فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 3844

عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب ) )الحديث. هذا الحديث أخرجه (م) وأخرجه النسائي في الإيمان، وابن أبي شيبة في (( مسنده ) )وقال ما يحب لنفسه من الخير والترمذي في الزهد.

وأنس هو السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري النجاري. خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، خدمه عشر سنين، أمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام. روي له ألفا حديث، ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها على مائة وثمانية وستين، وانفرد (خ) بثلاثة وثمانين، و (م) بأحد وسبعين.

وهو أحد المكثرين، ومناقبه جمة. وسيأتي في المناقب إن شاء الله تعالى مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل خمس، وقد جاوز المائة. ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة. وكني بأبي حمزة بالمهملة لبقلة كان يجتنيها.

أنس بن مالك في الصحابة اثنان لا ثالث لهما أحدهما هذا، والثاني أبو أمية الكعبي له حديث (( إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ) ). وفيهم أنس بدون ابن مالك فوق العشرين. وفي الرواة غيرهم أنس بن مالك.

وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو الخطاب قتادة بن دعامة بكسر الدال بن قتادة بن عزيز بمهملة مفتوحة وزاي مكررة الأولى مكسورة بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بضم المعجمة التابعي الثقة الجليل الحافظ. وكان أكمه. روى عن أنس وأبي الطفيل وغيرهما من الصحابة، وخلق من التابعين.

قال الترمذي لا نعرف لقتادة سماعًا من أحد من الصحابة إلا من أنس وأبي الطفيل، وروى عنه خلق من التابعين فمن بعدهم، وثناء الحفاظ عليه مشهور، وإن رمي بالتدليس والقدر.

مات كهلًا سنة سبع عشرة ومائة، أو ثماني عشرة عن ست أو سبع وخمسين سنة.

قال معمر جاء رجل إلى ابن سيرين فقال رأيت حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت أصغر مما دخلت، ورأيت ص 125 حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين أما الأولى فذاك الحسن يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه، وأما الثاني فذاك محمد بن سيرين ينقص منه ويشك فيه، وأما الثالث فقتادة وهو أحفظ الناس.

ليس في الكتب الستة من اسمه قتادة بن دعامة سوى هذا.

وأما حسين المعلم فهو ابن ذكوان المكتب العوذي نسبة إلى عوذ بن سود بطن من الأزد، البصري. سمع قتادة وعطاء وغيرهما، وعنه شعبة ويحيى القطان وغيرهما، وهو ثقة وأما شعبة فقد سلف.

وأما يحيى فهو الإمام الحافظ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التيمي، أبو سعيد البصري الأحول، يقال مولى بني تميم وليس لأحد عليه ولاء، سمع الثوري وغيره، وعنه السفيانان وأحمد وخلق. وأجمع على جلالته وإمامته. أقام عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة.

ورأي في المنام وعلى قميصه مكتوب بين كتفيه بسم الله الرحمن الرحيم براءة ليحيى بن سعيد من النار، وبشر قبل موته بعشر سنين بأمان من الله يوم القيامة، ولد سنة عشرين ومائتين.

قال إسحاق بن إبراهيم الشهيدي كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة المسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني وسليمان بن داود وأبو أيوب الشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبة له. يحيى بن سعيد جماعة تقدم بيانهم.

ومسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد بن أسد بن شريك بضم الشين بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، الأزدي الدوسي، البصري الحافظ الثقة. وفي نسبه اختلاف، قال ابن الجوزي مسدد ومسرهد لغتان واسمهما عبد الملك بن عبد العزيز.

روى عن جماعة من الأعلام منهم حماد ويحيى، وعنه الأعلام (خ، د) ، وأبو حاتم وغيرهم. وروى النسائي عن رجل عنه، وروى له (ت) أيضًا، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين. ليس في الكتب الستة مسدد غيره.

وكان أبو نعيم يقول عند سماع نسبه هذه رقية عقرب، وقيل إنه كان يقول لو كان في هذه النسبة بسم الله الرحمن الرحيم، كانت رقية عقرب. ومما يقاربه جخدب بن جرعب أبو الصقعب كوفي يروي عن عطاء بن أبي رباح وعنه الثوري.

قوله (( وعن حسين المعلم ) )يعني أن يحيى حدث به عن شعبة وعن حسين كلاهما عن قتادة.

ومعنى الحديث لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان حاصل، وإن لم يكن بهذه الصفة. والمراد يحب لأخيه من الخير كما سلف في رواية النسائي، وغيره هذا قد يعد من الصعب الممتنع. وليس كذلك كما نبه عليه ابن الصلاح.

إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه. وذلك سهل على القلب السليم، ص 126 وإنما يعسر على القلب الدغل. عافانا الله من ذلك، فيحب الخير لأخيه في الجملة دون زيادة الفضل.

وقال أبو الزناد والقاضي ظاهره التسوية وحقيقته التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين. ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة، بادر إلى إنصافه من نفسه، وآثر الحق وإن كان عليه فيه بعض مشقة.

وقد أشار إلى هذا الفضيل بقوله لسفيان إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت تود أنهم دونك.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( من الإيمان ) )قدم لفظ من الإيمان بخلاف أخواته حيث يقول حب الرسول من الإيمان، إما للاهتمام بذكره وإما للحصر، فكأنه قال المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيمًا لهذه المحبة وتحريضًا عليها.

قوله (( يحب ) )بلفظ معروف المضارع من باب الأفعال في اللفظين وفاعله مضمر فيهما وهو المكلف أو المؤمن أو الرجل وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغضه لنفسه ولم يذكره اتباعًا للفظ الحديث.

قوله (( مسدد ) )بفتح المهملة والدالين المشددتين المهملتين، ابن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل، أبو الحسن البصري مع اختلاف كثير في نسبه، واعلم أن الخمسة الأول كلها بصيغة المفعول سرهدته أي أحسنت غذاءه وسمنته، وسربلته؛ أي ألبسته القميص، وغربلته؛ أي قطعته، ورعبلته أي مزقته، والثلاث الأخيرة الباقية لعلها عجميات، وهي في الثلاث بالدال المهملة والنون والراء وكذا السين والعين مهملتان، وقيل نقط العين هو الصحيح.

اتفق الناس في الثناء عليه توفي سنة ثمان وعشرين ومائتين.

وقتادة هو أبو الخطاب الأكمه السدوسي بفتح المهملة أحد أجداده. قال الزمخشري في (( الكشاف ) )ويقال لم يكن في هذه الأمة أكمه أي ممسوح العين غير قتادة السدوسي صاحب التفسير.

قوله (( لا يؤمن ) )أي لا يكمل إيمانه.

فإن قلت فإذا حصلت هذه المحبة يلزم أن يكون مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت بسائر الأركان. قلت هذه مبالغة كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة نحو لا صلاة إلا بطهور، أو يلتزم ذلك لصدقه في الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان إذ لا عموم للمفهوم.

وفي بعض الروايات (( لا يؤمن أحدكم ) )وفي بعضها (( عبد ) )وفي بعضها (( أحد ) )ولفظة حتى ههنا جارة لا عاطفة ولا ابتدائية وما بعدها خلاف ما قبلها وأن بعدها مضمرة، ولهذا نصب يحب ولا يجوز رفعه ههنا لأن عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة.

قوله (( لأخيه ) )أي المسلمين تعميمًا للحكم قال تعالى {إنما المؤمنون إخوة} وما يحب أي مثل ما يحب إذ عين ذلك المحبوب محال أن يحصل في محلين، واللام تدل على أن المراد الخير، والمنفعة إذ هو للاختصاص النافع، وكذا محبته لنفسه تدل عليه إذ الشخص لا يحب لنفسه إلا الخير.

وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ولم يذكره إما لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه فيدخل تحت ذلك، وإما لأن الشخص لا يبغض شيئًا لنفسه فلا يحتاج ص 127 إلى ذكره، والمحبة معناها على ما عرفها أكثر المتكلمين الإرادة، فقيل هي إما اعتقاد النفع، أو ميل يتبع ذلك أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع.

النووي أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه بحواسه كحسن الصورة أو ما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والكمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار عنه.

التيمي دلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على معرفة الإيمان من نفسك فانظر، فإن اخترت لأخيك في الإسلام ما تختار لنفسك فقد اتصفت بصفة الإيمان، وإن فرقت بينك وبينه في إرادة الخير فلست على حقيقة الإيمان، وقد ذكرنا أن المؤمن اشتق من الأمن؛ أي أنه يؤمن أخاه عن الضيم والشر،.

وإنما يصح منه هذا إذا ساوى بينه وبين نفسه، فأما إذا كان وصول الشر إلى أخيه أهون عليه من وصوله إلى نفسه أو حصوله على الخير أكثر من حصول أخيه عليه فلم يؤمنه أمانًا تامًا.

قوله (( وعن حسين ) )هو عطف إما على مسدد فيكون تعليقًا للطريق بين حسين والبخاري عن طريق مسدد، وإما على شعبة فكأنه قال ثنا مسدد ثنا يحيى عن حسين وأنا على قتادة قال عن شعبة عن حسين عن قتادة، ولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسددًا لم يسمع عن حسين.

وحسين هو ابن ذكوان بالمعجمة المكتب البصري وروايته عنه إنما هو من باب التعليق على التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة وفيه تحويل أيضًا؛ لأنه تحول من إسناده قبل ذكر الحديث إلى إسناد آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت