فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال الحكم ... إلى آخره، وقال الشعبي ... إلى آخره.
ثم ساق حديث عمرو بن الشريد قال وقفت ... إلى آخره.
تعليق الحكم رواه وكيع، عن سفيان، وأثر الشعبي رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، وحديث أبي رافع من أفراده، ويأتي في الحيل أيضًا إن شاء الله تعالى.
وعرض الشفعة على الشريك قبل البيع مندوب إليه كما فعل أبو رافع، ألا ترى أنه حط من ثمن البيتين كثيرًا، رغبة في السنة؟
وفيه ما كانوا عليه من الحرص على موافقة السنن والعمل بها، والسماحة بأموالهم، فإن عرض عليه الشفعة وأذن له الشريك في بيع نصيبه، ثم رجع فطالبه بالشفعة، فقالت طائفة لا شفعة له، هذا قول الحكم، والثوري، وأبي عبيد وطائفة من أهل الحديث، وقالت طائفة إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ، ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعته، فذلك له، هذا قول مالك والكوفيين، ورواية عن أحمد، ويشبه مذهب الشافعي _ كما ذكره ابن بطال _ وهو مذهبه.
واختلف في المسألة التي ذكرها الرافعي في الباب، فقال مالك إذا باع المشتري نفسه من أجنبي وشريكه حاضر يعلم ببيعه، فله المطالبة بالشفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته إلا بمضي مدة يعلم أنه في مثلها تارك.
واختلف في المدة، فقيل سنة، وقيل فوقها، وقيل فوق ثلاث، وقيل فوق خمس، حكاها ابن الحاجب، وقال أبو حنيفة إذا وقع البيع فعلم الشفيع به، فإن أشهد مكانه أنه على شفعته وإلا بطلت شفعته، وبه قال الشافعي، قال إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها، من حبس أو غيره فهو على حجته.
واستدل أهل العراق على شفعة الجار بحديث الباب، غير أنهم جعلوا الشريك في المنزل أحق بها من الجار، فإن سلم الشفعة الشريك في الدار فالجار الملاصق أحق بها من غيره، فإن كان بينهما طريق نافذ فلا حق له فيها، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وتعلقوا بحديث (( الجار أحق بصقبه ) )، وقالوا لا يراد به الشريك؛ لأن الجار لا يقع إلا على غير الشريك، وزعموا أنه لا يوجد في اللغة أن الشريك يسمى جارًا، فخالفوا نص الحديث وتركوا أوله؛ لتأويل تأولوه في آخره.
أما مخالفتهم نصه فهو أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين في داره؛ ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره ممن ليس بشريك، وفيه أن أبا رافع سمى شريكه جارًا حين صرف معنى الحديث إلى الشريك، وهو راويه وأعلم بمعناه، ولو كان المراد غيره _ كما زعم أهل العراق _ ما سلم سعد لأبي رافع احتجاجه بالحديث، ولا استدلاله به، ولقال له سعد ليس معناه كما تأولته، وإنما الجار المراد به غير الشريك، فلما لم يرد عليه تأويله، ولا أنكره الحضور وهم الفصحاء وأهل اللسان المرجوع إليهم على أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع، وأن الجار فيه يراد به الشريك.
وأما بيع أبي رافع من سعد بأقل مما أعطاه غيره فهو من باب الإحسان بالإجماع، وكل من قارب ص 2072 بدنه بدن صاحبه قيل له جار وفي لسان العرب؛ ولذلك قالوا لامرأة الرجل لما بينهما من الاختلاط بالزوجية، وقد جاء في حديث دية الجنين أن حمل بن مالك قال كنت بين جارتين لي _ يريد امرأتيه _ ومنه قول الأعشى
~أجارتنا بيني فإنك طالقة
فكذلك الشريك يسمى جارًا؛ لما بينهما من الاختلاط بالشركة.
وتأويل الحديث عند أهل الحجاز على وجهين
أحدهما أن يراد به الشريك، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون غيره، وهو الأولى.
ويحتمل أن يراد به الجار غير الشريك، ويكون حقه غير الشفعة، فيكون جارًا لرحبة يريد الارتفاق بها، ويريد مثل ذلك عتق الجار، فيكون الجار أحق بصقبه، فإن لم يكن معا فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار، ومما للأخص من الكرامة والبر، وسائر الحقوق التي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار وجب إيثار الجار على من ليس بجار، من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا من طريق الفرض اللازم، فقد أوصى الرب جل جلاله بالجار فقال {والجار ذي القربى والجار الجنب} [النساء36] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما زال جبريل يوصيني بالجار ) )الحديث، وهذا الاحتمال ذكره ابن المنذر عن الشافعي، وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل، ثم فسره حديث آخر بقوله (( فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) )كان المفسر أولى من المجمل.
والصقب _ بفتح الصاد والقاف، وهو بالصاد أكثر من السين _ وهو القرب، يقال قد أصقب فلان فلانًا إذا قربه منه، فهو يصقبه وقد تصاقبا إذا تقاربا.
قال ابن دريد سقبت الدار سقبًا، وأسقبت لغتان فصيحتان قربت، وأبياتهم متساقبة؛ أي متدانية.
وقال ابن الأنباري في (( زاهره ) )الصقب في الملاصقة. كأنه أراد ما يليه ويقرب منه، وفي (( الغريبين ) )أراد بالجار الملاصق من غير شركة.
قال ابن التين قول الحكم قال به سفيان، وخالفهما مالك وقال لا يلزم إذنه بذلك. قال وقول الشعبي هو قول أبي حنيفة والشافعي وابن وهب.
قوله (( أحد منكبي ) )كذا بخط الدمياطي، وذكره ابن التين بلفظ (( إحدى ) )، ثم قال هكذا (( إحدى ) )مؤنثًا. وأنكره بعضهم، وقال المنكب مذكر. [1] والمنكب مجتمع ما بين العضد والكتف.
ونبه ابن التين أن بيع أبي رافع بدون ما أعطي من الإشفاق دون اللزوم، وكذا تأويله في الصقب لأجل الجوار.
الخطابي فيه دليل أن الشفعة ثابتة في الطرق التي في البناء إذا كانت واسعة تحتمل القسمة، وقد أضاف للبائع سقبه إلى داره في قوله لسعيد (( ابتع مني بيتي في دارك ) )، وطريقهما لا محالة شائعة في العرصة وهي جزء من الدار، ولذلك استحق به الشفعة.
وعن أحمد روايتان _ فيما حكاه ابن الجوزي _ في الطرق والعرصة، هل يجب فيهما الشفعة بانفرادهما؟
وذهب ابن حزم إلى الأخذ بالشفعة متى شاء ولو بعد ثمانين سنة أو أكثر أو تلفظ بالترك، و ص 2073 عن أبي حنيفة ثلاثة أيام، وبه يقول البتي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال عبد الله بن الحسن لا يمهل إلا ساعة واحدة، وعن الشعبي يوم واحد، وعن عمر بن عبد العزيز بضع عشرة سنة.
قال ابن عبد البر قضى عمر بن عبد العزيز بالشفعة بعد أربع عشرة سنة _ يعني للغائب _ قال وأهل العلم مجمعون على أن الغائب إذا لم يعلم بالبيع ثم قدم فله الشفعة مع طول غيبته، واختلف إذا علم في سفره فقيل يشهد، وإلا فلا شفعة له، وقيل على شفعته.
ومن الأحاديث الضعيفة _ بسبب ابن السلماني _ حديث ابن عمر مرفوعًا (( لا شفعة لغائب ولا لصغير، ولا لشريك على شريكه إذا سبقه بالشرى ) )، و (( الشفعة كحل العقال ) ).
والخلاف السالف في إسقاط الشفعة قبل ثبوتها جار فيمن أسقط شيئًا قبل وجوبه كإسقاط الميراث قبل الموت وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة وكسوة في السنة القابلة، ففي كل واحدة من هذه المسائل خلاف.
والشفعة ثابتة للبدوي والقروي والغائب والصغير إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والذمي.
وقال قوم لا شفعة لمن لا يسكن المصر ولا للذمي، قاله الشعبي والحارث العكلي والبتي، وهو قول أحمد، زاد الشعبي ولا لغائب، وقال ابن أبي ليلى لا شفعة لصغير ولا تورث ولا تعار هي لصاحبها الذي وقعت له، وقال إبراهيم _ فيما نقله الأثرم _ لا تورث.
قال ابن حزم قال عبد الرزاق وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق والحسن بن حي وأبي سليمان، وقال مالك والشافعي تورث.
والشفعة هل هي على عدد الرؤوس أو على قدر الأنصباء إذا كانوا شركاء؟ فيه خلاف للعلماء، توقف في ذلك أحمد، وقال ما أدري. وعندنا قولان رجح المتأخرون الثاني، وبه قال مالك والحسن وشريح وعطاء.
وقال أبو حنيفة الهبة بلا ثواب لا شفعة فيها؛ لأنها عنده ليست بيعًا، وكذا لا شفعة عنده في صراف ولا أجرة ولا جعل ولا خلع ولا في شيء صولح عليه في دم عمد، وعندنا تثبت في الهبة حلف الثواب؛ لأنها معاوضة.
[1] في هامش المخطوط (( أقول قيل إن ما في الإنسان اثنين اثنين فهو مؤنث، وما فيه واحد فهو مذكر، إلا الكبد؛ فإنه واحد، وهو مؤنث، قال عليه السلام (( في كل كبد حرى أجر ) ))) .