عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) هنا عن عبد الله وأخرجه في البر والصلة عن أحمد بن يونس، وأخرجه (م) هنا أيضًا عن الناقد وزهير عن سفيان.
سالم هو أبو عمر، ويقال أبو عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني التابعي الجليل الفقيه الصالح الورع المتفق على جلالته. وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال سمع أباه وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة وخلقًا من غيرهم، وعنه جمع من التابعين منهم الزهري.
قال إسحاق بن راهويه أصح الأسانيد الزهري، عن سالم عن أبيه، وكان أشبه ولده به، وكان والده أشبه ولد عمر به.
قال مالك ولم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. مات سنة ست ومائة، وقيل خمس، وقيل ثمان.
لسالم إخوة عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وأخوات، وكان عبد الله وصي أبيه منه، روى عنه أربعة عبد الله وسالم وحمزة وبلال. هذا الرجل لم أقف على اسمه، وكذا الأخ.
قوله (( مر على رجل ) )قال أهل اللغة مر عليه، ومر به يمر مرًا، أي اجتاز.
قوله (( يعظ أخاه ) )قال أهل اللغة الوعظ النصح، والتذكير للعواقب، وقال ابن فارس هو التخويف، قال والعظة الاسم منه. قال الخليل وهو التذكير ص 156 بالخير فيما يرق له قلبه.
قال الزبيدي في (( مختصر العين ) )الوعظ والموعظة والعظة سواء. تقول وعظه يعظه وعظًا وموعظة فاتعظ، أي قبل الموعظة.
(( ويعظ أخاه ) )أي ينهاه عنه، ويقبح له فعله، ويخوفه منه. فإن كثرته عجز، فزجره عليه السلام عن وعظه، وقال (( دعه ) )أي على فعل الحياء، وكف عن نهيه؛ (( فإن الحياء من الإيمان ) ).
وفي رواية أخرى في الصحيح (( الحياء خير كله ) ). وفي روايات (( الحياء لا يأت إلا بخير ) ).
وقد سبق تحقيق كونه من الإيمان، في باب أمور الإيمان، وقال ابن قتيبة معنى الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ركوب المعاصي كما يمنع منه الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وفي الحديث التنبيه على الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها.
قال والدي رحمه الله تعالى
باب الحياء هو برفع الحياء سواء أضيف إليه الباب أم لا لأنه مبتدأ، ومن الإيمان خبره والحياء بالمد وتعريفه واشتقاقه بمعنى قوة الحياء وضعفها في الحي ووجه كونه من الإيمان.
قوله (( سالم ) )وترجمه إلى أن قال وكان أبوه يلام في إفراط حب سالم وكان يقبله فنقول ألا تعجبون من شيخ يقبل شيخًا هلك بالمدينة وصلى عليه هشام بن عبد الملك سنة ست أو خمس أو ثمان ومائة.
قوله (( أخاه ) )الظاهر أنه أراد الأخ في القرابة فهو حقيقة، ويحتمل أن يراد الأخ في الإسلام على ما هو عرف الشارع فهو مجاز لغوي أو حقيقة عرفية.
قوله (( فإن الحياء ) )فإن قيل كلمة أن لا تدخل إلا على كلام يكون المخاطب به شاكًا فيه أو منكرًا له فأين الشك والإنكار. قلنا المخاطب كان شاكًا بل منكرًا له؛ لأنه كان يمنعه منه فلو كان معترفًا بأنه من الإيمان لما منعه من ذلك سلمنا أنه ما كان منكرًا لكنه جعله كالمنكر لظهور أمارات الإنكار عليه، سلمنا أنه ليس كالمنكر لكن ربما يكون التأكيد لدفع إنكار غير المخاطب من النظارة ونحوهم سلمنا أنه للإنكار منهم أيضًا لكن قد يكون التأكيد من جهة أن القصة في نفسها مما يجب أن يهتم بها ويؤكد عليها.
التيمي الحياء الاستحياء وهو ترك الشيء لدهشة تلحقك عنده. قال تعالى {ويستحيون نساءكم} أي يتركون، قال وأظن الحياة منه لأنه التقاء من الشخص والوعظ الزجر يعني يزجره من الحياء، ويقول له لا تستحي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( دعه يستحي فإن الحياء من الإيمان ) )إذ الشخص يكف عن أشياء من مناهي الشرع للحياء ويكثر مثل هذا في زماننا.
أقول ليس هو ترك الشيء بل هو دهشة تكون سببًا لترك الشيء.
فإن قلت قد علم مما تقدم أن الحياء بنفسه من الإيمان فما فائدة التكرار. قلت كأن المقصود ثمة بيان أمور الإيمان وأنه من جملتها، فذكر ذلك بالتبعية وبالعرض، وههنا ذكره بالقصد وبالذات.
فإن قلت فإذا كان الحياء بعض الإيمان فإذا انتفى الحياء ينتفي الإيمان وإذا انتفى بعض الإيمان انتفى حقيقة الإيمان، فيلزم أن الشخص إذا لم يستحي يكون كافرًا. قلت المراد من الإيمان هو الإيمان الكامل والتقريب ظاهر.
نعم لو قيل الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان لكان مشكلًا.