فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ذكر فيه حديثين.
1 حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا أدرك أحدكم سجدة .. ) )الحديث.
الكلام عليه فيه وجوه
1 هذا الحديث ذكره (خ) فيما سيأتي. وفي رواية لمسلم (( من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة ) )وفي آخرها (( فقد أدركها كلها ) )، وهما من أفراده.
وأخرجه مسلم من حديث عائشة (( من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها ) )، والسجدة إنما هي الركعة.
وللنسائي وابن حبان في (( صحيحه ) ) (( إذا أدرك أحدكم أول السجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإن أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) ).
وللنسائي (( من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ) ).
ولأحمد (( من أدرك أول ركعة من صلاة العصر ) )بدل (( سجدة ) ). وللنسائي أيضًا (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته ) )وفي رواية عن مالك (( فقد أدرك الفضل ) ).
وفي أخرى له (( فقد أدرك الصلاة كلها ) )، وللدارقطني (( قبل أن يقيم الإمام صلبه ) )، ولابن عدي (( فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة ) ).
2 الإدراك البلوغ إلى الشيء. فالمراد بالسجدة الركعة وعليه تنطبق ترجمة البخاري حيث عبر بالركعة، وأورده بلفظ السجدة.
ونقل القرطبي عن الشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة أن السجدة ههنا حقيقة على بابها.
قال واحتجا بذلك على قولهما أنه يكون مدركًا بتكبيرة الإحرام.
3 هذا الحديث ليس على ظاهره، وإنه لا يكون بالركعة مدركًا لكل الصلاة؛ بدليل قوله عليه السلام (( ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا ) )وبفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم عبد الرحمن صلى الركعة التي فاتته.
4 الجمهور على أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس يتمها، وانفرد أبو حنيفة فقال تبطل بطلوعها، ويستقبلها بعد ارتفاعها، ووافقنا في العصر أنه يتمها بعد الغروب؛ لأن العصر يقع آخرها في وقت صالح للابتداء بالصلاة بخلاف الطلوع.
وهذا فرق صوري، والشارع سوى بينهما، فلا معنى لهذا الفرق.
وقولهم إنه آخر القضاء في حديث الوادي لأجل هذا عجيب، بل إنما أخره لقوله (( اخرجوا بنا منه فإن فيه شيطانا ) ).
والاستيقاظ كان بعد أن أحرقتهم الشمس. قالوا والحديث محمول على أرباب الأعذار، وأيضًا كان قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لأن النهي أبدا يطرأ على الأصل الثابت.
والجواب أن راوي حديثنا هذا أبو هريرة، وهو متأخر عن أخبار النهي، فإن راويها عمر وأبو هريرة وإسلامها قديم، نبه عليه ابن حزم.
وعند أبي حنيفة أنه إذا قعد مقدار التشهد وطلعت تبطل أيضا، وخالفه صاحباه.
5 خصت هاتان الصلاتان بالذكر دون غيرهما لشرفهما، والحكم لا يختص؛ بدليل الرواية السالفة (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) ). ص 854
ويحتمل أنهما طرفا النهار أولًا وآخرا، والمصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت، فلو لم يبين الشارع هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه لظن فوات الصلاة وبطلانها.
6 قدم ذكر السجدة في رواية (خ) هنا؛ لأنها هي السبب الذي به الإدراك، وأخرت في رواية أخرى فقال (( من أدرك من الصبح سجدة ) )تقديمًا للاسم الذي يدل على الصلاة دلالة تتناول كل أوصافها، بخلاف السجدة فإنها دالة على البعض، فقدم الأعم.
الحديث 2
ذكر فيه حديث سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنما بقاؤكم فيما سلف .. ) )الحديث.
ثم ذكر حديث بريدة (( مثل اليهود ) ).
الكلام فيه من وجوه
1 هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في فضائل القرآن، والإجارة، وذكر بني إسرائيل، والتوحيد.
2 إنما أدخل (خ) هذين الحديثين في هذا الباب لقوله فيه (( ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين ) )؛ ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله المستأجر أولا، فمثل هذا كالذي أعطي على كل ركعة أدرك وقتها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.
وقال ابن المنير إن قلت ما وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة؟ وإنما هو مثال لمنازل الأمم عند الله، وأن هذه الأمة أقصرها عمرا، وأقلها عملا، وأعظمها ثوابًا.
ويستنبط منه للبخاري بتكلف من قوله (( فعملنا إلى غروب الشمس ) )فدل على أن وقت العمل ممتد إلى الغروب وأنه لا يفوت.
وأقرب الأعمال المشهور بهذا الوقت صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة، فإن الحديث مثال، وليس المراد عملًا خاصا بهذا الوقت هو صلاة، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيرها من العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة.
وتحتمل المطابقة ما سلف عن المهلب من أنه نبّه على أن إعطاء البعض حكم الكل في الإدراك غير بعيد، كما أعطيت هذه الأمة ببعض العمل في بعض النهار حكم جملة العمل في جملة النهار، فاستحقت جميع الأجر.
وفيه بعد فإنه لو قال إن هذه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجرة جميع النهار؛ لأن الأمتين قبلها ما استوعبا النهار فأخذتا قيراطين.
وهذه الأمة إنما أخذت أيضًا قيراطين، نعم عملت هذه قليلا فأخذت كثيرًا، ثم هو أيضًا منفك عن محل الاستدلال؛ لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها.
ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ومراده عند الجمهور، ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته، وكذلك سائر العبادات فالأول أولى.
3 قوله (( إنما بقاؤكم فيما سلف ) )في رواية الترمذي (( إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ) )وهذا مثل ضربه عليه السلام لعمل هذه الفرق الثلاثة، وهو إشارة إلى قرب الساعة وقلة ما بقي من الدنيا.
وفي حديث أبي موسى أن اليهود طال زمن عملهم وزاد على مدة النصارى؛ لأنه كان ص 855 بين موسى وعيسى عن ابن عباس ألف سنة وستمائة واثنان وثلاثون سنة.
وفي قول ابن إسحاق ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة، ولا يختلف الناس كما ذكره ابن الجوزي أنه كان بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة.
فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر، وعمل النصارى من الظهر إلى العصر.
ثم قد اتفق أيضًا تقديم اليهود على النصارى في الزمان، مع طول عمل أولئك وقصر عمل هؤلاء، فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب.
وذلك أقل الكل في مدة الزمان، فربما قال قائل إن هذه قد قاربت ستمائة سنة من المبعث، فكيف يكون زمانها أقل؟.
م أجاب بأن عملها أسهل وأعمال المكلفين أقصر، والساعة إليهم أقرب فجاز لذلك أن يقال عملهم أقصر، وما ادعاه ابن الجوزي من نفي الخلاف في زمن الفترة عن ستمائة عجيب، فقد ذكر الحاكم في (( إكليله ) )أنها مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر غيره أنها أربعمائة سنة.
4 تعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث، وهو أن مدة المسلمين من حين مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة ألف سنة وزيادة؛ وذلك لأنه عليه السلام جعل النهار نصفين، الأول لليهود، فكانت مدتهم ما سلف، فتكون لهذه الأمة والنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى كما سلف ستمائة سنة، الباقي وهو ألف سنة وزيادة للمسلمين.
ويؤيد ذلك ما ذكره السهيلي أن جعفر بن عبد الواحد العباسي القاضي حدث بحديث رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم ) )وقد انقضت الخمسمائة والأمة باقية.
وذكر حديث زمل الخزاعي، وأنه قص على رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه، وقال رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعثها.
ففسر له عليه السلام الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، ودرجات المنبر مدة الدنيا سبعة آلاف.
فقد روي موقوفًا على ابن عباس من طرق صحاح أنه قال الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم منها، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار، وذكر قوله (( بعثت أنا والساعة كهاتين، وإنما سبقتها بما سبقت هذه ) ).
وأورده من طرق كثيرة صححها، فشبه صلى الله عليه وسلم ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع من انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت حيث قال (( بعثت أنا والساعة كهاتين ) )وأشار بالسبابة والوسطى وبينهما نصف سبع كما قال السهيلي؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها على السبابة نصف سبع.
والدنيا على ما قدمناه سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى على السبابة بنصف الأنملة، وهو ألفا سنة. فيما ذكره الطبري وغيره.
وزعم السهيلي أن بحساب الحروف المقطعة أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث وستون. وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ فالله أعلم.
5 قوله (( كما بين صلاة العصر إلى الغروب ) )يحتمل كما قال ابن العربي أن يريد من أول وقتها ومن آخره، وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من الأول لكان زمن المسلمين في العمل أكثر من زمان النصارى.
وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم فيه (( نحن أكثر عملا ) ). وكثرته غالبًا تستدعي كثرة الزمان.
6 قوله (( أوتي أهل التوارة فعملوا حتى انتصف النهار فأعطوا قيراطا ) )هذا مخالف لرواية أبي موسى (( لا حاجة ص 856 لنا إلى أجرك ) )وفيه (( فعملوا حتى إذا كان العصر قالوا لك ما عملنا ) )ورواية أيوب، عن نافع.
ففيه قطع الأجرة لكل فريق، واستوفى العمل، وأبقى الأجرة.
وفيه قطع الخصومة، وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب.
واكتفى الراوي منه بذكر ما آل الأمر إليه من الأجرة ومبلغها دون غيرها من ذكر عجزهم عن العمل.
وقولهم (( لا حاجة لنا إلى أجرك ) )إشارة إلى تحريفهم الكتب، وتبديلهم الحال، فحرموا تمام الأجرة؛ لامتناعهم من تمام العمل الذي ضمنوه. قال فكأن الصحيح رواية سالم وأبي بردة.
فائدة القيراط من الوزن، قال الجوهري هو نصف دانق.
قال القزاز وأصله من قولهم قرط فلان على العطاء إذا أعطاه قليلًا قليلًا.
7 قوله (( عجزوا ) )قال الداودي قوله (( عجزوا ) )قاله أيضا في النصارى، وفي حديث أبي موسى (( لا حاجة لنا إلى أجرك ) )حكاه عن اليهود (( لك ما عملنا ) ).
قال فإن كان وصف من مات مسلمًا من قوم موسى فلا يقال عجزوا، وكذا من مات مسلما من قوم عيسى، وإن كان قاله فيمن آمن ثم كفر، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله فكفر.
وقال ابن التين يحمل حديث ابن عمر (( نحن أكثر عملا وأقل عطاء ) ).
من مات مسلما من أهل الكتابين. وحديث أبي موسى (( لك ما عملنا باطل ) ). على من بدل دينه بعد نبيه.
8 قوله (( ثم أوتينا القرآن ) )إلى آخره فيه تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع جريا بمقتضى الطباع لا قصدا، ثم تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف، وعموم ذلك ممن قبلهم كان في الأصول والمعاندة للشرائع كقولهم {اجعل لنا إلها} [الأعراف138] و {اذهب أنت وربك فقاتلا} [المائدة24] .
وقد علم ما كانت الصحابة تؤثره وتزدحم عليه من الشهادة في سبيله، وهذا مثله منه لا وجوبًا عليه تعالى، ولما قالت اليهود والنصارى (( ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا؟ ) )فقال تعالى (( هل ظلمتكم من حقكم؟ يعني الذي اشترطت لكم شيئًا قالوا لا. قال فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) ).
ولعل قولهم (( نحن أكثر عملًا وأقل عطاء ) )أي لا نرضى بهذا، ثم تركوا ذلك وقالوا (( لك ما عملنا ) )واتفق الحديثان، وجاء في بعض الروايات (( فغضبت اليهود والنصارى ) )يعني الكفار؛ لأن غيرهم لا يغضب من حكم الرب تعالى.
وقال الإسماعيلي إنما قالت النصارى نحن أكثر عملًا؛ لأنهم آمنوا بموسى وعيسى، فكان لهم عمل اليهود وزيادة ما عملوا من الإيمان بعيسى إلى أن بعث الله نبينا عليه أفضل السلام.
وما ذكره من إيمان النصارى بموسى فيه نظر.
ويحتمل أن يكون قولهم (( نحن أكثر عملا ) )يعني اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات. وقولهم (( وأقل عطاء ) )يعني النصارى، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث على العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة، والمراد بعضها كقوله تعالى {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن22] وإنما يخرج من الملح لا العذب.
وقوله تعالى {نسيا حوتهما} [الكهف61] والناسي كان يوشع بدليل قوله {إني نسيت الحوت} [الكهف63] .
وقيل يحتمل أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل أجرا؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر لا إلى وقت العصر، فيحمل على أنها عملت إلى آخر وقت العصر، ذكره ابن القصار.
ويحتمل وجها آخر وهو أن تكون الزيادة التي يتبين ص 857 بها وقت العصر، وهو أن يصير ظل الشيء مثله، وزاد أدني زيادة التي كانت عند الزوال، فزادت مدة الظهر أكثر من مدة العصر، فهي زيادة العمل.
9 استنبط أصحاب أبي حنيفة، منهم الدبوسي في (( أسراره ) )وغيره من هذا الحديث أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لأنه كان كذلك كان قريبًا من أول العاشرة، فيكون إلى الغروب ثلاث ساعات غير شيء يسير، ويكون النصارى أيضًا عملوا ثلاث ساعات وشيئًا يسيرًا، وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل الشيء مثله، فاستوى في الزمن النصارى مع المسلمين إلا في شيء يسير لا اعتبار به.
واعترض على ذلك بأمور منها أن النصارى لم تقله، إنما قاله الفريقان، ووقتهما أكثر من وقتنا، فيستقيم قولهم (( أكثر عملا ) ).
وأجيب بأنهما لم يتفقا على قول واحد، بل قالت النصارى (( كنا أكثر عملًا وأقل عطاء ) ). وكذا اليهود، باعتبار كثرة العمل وطوله.
ومنها ما قاله الجويني من أن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوز وتوسع.
قال ابن العربي وليس كما قال؛ فإن الشارع لا يقول إلا حقا تمثل أو توسع.
وقوله (( من صلاة العصر ) )يحتمل أول الوقت وآخره، فلا يقضى بأحد الاحتمالين على الآخر.
ومنها أن هذا الحديث قصد به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات كما في رواية أبي نعيم والإسماعيلي، فهو مثل ضرب للناس الذين شرع لهم دين موسى عليه أفضل السلام؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه أفضل السلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرءوا مما جاء به وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا، فجاء بالمسلمين، فعملوا بما جاء به، ويعملوا إلى قيام الساعة، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله، فقدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى.
وقال عند مبعث عيسى من يعمل مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذلك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال متفضلًا على المسلمين من يعمل بقية النهار إلى الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون نحن نعمل إلى انقطاع الدهر. فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بنبينا صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث (( ورجل آمن بنبيه وآمن بي ) )يعني أجره مرتين.
وحديث الأوقات قصد به الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم على غيره.
أقول
فإن قلت قول اليهود والنصارى ما لنا أكثر عملًا كيف يتجه كثرة عملهم قلت كثرة الزمان تدل على كثرة العمل.
قلت لا نسلم فإن من دينهم الصلاة في كل يوم مرتين وفي ديننا في يومنا وليلتنا خمس فلا يلزم من كثرة الشأن كثرة العمل وأيضًا وإن يكن فقد خصت هذه الأمة الشريفة بأشياء
منها أنها آمنت بالأنبياء ونبيهم بخلاف من قبلهم فإنه لم يحصل لهم ذلك فيكون معناه هؤلاء وإن كانوا أكثر عملًا فإن غيرهم وإن كان أقل زمانًا وعملًا فقد حصل له ثواب عمل لم يتيسر لغيره ولا يمكن بأن يؤمنوا بشريعة من لم يظهر ولم يتحقق.
فإن قلت كانوا مأمورين بالإيمان بالنبي الأمي الآتي بعد. قلت لم يكن تعد شريعته قد ظهرت وتحققت بخلاف شريعة من قبله فإنها قد ظهرت له ولأمته ص 858 فحصل الفرق.
ويمكن أن يقال معناه أن أولئك وإن كانوا أكثر زمانًا وعملًا لكن الحسنة في دينهم بمثلها بخلاف ديننا فإن الحسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء.
ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في جوابهم {فذلك فضلي أوتيه من أشاء} فإنه لو كان في مقابلة عمل لقال ثوابي ولم يقل فضلي فإن الفرق بين الثواب والفضل أن الثواب في مقابلة العمل والفضل بدون عمل فثواب العمل حسنة وتسعة فضل.
فإن قلت كيف طابق قوله تعالى {فذلك فضلي} لسؤالهم نحن أكثر عملًا وأقل عطاء [1] . قلت معناه إني استأجرتكم زمانًا معينًا بأجرة معينة ووفيتكم حقكم واستأجرت غيركم زمانًا معينًا بأجرة معينة فإن يكن أحد الزمانين أكثر من الآخر أو أقل وأحد الآخرين أكثر أو أقل فذلك فضلي ليس علي أن أسوي بين كل المستأجرين في أجورهم فإن المستأجرين ليسوا سواء والأزمنة ليست متساوية فالإنسان يتفاوت سرقة والزمان تتفاوت حاله.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( سجدة ) )الخطابي معناها الركعة بركوعها وسجودها والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت على هذا المعنى سجدة.
فإن قلت فما حكم هذه الصلاة أهي أداء أم لا؟. قلت الصحيح أنها كلها أداء وبعض الشافعية كلها قضاء وبعضهم تلك الركعة أداء وما بعدها قضاء, وإن أدرك دون ركعة فقال الجمهور كلها قضاء.
قوله (( فيما سلف ) )فإن قلت لا يصح هذا على ظاهره إذ بقاؤنا ليس في الزمان السالف. قلت معناه في جملة ما سلف أي نسبتكم إليهم كنسبة وقت العصر إلى تمام النهار.
فإن قلت القياس أن يقال وغروب الشمس بالواو لأن بين يقتضى دخوله على متعدد. قلت المراد من الصلاة وقت الصلاة وله أجزاء فكأنه قال بين أجزاء وقت صلاة العصر.
قوله (( أكثر عملا ) )فإن قلت قول اليهود ظاهر لأن الوقت من الصبح إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى المغرب لكن قول النصارى لا يصح إلا على مذهب الحنفية حيث يقولون العصر هو مصير ظل الشيء مثليه وهذا من جملة أدلتهم على مذهبهم فما جواب الشافعية عنه حيث قالوا هو مصير الظل مثلا.
وحينئذ لا يكون وقت الظهر أكثر من وقت العصر. قلت لا نسلم أن وقت الظهر ليس أكثر منه وما الدليل عليه, ولئن سلمنا فليس هو نصًا وأن كلا من الطائفتين أكثر عملًا لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملًا من المسلمين وإن كان بعضهم كذلك ولاحتمال إطلاقه تغليبا أو يقال لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أكثر زمانا لاحتمال كون العمل أكثر في زمان الأقل.
قال ابن الجوزي فإن قيل بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة, وهذه الأمة قد قاربت ستمائة أيضًا. فكيف يكون زمانها أقل؟
فالجواب أن عملها أسهل وأعمار المكلفين أقصر والساعة إليهم أقرب. فجاز لذلك أن يقال زمان عملهم تم كلامه.
فإن قلت ليس كلام النصارى حجة. قلت تقرير الله تعالى كلامهم لتصديقه لهم عرفًا.
قوله (( ظلمتكم ) )أي نقصتكم إذ الظلم قد يكون زيادة الشيء وقد يكون منتقصًا به.
فإن قلت هل فيه دليل للمعتزلة حيث قالوا الثواب الذي بقدر العمل هو أجر مستحق عليه، والزائد عليه فضل وقال أهل السنة الكل فضل. قلت الضمير راجع إلى الذي أعطاهم المتناول لما سمي أجرًا وللزائد عليه أي كل ما أعطيته فهو فضلي وأطلق عليه لفظ الأجر لمشابهته الأجر لأن كلا منهما يترتب على العمل.
فإن قلت ما وجه دلالته ص 859 على ما عقد الباب عليه. قلت قال شارح التراجم وأما حديث ابن عمر فمراده بالتمثيل أن هذه الأمة أقصرها مدة وأقلها عملًا وأكثرها ثوابا فما وجه دليل الترجمة منه.
قلت هو مأخوذ من لفظ إلى غروب الشمس ولم يفرق بين ما قارب الغروب وبين ما قبله، ويحتمل أن يكون وجه الدلالة أنهم عملوا أقل من عملهم وأثيبوا بقدر ما أخذ أولئك وأكثر.
فكأنه نبه على أن حكم البعض في الإدراك حكم الكل وأي وقت أدركه أقل منه كان كمدركه أولًا وآخرًا.
قوله (( كمثل رجل ) )فإن قلت كأن قياس التشبيه أن يقال كمثل أقوام استأجره رجل. قلت هذا ليس من باب التشبيه المفرد بالمفرد حتى يجب دخول كاف التشبيه على المشبه به ومقابلة كل جزء من أجزاء المشبه بأجزاء المشبه به, بل هو تشبيه المركب بالمركب فالمشبه والمشبه به المجموعان الحاصلان من الطرفين.
قوله (( لا حاجة لنا إلى أجرك ) )الخطاب إنما هو للمستأجر، والمراد منه لازم هذا القول وهو ترك العمل و (( حين ) )منصوب بأنه خبر كان أي كان الزمان زمان الصلاة أو مرفوع بأنه اسمه وهو تامة.
(( والفريقان ) )القومان الأولان. فإن قلت هذا الحديث دل على أنهما لم يأخذا أجرًا، والحديث السابق يدل على أن كلًا منهما أخذ قيراطًا.
قلت ذلك فيمن ماتوا منهم قبل النسخ وهذا فيمن حرف أو كفر بالنبي الذي بعد نبيه.
أقول
ذكر أهل معرفة الوقت أن في وقت الاعتداء أن الربيعي والخريفي وهو حلول الشمس في نقطتي الحمل.
والمر [اد] أن يكون الليل والنهار متساويين فدورة الشمس من الزوال إلى الزوال تكون ثلاثمائة وستين درجة ومن طلوع الشمس إلى غروبها وهي نصف دورة مائة وثمانين درجة ونصف القوس بالنهار يكون تسعين درجة ومن الشروق إلى الزوال يكون تسعين درجة ومن الزوال إلى الغروب تسعين ومن الزوال إلى العصر أحد وخمسين درجة ومن العصر إلى الغروب تسعة وثلاثين درجة.
وإنما خصه ما بين الظهر والعصر يكون زائدة على حصة العصر وهو ما بين العصر إلى الغروب.
ففي الحديث أن النصارى قالت نحن أكثر عملًا كما قالت اليهود أما كون زمن اليهود زائدًا فظاهر وكون زمان النصارى أيضًا زائدًا كما قسمته لك فليعلم ذلك فإن هذه المسألة في هذا المحل تتعين معرفتها والله أعلم.
[1] في هامش المخطوط (( قلت هذا مذهب بعض المعتزلة وسيأتي بعد ) ).