فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 3844

ثم ساق من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد قدوم مكة، الحديث.

ظاهر الإضافة في قوله أين تنزل غدًا من دارك؟ وفي أخرى ذكرها ابن التين من ربع آبائك وأجدادك، يؤيده (( هل ترك لنا عقيل من رباع؟ ) ).

قال فأضافها إلى نفسه وظاهرها يقتضي الملك، فيحتمل أن يكون عقيلًا أخذها وتصرف فيها كما فعل أبو سفيان بدور المهاجرين.

قال الداودي كان عقيل باع ما كان لرسول الله ولمن هاجر من بني عبد المطلب، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام ذلك تحرجًا أن يرجع في شيء منه خرج لأجل الله، ولفظه يقتضي الاستفهام، ومعناه النفي؛ أي ما ترك لنا شيئًا.

وأبعد من قال يحتمل أنه حكم لها بحكم الدار؛ فإنها خرجت عن ملكه لما ملكها المسلمون، كما يقوله مالك والليث في هذه المسألة لا في هذا الحديث، وسبب بعده أن يكون تعليله بأخذ عقيل لا يوافق، ويخرج عن أن يكون جوابًا لما سأله.

وقيل كان أصلها لأبي طالب فأمسكه عليه السلام مدة حياته إياها، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل وطالب، واستولى عليها عقيل لما هاجر عليه السلام بحكم ميراثه من أبيه، وعلى هذا فتكون إضافتها إليه مجازية؛ لأنه كان يسكنها لا أنه ملكها، والقول الأول أولى كما قاله القرطبي.

وقال عياض احتوى أبو طالب ص 1610 على أملاك عبد المطلب؛ لأنه كان أكبر ولده حين وفاته على عادة أهل الجاهلية.

وفيه دلالة على أن مكة شرفها الله تعالى فتحت صلحًا، واختلف العلماء في ذلك، فذهب الشافعي وأصحابه إلى ذلك، وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك وغيرهم إلى أنها فتحت عنوة.

قال ابن بزيزة وهو الصحيح، ونقله غيره عن الأكثرين.

وقيل إن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها صلحًا، كفوا عن الزبير والتزموا شرط أبي سفيان، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم التزم أمان من لم يقاتل واستأنف أمان من قاتل، فلذلك استجار بأم هانئ رجلان، فلو كان الأمان عامًا لم يحتاجا إلى ذلك، ولو لم يكن أمان لكان كل الناس كذلك.

وفي (( الإكليل ) )لأبي عبد الله الحاكم والأخبار تدل أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل يوم الفتح في بيت أم هانئ بنت عمه، وكان عمر يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة فيما حكاه السهيلي أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج، كان ذلك لا يحل لهم.

ولابن ماجه من حديث علقمة بن نضلة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وإن دور مكة كانت تدعى السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن، وإسناده على شرطهما.

وللدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو يرفعه (( من أكل كراء بيوت مكة أكل نارًا ) )، وفي (( المصنف ) )عن مجاهد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( مكة حرمه [1] حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها ) )وكان عطاء يكره إجارة بيوتها، وروي عن محمد بن علي لم يكن لدور مكة أبواب.

قال المهلب بن أبي صفرة هذا الحديث حجة في أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر، ثم غزا مع المسلمين بلده، أن أهله وماله وولده على حكم البلد، كما كانت دار النبي صلى الله عليه وسلم على حكم البلد، ولم ير نفسه عليه السلام أحق بها، وهو قول مالك والليث، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في باب الجهاد.

وفيه أن المسلم لا يرث الكافر وهو كافة الفقهاء حاشا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي؛ فإنهم قالوا يرثه كالنكاح، كما حكاه ابن التين عنهم.

وقاله في (( شرح م ) )هو قول العلماء كافة، إلا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف أن المسلم يرثه، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم، وعن أحمد أن اختلاف الدين لا يمنع الإرث بالولاء، وحكاه الإمام عن علي، وقال هو غريب لا أصل له.

قلت بل له أصل أصيل، وهو حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يرث المسلم النصراني، إلا أن يكون عبده أو أمته ) )، أخرجه (ن) وصححه الحاكم.

قوله أثر حديث أبي هريرة (( وقال سلامة ) )إلى أن قال (( وقالا بني هاشم وبني المطلب ) )إنما أتى به لعدم التشكيك في بني المطلب أو بني عبد المطلب كما أسلفه قبل، ولهذا أثره بنو المطلب أشبه.

وقال الداودي قوله (( بني عبد المطلب ) )وهم.

وقوله (( وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت ) )لو قال تحالفتا أو تحالف كان أوضح، وكأن حصر بني هاشم لما بلغ قريشًا فعل النجاشي لجعفر وأصحابه وإكرامهم له، كبر ذلك عليهم ص 1611 وغضبوا وأجمعوا على قتل رسول الله، وكتبوا كتابًا على بني هاشم أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يخالطوهم، [2] وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة العبدري فشلت يده، قاله في (( الطبقات ) )، وهو ما في ابن إسحاق أنه منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد العزى.

وقال الزبير في (( أنسابه ) )اسمه بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

وقال الكلبي هو منصور بن عامر بن هاشم أخو عكرمة بن عامر بن هاشم. وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وقيل بل كانت عند أم الحلاس بنت المخرمة الحنظلية خالة أبي جهل، وحصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من حين النبوة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه، وخرج أبو لهب إلى قريش وظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، وكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغهم الجهد، فأقاموا فيه ثلاث سنين، ثم أطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها من ذكر الله، وفي لفظ ختموا على الكفر ثلاث خواتم، وفي لفظ سنتين.

فذكر ذلك سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، فقال أبو طالب لكفار قريش إن ابن أخي أخبرني _ ولم يكذبني قط _ أن الله قد سلط على صحيفتكم الأرضة، فلحست ما كان فيها من جور وظلم، وبقي ما فيها ما ذكر الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته لكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا قد أنصفتنا، فأرسلوا إلى الصحيفة، فإذا هي كما قال عليه السلام، فسقط في أيديهم، ونكسوا على رؤوسهم، فقال أبو طالب علام نحبس ونحصر فقد بان الأمر، فتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، منهم مطعم بن عدي، وعدي بن قيس، وربيعة بن الأسود، وأبو البختري بن هاشم وزهير بن أمية، ولبسوا السلاح، ثم خرجوا إلى بني هاشم وبني المطلب، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم، ففعلوا، فلما رأت قريش ذلك سقط في أيديهم، وعرفوا أن لن يسلموا، وكان خروجهم في الشعب في السنة العاشرة، ثم أذن عليه السلام بالخروج بالهجرة إلى المدينة.

والخيف ما انحدر عن الجبل وارتفع عن المسيل وبه سمى مسجد الخيف، وهو واد بعينه وسيأتي في (خ) في الجهاد عن الزهري أنه قال الخيف الوادي، وقيل هو المحصب.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( إن شاء الله ) )هذا على سبيل التبرك والامتثال لقوله تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا* إلا أن يشاء الله} [الكهف23 _ 24] .

والخيف _ بفتح المعجمة وسكون التحتانية _ ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل و (( كنانة ) )بكسر الكاف وخفة النون الأولى، والمراد به المحصب، بالمهملتين المفتوحتين.

قوله (( الغد ) )أصله الغدو فحذفوا اللام وهو أول النهار.

قال الجوهري الغدوة _ بضم الغين _ هو ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.

و (( يوم النحر ) )بالنصب قال في غداة يوم النحر حال كونه بمنى (( نحن نازلون غدًا ) ).

فإن قلت النزول في المحصب هو في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة لا في اليوم الثاني من العيد الذي هو الغد ص 1612 حقيقة؟ قلت تجوز في الزمان المستقبل القريب بلفظ الغد كما يتجوز بالأمس عن الماضي.

قوله (( تقاسموا ) )أي تحالفوا و (( المحصب ) )منصوب بأنه مفعول (( يعني ) )، وقريش وكنانة قبيلتان. فإن قلت الأصح أن قريشًا هم أولاد النضر _ بسكون الضاد المعجمة _ ابن كنانة فقبيلة كنانة متناولة لقريش فهل هو من باب التعميم بعد التخصيص؟.

قلت يحتمل أن يراد بكنانة غير قريش فقريش قسيم له لا قسم منه. قوله (( قالا ) )أي سلامة ويحيى؛ أي روايتهما عن شيخهما عن ابن شهاب هو بني المطلب بدون لفظ (( عبد ) )بخلاف رواية الوليد؛ فإنه مترددة بين (( المطلب ) (( عبد المطلب ) ).

وقال (خ) الأشبه بالصواب حذف عبد؛ لأن عبد المطلب هو ابن هاشم فلفظ (( هاشم ) )مغن عنه وأما المطلب فهو أخو هاشم وهما ابنان لعبد مناف فالمقصود أنهم تحالفوا على بني عبد مناف.

الخطابي إن قريشًا تحالفوا على أن لا يكلموا بني هاشم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشبه أن يكون رسول الله إنما اختار النزول في ذلك المكان شكرًا لله على النعمة في دخول مكة ظاهرًا ونقضًا لما تعاهدوه بينهم وتقاسموا عليه من ذلك.

قال ابن الأثير وقريش تظافروا على بني هاشم والمطلب حتى حصروهم في الشعب بعد المبعث بست سنين فمكثوا في ذلك الحصار ثلاث سنين.

قال النووي معنى تقاسمهم على الكفر تحالفهم على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم والمطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو خيف بني كنانة وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة فيها أنواع من الباطل فأرسل الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من الكفر، القصة كما سبق ذكرها.

[1] لعل الصواب (( حرم ) ).

[2] في هامش المخطوط (( فائدة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت