فهرس الكتاب

الصفحة 1703 من 3844

فيه حديث أبي إسحاق قال قال رجل للبراء بن عازب أفررتم، الحديث.

أخرجه (م) أيضًا.

(( حنين ) )بالحاء المهملة واد بينه وبين مكة ثلاث ليال قرب الطائف قاله الواقدي.

وقال البكري بضعة عشر ميلًا، والأغلب فيه التذكير؛ لأنه اسم ماء، وربما أنثته العرب جعلته اسمًا للبقعة، وهو وراء عرفات، سمي بحنين بن قانية بن مهلاييل.

وقال الزمخشري هي إلى جنب ذي المجاز، وتأتي في الغزوات، وكانت سنة ثمان، وسببها أنه لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم، فاستعدوا للحرب حتى أتوا سوق ذي المجاز فسار عليه السلام حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد، ثم صالحهم يوم الأحد نصف شوال.

قوله (( ولكن رسول الله لم يفر ) )هذا معلوم من حاله وحال الأنبياء؛ لفرط إقدامهم وشجاعتهم وثقتهم بوعد الله في رغبتهم في الشهادة وفي لقائه، ولم يثبت عن واحد منهم والعياذ بالله أنه فر، ومن قال ذلك في رسول الله قتل، ولم يستتب عند مالك؛ لأنه صار بمنزلة من قال إنه كان أسودًا وعجميًا؛ لإنكاره ما علم من وصفه وذلك كفر.

قال القرطبي عن بعض أصحابنا الإجماع على قتل من أضاف إليه نقصًا أو عيبًا، وقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

وقال ابن بطال من زعم أنه انهزم فقد رما بأنه كذب وحي الله بالعصمة من الناس، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه كافر لأنه لم يتأول، والذين فروا يومئذ بما فتحه عليهم من كان في قلبه مرض من مسلمة الفتح المؤلفة ومشركيها، الذين لم يكونوا أسلموا، والذين خرجوا لأجل الغنيمة، وإنما كانت هزيمتهم فجأة.

وركوبه يومئذ بغلته البيضاء هو النهاية في الشجاعة والثبات، لاسيما في نزوله عنها وتقدمه يركض على بغلته إلى جمع المشركين حين فر الناس، وليس معه إلا اثنا عشر نفرًا، وكان العباس وأبو سفيان، وهو ابن الحارث كما سيأتي آخذين بلجامها بكفانها عن الإسراع به إلى العدو.

واختلف في لون النعلة التي كانت تحته يومئذ، ففي (م) كانت بيضاء أهداها له فروة بن معاوية، وفي لفظ كانت شهباء.

وعند ابن سعد كان راكبًا دلدل التي أهداها له المقوقس.

فيجوز أن يكون ركوبه متعددًا بعد أن نزل.

قوله (( أنا النبي لا كذب ) )كان بعض العلماء يرويه (( لا كذب ) )بنصب الباء ليخرجه عن وزن الشعر، حكاه ابن التين، وقد قيل إنما قيل أنت النبي لا كذب، أنت ابن عبد المطلب فقال حكاية قولهم (( أنا النبي لا كذب ) ).

وفيه إثبات النبوة، أي أنا لست بكاذب فيما أقول، فيجوز على الانهزام، وإنما ينهزم من ليس على يقين من النصرة وهو على خوف من الموت، والشارع على يقين من النصرة بما أوحى الله إليه في كتابه وأعلمه أنه لا بد له من كمال هذا الأمر، فمن زعم بعد هذا أنه انهزم فقد رماه أنه كذب وحي الله أن الله يعصمه.

فإن قلت نهى عن الافتخار بالآباء وقال هنا ما قال، قلت عنه جوابان

1 أنه أشار بذلك إلى رؤيا رآها عبد المطلب دالة على نبوته مشهورة عند العرب فأخبر بها قريشًا، فعبرت ص 2578 أن سيكون له ولد يسود الناس ويهلك أعداؤه على يديه، فذكرهم بقوله هذا أمر تلك الرؤيا؛ ليقوي بذلك منه من كان انهزم من أصحابه فيرجعوا واثقين بأن الظفر لهم.

2 أنه أشار بذلك إلى خبر نقل عن سيف بن ذي يزن أنه أخبر عبد المطلب وقت وفوده عليه في جماعة قريش وهو أن يكون من ولده من يسود وكان ذلك قبل ما تناقلته أقبال اليمن كابرًا عن كابر حتى بلغ سيفًا.

وعنه جواب ثالث لشهرة جده فإنها أكبر من شهرة والده؛ لأنه توفي شابًا في حياة أبيه، وكان كثيرًا ما ينسب إليه عملًا بالعادة في الشهرة؛ ولهذا قال ضمام بن ثعلبة لما وفد عليه أيكم ابن عبد المطلب؟ انتهى كلام ابن الملقن.

أقول وتناول أيضًا على أن يكون الاعتزا [ز] النهي عنه ما كان في غير الحرب، وقد رخص في الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غير ذلك العام ويحتمل أن يكون ذلك من باب المقاتلة فإنهم كانوا يفتخرون وينشدون الأشعار في حروبهم فقابلهم ونحوه لما قالوا اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( ألا تجيبوه ) )قالوا ما نقول قال (( قولوا الله أعلى وأجل ) )ويجوز في المقاتلة والمشاكلة ما لا يجوز في الابتداء انتهى.

قال ابن الملقن وفيه خدمة السلطان في الحرب، وسياسة دوابه لأشراف الناس من قرابته وغيرهم.

وفيه جواز الانتماء في الحرب، وإنما كره من ذلك ما كان على غير وجه الافتخار في غير الحرب؛ لأنه رخص في الخيلاء فيه مع نهيه عنها في غيرها لأن فيه ترهيب العدو وثقب في عضده وقد كان صلى الله عليه وسلم نصر بالرعب فإذا أخبر باسمه واسم آبائه ألقي الرعب في قلوبهم.

قال والدي رحمه الله وأعلمهم أيضًا أنه ثابت ملازم للحرب وعرفهم موضعه ليرجع إليه الفارين.

فإن قلت كيف فر القوم، وهي كبيرة؟

قلت ذلك أن ينوي عدم العود عند وجدان القوة، وأما من تحيز إلى فئة أو كان فراره لكثرة عدد العدو أو نوى العود إذا أمكنه فلا محذور ولا داخل في الوعيد، ولهذا قال تعالى في حق هؤلاء {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} [الفتح26] .

وفيه جواز الأخذ بالشدة، والتعرض للهلكة في سبيل الله؛ لأن الناس فروا عن رسول الله ولم يبق إلا اثنا عشر رجلًا، والمشركون في أضعافهم عددًا مرارًا كثيرة فلزموا مكانهم ومصافهم، ولم يأخذوا بالرخصة من الفرار.

وفيه ركوب البغال في الحرب للإمام؛ ليكون أثبت له؛ ولئلا يظن به الاستعداد للفرار، وهو من باب السياسة لنفوس الأتباع؛ لأنه إذا ثبت ثبت اتباعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت