في هامش المخطوط أقول وهو نحو قوله في سباطة قوم وجوابه جوابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت