قوله تعالى {وإذ جعلنا البيت} الآية [البقرة125] .
{مثابةً} مجمعًا، أو من الثواب، أو مرجعًا، أو لا يقضون فيه وطرًا، وأصلها مثوبة، وقرئ ?مثابات?.
{وأمنًا} أي يأمن من دخله، وكان معاذًا له، وكان الرجل ص 1604 منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه.
وحديث (( إن إبراهيم حرم مكة ) )المراد أظهر حرمتها، وإلا فهي حرام منذ خلق الله السماوات والأرض مما ستعلمه، فهو آمن من عقوبة الله، وعقوبة الجبابرة، وسأل إبراهيم أن يؤمنه من الجدب والقحط، دليله {عند بيتك المحرم} [إبراهيم37] ، وقيل بل كانت حلالًا قبل دعائه، وهو حرمها كما حرم نبينا المدينة.
قوله (( {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة125] ) )قيل هو المقام الذي يصلي فيه الأئمة اليوم، وقيل الحج كله مقام لإبراهيم، قاله ابن عباس وعطاء.
و (( {مصلى} ) )أي مدعى، قال مجاهد، والأظهر الصلاة.
{عهدنا} أمرنا أو أوحينا {طهرا بيتي} أي من الآفات والريب، أو من الأوثان، أو من الشرك {للطائفين} أي ببيتي {والعاكفين} المجاورين، أو أهل البلد و {القواعد} الأساس، والجدر {مناسكنا} ذبائحنا أو متعبداتنا. {وأرنا} بكسر الراء وإسكانها.
ثم ذكر فيه خمسة أحاديث
[1] ثم قال قد جعل عبد الرزاق وضع الإزار على رقبة العباس.
قلت أخرجه (م) من طريق محمد بن أبي بكر كرواية عبد الرزاق.
فإن قلت هذا الحديث مرسل صحابي؛ لأنه من المعلوم أنه لم يكن ثم، ولا قال سمعت رسول الله يقوله؟ قلت مرسله حجة إلا من شذ كما سلف هناك، وقد رواه سماك عن عكرمة عن مولاه، قال حدثني أبي العباس، فذكره، أخرجه البيهقي في (( دلائله ) )، وفيه (( نهيت أن أمشي عريانًا ) ).
ولابن إسحاق حدثني والدي عمن حدثه عن رسول الله أنه قال فيما يذكر من حفظ الله إياه (( أنه لمع غلمان هم أسناني قد جعلنا أزرنا على أعناقنا من الحجارة ننقلها، إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال اشدد عليك إزارك ) )، ويجوز أن يكون المراد بقول ابن عباس أول شيء رآه من النبوة أن قيل له استتر، وهو غلام هذا.
وفي (( طبقات ابن سعد ) )وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة.
وليس في الحديث كما قال ابن الجوزي دلالة على كشف العورة، وإنما فيه كشف الجسد، وهو الظاهر [2] ، وفي رواية أن الملك نزل فشد عليه إزاره.
وطمحت عيناه شخصت وارتفعت.
قال ابن سيده طمح ببصره يطمح طمحًا شخص، وقيل رمى به إلى الشيء، ورجل طماح بعيد الطرف.
قوله (( أرني إزاري ) )قال ابن التين ضبط بإسكان الراء وبكسرها، قال والإسكان أحسن عند بعض أهل اللغة؛ لأن معناه أعطى، وليس معناه الرؤيا، وإنما قال ناولني إزاري.
ووقع في (( شرح ابن بطال ) ) (( إزاري، إزاري ) )مكررًا، ومعناه صحيح إن ساعدت الرواية ولم نره.
قال ابن بطال في الصلاة لو كان نهي عن التعري مطلقًا لكان نهى عن التعري للغسل في الموضع الذي أمن أن يراه فيه أحد إلا الله تعالى، ولكنه نهى عن التعري حيث يراه أحد.
واعلم أن الرب جل وعلا ذكر فضل مكة في غير موضع من كتابه، ومن أعظم فضلها أنه جل جلاله فرض على عباده حجها، وألزمهم قصدها، ولم يقبل من أحد صلاة إلا باستقبالها، وهي قبلة أهل دينه أحياء وأمواتًا.
2 حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها (( ألم تري ) )، الحديث.
ومعنى (( اقتصروا ) )لم يستوعبوا، يعني قريشًا حين بنوا البيت الذي كان لها، وهذا البناء شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعت قريش الحجر الأسود في حائطه بحكم رسول الله بينهم فذلك البنيان الذي اقتصرت فيه قريش على بعض القواعد وتركت شيئًا منها خارجًا عن بنيانها، وسبب ذلك قصر النفقة الحلال بهم كما ستعلمه.
قوله (( لولا حدثان قومك ) )يريد أنهم لقرب عهدهم ص 1605 بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقتضي شينًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بوب عليه (خ) باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه، فرأى ترك ذلك، باستيعاب البيت بالطواف؛ لقربه إلى سلامة أحوال الناس، وسلامة أديانهم؛ لأن استيعاب بنيانه ليس من الفروض، ولا من أركان الشريعة التي لا تقام إلا به، وهو ممكن مع بقائه على حالته.
ومن طاف ببعض البيت لم يجزئه عند مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان بمكة أعاد طوافه.
وقال ابن بطال عنه قضى ما بقي عليه، وإن تباعد ورجع إلى بلده جبره بالدم وأجزأه إذا طاف بالحجر طوافًا واحدًا، دليلنا قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج29] وهذا يقتضي الطواف بجميعه ومن طاف بالحجر فإنما يطوف بالبعض.
وقول ابن عمر (( لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ) )يريد إن كان عبد الله ابن محمد بن أبي بكر سلم من السهو في نقله عن عائشة، وكانت عائشة سمعت من رسول الله ما أري رسول الله ترك ذلك .. إلى آخره، فأخبر ابن عمر أنه عليه السلام ترك استلامها، ومقتضاه أنه قصد تركهما، وإلا فلا يسمى تاركًا في عرف من أراد شيئًا فمنعه منه مانع، وكأن ابن عمر علم ترك رسول الله ولم يعلم علته، فلما أخبره عبد الله بن محمد بخبر عائشة هذا عرف علة ذلك، وهو كونهما ليسا على القواعد، بل أخرج منه بعض الحجر، ولم يبلغ به ركن البيت الذي من تلك الجهة، والركنان اللذان اليوم من جهة الحجر لا يستلمان كما لا يستلم سائر الجدر؛ لأنه حكم يختص بالأركان، وسيأتي عن عروة ومعاوية استلام الكل.
وقال أبو حنيفة لا يستلم إلا الركن الأسود خاصة ولا يستلم اليماني؛ لأنه ليس بسنة فإن استلمه فلا بأس.
3حديثها أيضًا سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجر أمن البيت هو؟ قال (( نعم ) )، الحديث، وقد سلف ما فيه.
والجدار الحائط، وأرادت به الحجر، بكسر الحاء.
قال الخطابي وضبطه بفتح الدال في (خ) ، والذي ذكر أهل اللغة سكونها، وكذا في بعض روايات (خ) .
وكذا قال الجوهري الجدر والجدار الحائط. والجدر أصل الحائط، والجدر حي من الأزد بنو جدار الكعبة.
وفيه أن الناس غير محجوبين عن البيت، ورؤية الحجر الذي قام عليه إبراهيم ونحوه، فليس بسائغ، وإنما آجرهم في تحصينه وتجميره، وتطييبه، وقد روي في قوله تعالى {فأن لله خمسه} [الأنفال41] أنه للكعبة، والجمهور أنه ذكر للتبرك.
4 حديثها أيضًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها (( لولا حداثة قومك ) )، الحديث.
5حديثها أيضًا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها (( يا عائشة، لولا أن قومك ) )، الحديث.
تعليق أبي معاوية أسنده (م) عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، والحديث الثاني هو من رواية جرير بن حازم.
قال ابن التين ولم يضبط (( أساس ) )بفتح الهمزة، ولا بكسرها، ويحتمل أن يكون بفتحها، ويكون واحدًا، وهو أصل البناء كما قاله ابن فارس.
وعن صاحب (( الصحاح ) )أنه جمع أس. ويحتمل أن يكون بكسرها.
وقال ابن بطال الجدر واحد الجدر وهو الحواجز التي بين السواقي التي تمسك الماء.
قوله (( بابًا ) )يريد؛ أي من خلفه، يدخل الناس من وجهه، ويخرجون من خلفه (( وجعلت ) )بضم التاء.
وقال ابن التين في كتاب أبي الحسن بفتح اللام وسكون التاء عطفًا على فعل قريش، وليس ببين، والصحيح سكونها مع ضم التاء، على أنه فعل رسول الله معطوفًا على (( لنقضت ) ).
وقول ص 1606 جرير (( فحزرت من الحجر ستة أذرع ) )قد اختلفت الروايات فيه.
وفيه أن الحجر من البيت، وإذا كان ذلك فإدخاله واجب في الطواف.
قال والدي رحمه الله تعالى
قال العلماء بنيت الكعبة خمس مرات بنته الملائكة قبل آدم ثم إبراهيم ثم قريش في الجاهلية وحضر رسول الله هذا البناء وله خمس وثلاثون سنة، وقيل خمس وعشرون، ثم بناه ابن الزبير ثم الحجاج وهو البناء الموجود اليوم وهكذا كان أيضًا في زمن رسول الله، تقدم في باب من ترك بعض الاختيار في كتاب العلم.
قوله (( عبد الله بن محمد بن أبي بكر ) )الصديق و (( أخبر عبد الله ) )بنصب (( عبد الله ) )والفاعل مضمر و (( ألم ترى ) )أي لم تعرفي، وقومها هم قريش والقواعد الأساس و (( حدثان ) )بكسر الحاء وسكون الدال بمعنى الحدوث أي لولا قرب عهدهم بالكفر وخبر المبتدأ محذوف.
قوله (( لئن كانت عائشة ) )ليس هذا اللفظ منه على سبيل التضعيف لروايتها والتشكيك في صدقها؛ لأنها كانت صديقة حافظة ضابطة غاية ما يمكن بحيث لا يستراب في حديثها لكن كثيرًا يقع في كلام العرب صورة التشكيك والمراد به التقرير واليقين كقوله تعالى {وإن أدري لعله فتنة لكم} [الأنبياء111] و {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} [سبأ50] .
قوله (( استلام ) )افتعال من السلم واستلم الحجر لمسه إما بالقبلة وإما باليد و (( الحجر ) )بكسر المهملة وسكون الجيم، هو ما تحت الميزاب وهو على صورة نصف الدائرة وتدوير الحجر تسع وثلاثون ذراعًا, وقال أصحابنا ست أذرع منه محسوب من البيت بلا خلاف، وفي الزائد خلاف.
قوله (( الجدر ) )بفتح الجيم وفي بعضها بضم الجيم وسكون المهملة بمعنى الجدار والمراد به الحجر و (( قصرت ) )بفتح الصاد المشددة، وفي بعضها بضمها مخففة و (( حديث ) )بالإضافة إلى العهد وفي بعضها بالتنوين والعهد فاعله وجواب (( لولا ) )محذوف.
و (( استقصرت ) )أي قصرت عن تمام بنائها واقتصرت على هذا القدر لقصور النفقة بهم عن تمامها.
قوله (( جعلت ) )بلفظ المتكلم و (( أبو معاوية ) )هو محمد بن خازم بالمعجمة والزاي الضرير، والخلف بفتح المعجمة وإسكان اللام.
قوله (( ما أخرج منه ) )أي المسمى بالحجر (( وألزقته ) )أي ألصقته بحيث يكون بابه على وجه الأرض غير مرتفع و (( بابًا شرقيًا ) )هو مثل الموجود اليوم ففيه ثلاث تصرفات على خلاف ما بناه إبراهيم عليه السلام.
الخطابي فيه أن بعض الواجبات يجوز تركه إذا خيف من تولد فساد.
وفيه أن الناس غير محجوبين عن دخول البيت أي وقت شاءوا.
قال ويريد بقوله (( خلفًا ) )بابًا من خلفه يدخل الناس إليه من وجهه ويخرجون من خلفه.
وقال التيمي لم يتمم وذلك لما نقض من البيت الركن الذي كان في الأصل والذي هو ظاهر من ركن الحجر لم يبنه إبراهيم عليه السلام، يقال استقصرته؛ أي وجدته قاصرًا؛ أي ناقصًا.
وحزرت أي قدرت.
الزركشي
فطمح بفتحات أي علا وارتفع.
(( أرني إزاري ) )بكسر الراء؛ أي أعطني، ويجوز إسكانها بمعنى هات.
(( ألم تري ) )يقال للمرأة رأيت ترين، وحذف النون علامة الجزم، ومعناه ألم ينته علمك ولم تعرفي.
(( لولا حدثان ) )بكسر الحاء مصدر حدث يحدث، والخبر هنا محذوف وجوبًا؛ ص 1607 أي موجود.
(( استلام الركنين ) )مسحهما، والسين فيه فاء الفعل، وهو افتعال من السلمة أو السلام، وهو الحجارة.
(( إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ) )أي إن الركنين اللذين يليان الحجر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجدار الذي بنته قريش، فلذلك لم يستلمهما النبي صلى الله عليه وسلم.
(( عن الجدر ) )بجيم مفتوحة ودال ساكنة، وروي (( الجدار ) )، والمراد جدار الحجر لما فيه من أصول حائط البيت.
(( قصرت بهم النفقة ) )بتشديد الصاد؛، أي لم يتسعوا لإتمام البيت لقصور النفقة وقلة ذات يدهم، يقال قصر عنه إذا ضعف.
(( فعل ذلك ) )بكسر الكاف.
(( ليدخلوا من شاؤوا ) )يعني حجبة البيت وخدمه، يعني بني عبد الدار الذين يلون أمر البيت.
(( وجعلت ) )بفتح اللام وسكون التاء، وروي بإسكان اللام وضم التاء.
(( لولا أن قومك حديث عهد ) )كذا روي بالإضافة مع حذف الواو من (( حديث ) ). قال المطرزي هو لحن، والصواب (( حديثو عهد ) )بواو الجمع مع الإضافة.
(( ولجعلت لها خلفين ) )وهو بفتح الخاء واللام على المشهور.
وقيده الحربي (( خلفين ) )بكسرهما، وقال الخالفة عمود في مؤخر البيت، يقال وراءه خلف جيد، والصواب الأول.
[1] في هامش المخطوط (( فائدة ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول فيه نظر؛ فإن كشف ما عدا العورة جائز له ولأمته ) ).