فيه حديث أبي هريرة (( إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان ) ).. الحديث.
هذا الحديث أخرجه (خ) في الصلاة. وأخرجه من حديث جابر أيضًا (( إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الروحاء ) ).
قوله (( الحصاص ) )في رواية (م) بحاء وصادين مهملات، فقيل إنه الواقع في رواية (خ) ، وقال أبو عبيدة هو شدةص 889 العدو.
وقال عاصم بن أبي النجود إذا ضرب بأذنيه ومضغ بذنبه أي حركه يمينًا وشمالًا وعدا، فذاك الحصاص. ولا مانع من حمله على ظاهره؛ إذ هو جسم يصح منه خروج الريح. وقيل إنه عبارة عن شدة الغيظ والنفار وإدباره؛ لئلا يسمعه فيضطر إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة، للحديث الآتي (( لا يسمع مدى صوت المؤذن من الجن والإنس دون الكافر ) )، حكاه القاضي، وقال لا يقبل من قائله لما جاء في الآثار من خلافه.
قال وقيل إن هذا فيمن يصح منه الشهادة ممن يسمع. وقيل بل هو عام في الحيوان والجماد وأن الله يخلق لها ولما لا يعقل من الحيوان إدراكًا للأذان وعقلًا وقوة.
وقيل إدباره لعظم شأن الأذان بما يشتمل عليه من قواعد التوحيد وإظهار الشعار والإعلام. وقيل ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد.
فإن قلت كيف يهرب من الأذان ويدنو في الصلاة وفيها القرآن والمناجاة؟ قلت أجاب ابن الجوزي عنه بأن إبعاده عن الأذان لغيظه من ظهور الدين وغلبة الحق، وعلى الأذان هيبة يشتد انزعاجه لها ولا يكاد يقع في الأذان رياء ولا عند النطق به؛ لأنه لا يحضر النفس.
فأما الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب الوسواس [1] .
والمراد بالتثويب هنا الإقامة. ويخطر بضم الطاء وكسرها، والأكثر على الضم، والوجه بالكسر أي يوسوس، والضم من الشكوك والمرور أي يدنو منه فيما بينه وبين ص 890 قلبه فيشغله عما هو فيه، وبهذا فسره الشراح، وبالأول فسره الخليل.
وقال الباجي فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه.
قال الجوهري في (( نوادره ) )يخطر بالكسر في كل شيء وبالضم ضعيف.
قوله (( حتى يظل ) )كذا الرواية بمعجمة مفتوحة، والرجل مرفوع أي يصير، كما قال تعالى {ظل وجهه} [الزخرف17] وقيل معناه يبقى ويدوم.
وحكى الداودي يضل بالمعجمة المكسورة بمعنى ينسى ويذهب وهمه، ويسهو وحكى ابن قرقول، عن الداودي أنه روي يضل بفتح الضاد أيضًا من الضلال وهو الحيرة.
قال والكسر في المستقبل أشهر.
قال الشيخ تقي الدين ولو روي بضم الياء لكان صحيحا، يريد حتى يضل الشيطان الرجل عن دراية كم صلى.
والحديث ظاهر فيما ترجم له وهو فضل التأذين، وقد وردت أحاديث كثيرة بفضله، واختلف فيه والإمامة أيهما أفضل؟ [2]
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( قضى ) )بلفظ المعروف أي المنادى وفي بعضها بالمجهول والقضاء جاء بمعان، وهنا بمعنى الفراغ أو بمعنى الانتهاء.
(( وثوب ) )أي أقيم. الخطابي العامة لا يعرفون التثويب إلا قول المؤذن الصلاة خير من النوم لكن المراد منه هنا الإقامة بعد الأذان، وأصل هذه الكلمة أن يلوح الرجل بثوبه عند الفزع يعلم بذلك أصحابه فسمى رفع الصوت بالأعلام تثويبًا، وقيل إنه مأخوذ من ثاب بمعنى عاد إلى الشيء بعد ذهابه فقيل للإقامة تثويب لأنه رجوع إلى الدعاء إلى الصلاة بعد ما دعاهم إليها بالأذان، وقيل للمؤذن إذا قال الصلاة خير من النوم ثم عاد إليه مرة أخرى فقالها قد ثوب أي ردد القول به مرة أخرى وكذلك إذا قال قد قامت الصلاة مرتين.
قال ابن الأنباري سمى الصلاة خير من النوم تثويبًا لأنه دعاء ثان إلى الصلاة، وذلك أنه إنما قال حي على الصلاة دعاهم إليها ثم لما قال الصلاة خير دعا إليها مرة أخرى.
قوله (( يخطر ) )بضم الطاء وكسرها.
قال النواوي معناه بالكسر يوسوس من قولهم خطر الفحل بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه وبالضم يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه ويشغله عما هو فيه.
قوله (( نفسه ) )فإن قلت كيف يتصور خطورة بين المرء ونفسه وهما عبارتان عن شيء واحد.
قلت إما أن يراد بالنفس الروح أو القلب فهو كقوله تعالى {إن الله يحول بين المرء وقلبه} وإما أن يكون تمثيلًا لغاية القرب منه.
قوله (( لما ) )أي لشيء لم يكن يذكره في غير الصلاة و (( يظل ) )بفتح الظاء، وهو بمعنى يصير أو يكون فيتناول صلاة الليل أيضًا، والمقصود أن الشيطان يسهيه في صلاته.
الطيبي شبه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره ثم سماه ضراطًا تقبيحا له.
قال وكرر لفظ حتى خمس مرات الأولى والرابعة والخامسة بمعنى كي والثانية والثالثة دخلت على الجملتين الشرطيتين وليست للتعليل.
[1] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت هل كان الشيطان يوسوس لسائر الأمم كما يوسوس لهذه الأمة؟ فليفهم بدليل قوله {إن الشيطان للإنسان عدو ميبن} وقوله {اهبطوا} الآية ويمكن أن يقال إن هذه الأمة أشرف الأمم وأعظمها وأكثرها منزلة عند الله، فالشيطان صار يوسوس لها أكثر والله أعلم، وقد قال أيوب {ربي مسني الشيطان بنصب} فالأمم أولى وقضية سليمان قال {وألقينا على كرسيه جسدًا} وعصيان الأمم لأنبيائهم دليل على وسوسته لهم ومن ذلك أمرهم بعبادة الأصنام وغيرها ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول أن يدري كم صلى، هي بالكسر نافية بمعنى ما وهي موافقة لرواية لا ندري ويروى بالفتح وقال ابن عبد البر هي رواية أكثرهم، قال صاحب (( المفهم ) )وكذا ضبطها الأصيلي في (خ) أن بالفتح قال وليست بشيء إلا مع رواية الصاد فتكون أن مع الفعل في تأويل المصدر مفعول صلى بإسقاط حرف الجر أي يصلي عن درايته وينسى عدد ركعاته )) .