فيه حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الذي تفوته .. ) )إلى آخره.
هذا حديث ليس في الإسلام حديث يقوم مقامه؛ لأن الله تعالى قال {حافظوا على الصلوات} [البقرة238] ، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره، نبه عليه ابن بطال.
وهذا الحديث أخرجه (م) أيضًا.
قوله (( وتر ) )بضم الواو أي نقص، يقال وترته إذا نقصته، وكأنه جعله وترًا بعد أن كان كثيرًا. وفي بعض نسخ (خ) هنا قال أبو عبد الله {يتركم} إلى آخره.
الخطابي وغيره نقص هو أهله وماله، وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله.
وقال ابن عبد البر معناه أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترًا، والوتر الجناية التي يطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمان غم المصيبة، وغم مقاساة طلب الثأر.
وقال معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه على من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف؛ لتفويته الصلاة.
وهذا كله على رواية من روى أهله وماله بالنصب، وهو الصحيح على أنه مفعول ثان أوتر، وأضمر فيه مفعول ما لم يسم فاعله عائدًا إلى الذي فاتته الصلاة.
وقيل معناه وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب.
ومن رواهما بالرفع فعلى ما لم يسم فاعله. وقال بعضهم أنه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه انتزع منه أهله وماله وذهب بهم.
واختلف في المراد بفوات العصر في الحديث، فقال ابن وهب وغيره فيمن لم يصلها في وقتها المختار. وقال الأصيلي وسحنون هو أن تفوته بالغروب، وقيل إلى الاصفرار. وروي عن سالم، عن أبيه أنه قال هذا فيمن فاتته ناسيًا. وقال الداودي هو في العامد. وهو الأظهر للحديث الآتي في الباب بعد (( من ترك صلاة العصر حبط عمله ) ).
وهذا إنما يكون في العامد. ص 848 وقال المهلب هو ثوابها في الجماعة لما يفوته صلاة من شهود الملائكة الليلية والنهارية، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة.
وفي (( موطأ ابن وهب ) )قال مالك تفسيرها ذهاب الوقت.
وعند ابن منده الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر.
وتخصيصه عليه السلام بالعصر يحتمل أن يكون على حسب السؤال، وعدا هذا فالصبح والعشاء ملحق بها، وخصت العصر لفضلها؛ ولكونها مشهودة الملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها الصبح، أو خصت بذلك تأكيدًا وحضا على المثابرة عليها؛ لأنها تأتي في وقت اشتغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي وقت النوم، والأظهر أنها خصت بالذكر؛ لأنها الوسطى على الصحيح.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( تفوته العصر ) )وفي بعضها صلاة العصر و (( كأنما ) )في بعضها فكأنما بالفاء.
فإن قلت لا يخلو المبتدأ إما أن يتضمن معنى الشرط أم لا فالفاء إما لازم أو ممتنع. قلت إذا تضمن لا يلزم الفاء بل جاز فيه الأمران.
قوله (( وتر ) )بلفظ المجهول ونصب أهله.
النووي أهله وماله برفع اللامين على أنه فعل ما لم يسم فاعله ومعناه انتزع منه الأهل والمال وبنصبهما على أنهما مفعول ثان وهو الذي عليه الجمهور أي نقص هو أهله وماله وسلبهما فبقي بلا أهل ومال، وقيل يحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات.
أقول
قال ابن العربي فإن قيل كيف يكون تركها محبطًا للعمل وأنتم لا تقولون بهذا المذهب فإن السيآت عندكم معشر أهل السنة لا تذهب الحسنات قلنا الحبط على قسمين حبط موازنة وحبط إسقاط فأما الكفر فحبط إسقاط حتى لا يبقى للحسنات أثر وأما المعاصي فحبطه حبط موازنة وحبط إسقاط ذلك عند جعل الحسنات والسيآت في كفتي الميزان فيرجح السيآت فيذهب به مثلًا إلى النار فتسقط حكم الحسنات الآن فإذا أخرج من النار أو غفر له أخذ جزاء حسناته وهذا هو المعنى بقوله {يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} مع قوله {إن الحسنات يذهبن السيآت} .