فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 3844

1 - [باب] قول الله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} [المائدة 89]

فيه خمسة أحاديث

أحدها

حديث عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن يحنث في يمين قط ... الحديث.

الحديث الثاني

حديث الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (( يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، ... الحديث ) ).

الحديث الثالث

عن أبي بردة، عن أبيه رضي الله عنه بعضه (وفي آخره) (( إلا كفرت عن يميني إلى آخره ) ).

الحديث الرابع

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نحن الآخرون السابقون ) ).

الحديث الخامس

حديثه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من استلج في أهله. الحديث ) ).

اختلف العلماء في تفسير اللغو، فقال الشافعي هو قول الرجل لا والله، وبلى والله، وقد أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، كما سيأتي.

قال القاضي إسماعيل قال الشافعي وذلك عند اللجج، والغضب، والعجلة.

وقال ثاني الأربعة هو أن يحلف على الشيء يظنه كذلك، ثم يتبين على خلافه، قوله {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} قال الكسائي أي أوجبتم. وقال عطاء معناه أن يقول والله الذي لا إله إلا هو، وقرأ أبو عمرو (عقدتم) وقال معناه وكدتم.

وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا حنث من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدا، وإذا وكد اليمين أعتق رقبة.

قيل لنافع ما معنى وكد؟ قال أن يحلف على الشيء مرارا، وكذا قاله مالك، قال وعليه كفارة واحدة، قال وكذا إذا قال والله لا آكل هذا الطعام، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أدخل هذا البيت في يمين واحدة، عليه كفارة واحدة. وقوله {فكفارته إطعام عشرة مساكين} المعنى فكفارته (أي) الذي يعطي الله عليه.

والهاء في {فكفارته} عائدة على (ما) .

وهذا مذهب الحسن، والشعبي؛ (كأن) المعنى عندهما فكفارة ما عقدتم منها. وقيل الهاء عائدة على اللغو.

وقوله {من أوسط ما تطعمون أهليكم} الخبز، والتمر، والزيت، وأفضله عند المالكية الخبز، واللحم. وقال عبيدة الخبز، والسمن.

وقوله ( {أو كسوتهم} ) أي مسمى كسوة. وقيل ثوب، وقيل عباءة وعمامة.

وقولها (إن أبا بكر رضي الله عنه لم يحنث في يمين قط) ، معناها الزمان، يقال ما رأيته قط. قال الكسائي أي كانت قطط، فلما كسر الحرف الثاني للإدغام جعل الآخر متحركا على إعرابه، ومنهم من يقول قط بإتباع الضمة الضمة، مثل يد؛ وتخفف أيضا، وهي قليلة، وقط مخففة تجعله أداة، ثم تبنيه على أصله، ويضم آخره بالضمة، التي في المشددة.

قوله (( وكفر عن يمينك وائت الذي هو خير ) )فيه الكفارة قبل الحنث، وقد اختلف فيه إذا كان في يمينه على بر على أقوال أربعة، ففي (( المدونة ) )قال ابن القاسم اختلفنا في الإيلاء، فسألنا مالكا، فقال بعد الحنث أعجب إلي، وإن فعلص 4719 أجزأ وقال في كتاب محمد فمعنى الحديث من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه. وذكر القاضي عبد الوهاب عنه أنه أجاز ذلك ابتداء.

والرهط ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، ولا واحد لهم من لفظه، مثل ذود، والجمع أرهط، وأرهاط، والذود من الإبل ما بين الثلاث إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، ذكره الجوهري، وقيل الذود الواحد من الإبل، بدليل قوله (( ليس فيما دون خمس ذود صدقة ) ).

قال القزاز والعرب تقول الذود من الثلاثة إلى السبعة، وكذلك يقولون الذود إلى الذود إبل، يريدون الجمع إلى الجمع إبل، وقال أبو عبيدة هو ما بين الثنتين إلى (السبع) من الذود، والإناث دون الذكور. قلت وكذلك قال ثلاث ذود، ولم يقل ثلاثة، وقال بعدها خمس ذود.

وقوله (غر الدرى) ، أي بيض أعلى أسنمتهن، غر جمع أغر، وهو الأبيض في حسن، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضا حسانا هن غر. و (ذرى) ، بالضم، جمع ذروة بالكسر، وهو أعلى السنام، وهذا الجمع نادر قليل، مثل كسوة، وكساء.

وقوله (( ما أنا حملتكم بل الله حملكم ) )يحتمل أن يريد أنه لا معطي إلا الله، وإنما أعطيتكم من مال الله، أو بأمر الله؛ لأنه كان يعطي بالوحي، أو أن يريد بقدر الله.

قوله (( نحن الآخرون السابقون ) ). أي آخر الأمم السابقون يوم القيامة في الحساب ودخول الجنة.

وقوله (( لأن يلج أحدكم بيمينه ) )وقوله (( ومن استلج في أهله بيمي ) ). قال الداودي يعني الخدعة التي يحلف عليها. وقال الخطابي استلج من اللجاج، يعني أنه يقيم عليها ولا يكفرها فيتحللها، وقاله شمر، وزاد ويزعم أنه صادق. وقيل هو أن يحلف ويرى غيرها خيرا منها، فيقيم على ترك الكفارة، فذلك إثم. وقال النضر استلج فلان متاع فلان، و (لججه) إذا ادعاه، وفي (( الصحاح ) )لججت بالكسر، تلج لجاجا، ولجاجة، ولججت بالفتح لغة.

ورويناه لأن يلج. بفتح اللام، من لججت بكسر الجيم في ماضيه، وفتح اللام في مستقبله.

وقوله (( بيمين هو أعظم إثما ليس تغني الكفارة ) )يعني مع (بعد) الكذب في الأيمان، وهكذا في رواية أبي ذر وفي رواية الشيخ أبي الحسن (( ليس تغني الكفارة ) )، وهذا موافق لتأويل الخطابي أنه لا يستديم على لجاجته، ويمتنع من الكفارة، إذا كانت خيرا من التمادي.

وحض الشارع أمته على الكفارة، إذا كان إتيانها خيرا من التمادي على اليمين، وأقسم أنه كذلك يفعل هو. ألا ترى أنه حلف لا يحمل الأشعريين حين لم يكن عنده ما يحملهم عليه، فلما أتي بالإبل حملهم عليها، وأقسم أيضا أن التمادي على اليمين والاستلجاج فيها أشد إثما من إعطاء الكفارة.

والاستلجاج في أهله هو أن يحلف أن لا ينيلها خيرا، أو لا يجامعها، أو لا يأذن لها في زيارة قرابة، فتماديه في هذه اليمين وبره فيها إثم له عند الله من أنه لا يكفر يمينه؛ لأن من فعل ذلك فهو داخل في معنى قوله (تألى) أن لا يفعل خيرا. وهذا منهي عنه.

وقد جاء مصداق هذه الأحاديث في كتاب الله، قال تعالى {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا} [البقرة 224] ، قال أهل التفسير نزلت هذه الآية في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل قرابته ورحمه، ولا يصلح بين اثنين، فأمروا بالصلة والمعروف، والإصلاح بين الناس.

والعرضة في كلام العرب القوة والشدة، يقال هذا الأمر عرضة لك، أي قوة وشدة على أشيائك، فمعناه على هذا لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير.

وأما قوله في حديث أبي هريرة (( ليس تغني الكفارة ) )، هكذا رواه جماعة، وروى أبو الحسن القابسي (( ليبر يعني الكفارة ) )وكذا رواه النسفي، وهو الصواب. ومن روى (( ليس تغني الكفارة ) ). فلا معنى له؛ لأن الكفارة تغني غناء شديدا، وقد جعلها الله تحلة الأيمان.

ومعنى قوله (( ليبر ) )أي ليأتي البر، ثم فسر ذلك ص 4720 البر ما هو بقوله يعني الكفارة، خوفا من أن تظن أنه من إبرار القسم والتمادي على اليمين، وهذا الحديث يرد قول مسروق، وعكرمة، وسعيد بن جبير، فإنهم ذهبوا إلى أنه يفعل الذي هو خير، ولا كفارة عليه. وقولهم خلاف الأحاديث فلا معنى له.

قال المهلب وقوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} الآية. يدل أن الله لا يعذب إلا على ما اكتسب القلب بالمقصد، والعمل من الجوارح؛ لقوله {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} ولقوله عليه السلام (( الأعمال بالنيات ) ).

وحديث عائشة رضي الله عنها قاله الصديق لما حلف أن لا يبر مسطحا لما تكلم في قضية الإفك، وأنزل الله {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور 22] ، قال بلى ثم عاد إلى بره كما كان أولا وقال والله لا أنزعها عنه أبدا.

حديث عبد الرحمن بن سمرة أخرجه البخاري، عن أبي النعمان بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة. وأخرجه في كتاب الكفارات، كما سيأتي عن محمد بن عبد الله، بسنده عن الحسن به، ثم قال تابعه (أشهل) بن حاتم،

وذكر الأثرم في (( ناسخه ومنسوخه ) )من حديث علي بن زيد، عن الحسن، عن (ابن سمرة) مرفوعا (( إذا حلفت على يمين ) )الحديث. إلى قوله (( فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك ) ). ومن حديث الهيثم بن حميد، عن زيد بن وافر، عن (بسر) بن عبيد الله، عن ابن عائذ، عن أبي الدرداء مرفوعا (( إن حلفت فرأيت أن غير ذلك أفضل كفر عن يمينك، وأت الذي هو أفضل ) ). قال الأثرم فاختلف هذا الحكم، والوجه في ذلك أنه جائز كله أن يكفر قبل أو بعد، وبيان ذلك في كتاب الله حيث فرض كفارة الظهار، فقال {من قبل أن يتماسا} [المجادلة 3] .

وذكر أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب (( الانتفاع بجلود الميتة ) )أن رجلا نذر نذرا لا ينبغي من المعاصي، فأمره سعيد بن المسيب أن يوفي بنذره، (فسأل الرجل عكرمة، فأمره بالتكفير، وأن لا يوفي بنذره) ، وأخبر الرجل سعيدا فقال لينتهين عكرمة، أو ليوجعن الأمراء ظهره، فرجع الرجل، فأخبر عكرمة فقال سله عن نذرك، أطاعة هو أم معصية؟ فإن قال هو طاعة، فقد كذبت على الله؛ لأنه لا تكون معصية الله طاعته، وإن قال هو معصية، فقد أمرك بمعصية الله.

وروى ابن أبي عاصم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه (( لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله ) ).

وعن عائشة رضي الله عنها (( لا نذر في معصية، وكفارته كفارة غيره ) ).

روى أبو موسى، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال الأيمان أربعة، يمينان يكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل، فيفعل، أو يقول والله ليفعلن، ولا يفعل، ويمينان لا يكفران يقول الرجل والله ما فعلت، وقد فعل، أو يقول والله لقد فعلت، وما فعل.

قسم بعضهم النذر على ثلاثة أضرب

نذر يتضمن طاعة، قال عليه السلام (( كفارته الوفاء به ) )أخرجه ابن الجارود في (( منتقاه ) )عن ابن عباس مرفوعا.

ونذر يتضمن معصية؛ قال عليه السلام في هذا الحديث (( لا وفاء فيه، وعليه كفارة يمين ) ). ولابن أبي عاصم، عن عمران (( لا نذر في معصية ) ).

ونذر مباح كالمشي إلى مصر، أو إلى الشام، وشبهه. وقد سكت عنه الشارع على ما في حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن لا يستظل ولا يتكلم، فأمره عليه السلام بالتكلم والاستظلال. قال مالك ولم أسمع أنه عليه السلام أمر بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان فيه طاعة، ويترك ما كان فيه معصية.

قال ابن حزم ومن أراد أن يحنث فله أن يقدم الكفارة قبله، أي الكفارات لزمته من عتق، أو كسوة، أو إطعام، أو صيام، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة، وأبو سليمان لا يجزئه ذلك إلا بعد الحنث. (وقال الشافعي أما العتق، أو الكسوة والإطعام، فيجوز تقديمه قبله، وأما الصوم فلا يجزئ إلا بعده) ، وحجته أنها من فرائض الأموال، وهي من حقوق الناس، وجائز تقديمها قبل آجالها، وأما الصوم فمن فرائض الأبدان لا يجوز تقديمه قبل وقته.

وهم موافقون لنا أن التعجيل متوقف على الرضا، دون حقوق الله الموقت بوقت، ثم حقوق الناس التأخير فيها جائز والإسقاط بخلاف الكفارات.

وتناقض المالكيون، فمنعوا تقديم الزكاة إلا قبل الحول ص 4721 بشهر، ونحوه، وتقديم زكاة الفطر إلا قبل الفطر بيومين، ولم يجيزوا تقديم كفارة الظهار أصلا، ولا بساعة، قبل ما يوجبها، ولا كفارة القتل خطأ قبل ما يوجبه من موت المقتول، ولا بطرفة عين، ولا كفارة قتل الصيد في الحرم قبل قتله. وأجازوا إذن الورثة للموصي في أكثر من الثلث قبل أن يجب لهم المال بموته، فظهر التناقض في أقوالهم.

وتناقض الحنفيون أيضا؛ فإنهم أجازوا تقديم الزكاة قبل الحول بثلاثة أعوام، وتقديم زكاة الزرع إثر زرعه في الأرض، وأجازوا تقديم جزاء الصيد قبل موته، وتقديم كفارة قتل الخطأ قبل موت المجروح، ولم يجيزوا للورثة الإذن في الوصية بأكثر من الثلث قبل أن يجب المال لهم بالموت، ولا أجازوا إسقاط الشفيع حقه من الشفعة، ولا عرض شريكه أحد الشقصين قبل وجوب أخذه له بالبيع، وكلهم لا يجيز الاستثناء قبل اليمين، ولا قضاء دين قبل أخذه، ولا صلاة قبل وقتها. قال وأصحابنا قالوا لا تجب الكفارة إلا بالحنث، وهي فرض بعد الحنث بالنص والإجماع، فتقديمها قبل أن يحنث تطوع لا فرض، ومن المحال إجزاؤه عن الفرض.

ثم إنا نوافقهم على أنه لا يجزئ شيء من الشريعة قبل وقته، إلا في موضعين

كفارة اليمين، فجائز تقديمها قبل الحنث، لكن بعد إرادة الحنث، ولا بد، وإسقاط الشفيع حقه بعد العرض عليه أن يأخذ أو يترك قبل البيع، فإسقاطه حقه حينئذ لازم له فقط، وإنما فعلنا ذلك للنصوص المخرجة لهذين الحكمين عن حكم سائر الشريعة في أنه لا يجزئ ولا يجوز أداء شيء منها قبل الوقت الذي حده الله. وقد احتج بعض من وافقنا في تصحيح قولنا هنا، بأن قال قال الله تعالى {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة 89] ، والكفارة واجبة بنفس اليمين، ولا حجة في هذا؛ لأنه قد جاء النص والإجماع المتفق على أن من لم يحنث فلا كفارة عليه، فصح أنه ليس بنفس اليمين تجب الكفارة.

واحتج بعضهم بأن في الآية حذفا بلا خلاف، تقديره إن أردتم الحنث، أو حنثتم، وهذه دعوى منهم في ذلك. وحديث مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه ) ).

ومن طريق النسائي، عن عبد الرحمن بن سمرة يرفعه (( وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها.(فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير ) ).

فهذه الأحاديث جامعة لجميع أحكام ما اختلفوا فيه من جواز تقديمها قبل الحنث.

وفي حديث عدي الجمع بين الحنث والكفارة بواو العطف، التي لا تعطى رتبة. وهكذا جاء من طريق أبي موسى الأشعري. فوجب استعمال جميعها، ولم يكن بعضها أولى بالطاعة، ولا تحل مخالفة بعضها لبعض، فكان ذلك جائزا.

وصح بهذا أن الحذف الذي في أول الآية إنما هو ما أردتم الحنث، أو حنثتم، والشارع هو المبين عن ربه، فاعترض بعضهم بأن قال قوله (( فليكفر ثم ليأت الذي هو خير ) ). مثل قوله تعالى {ثم كان من الذين آمنوا} [البلد 17] ، وكقوله {ثم آتينا موسى الكتاب} [الأنعام 154] ، وكقوله {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا} [الأعراف 11] ولفظة

{ثم} في هذه الآيات لا توجب تعقيبا، بل هي واقعة على ما كان قبلها عطف اللفظ عليه، وليس كما ظنوا.

أما الآية الأولى فإن نصها {وما أدراك ما العقبة} [البلد 12] ، إلى أن قال {ثم} . وقد ذكرنا قوله لحكيم بن حزام (( أسلمت على ما أسلفت من خير ) ).

فصح بهذه الآية عظم نعمة الله على عباده في قبول كل عمل بر عملوه في كفرهم، ثم أسلموا، فالآية على ظاهرها، وهي زائدة على ما في القرآن من قبوله أعمال من آمن ثم عمل الخير.

وأما الآية الثانية فإن أولها {وأن هذا صراطي مستقيما} [الأنعام 153] إلى أن قال {ثم آتينا} . وقال {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما} [آل عمران 67] ، وقال {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج 78] فصح أن الصراط الذي أمرنا الله باتباعه، وأتانا به نبينا هو صراط إبراهيم، وقد كان قبل موسى بلا شك، ثم آتى الله نبيه موسى الكتاب، فهذا تعقيب بمهلة لا شك فيه.

وأما الثالثة (فعلى ظاهره) ؛ لأن الله خلق أنفسنا وصورها، وهي التي أخذ الله عليها العهد بقوله {ألست بربكم} [الأعراف 172] ، ثم بعد ذلك أسجد الملائكة لآدم، فبطل تعلقهم بهذه الآيات. سلمنا ص 4722 أن {ثم} فيها لغير التعقيب، فلا يجب ذلك لها حيثما وجدت؛ لأن ما خرج بدليل لا يعمم.

قال ابن حزم وقولنا هو قول عائشة رضي الله عنها، ومن طريق ابن أبي شيبة، بسنده عن محمد بن سيرين، أن مسلمة بن مخلد، وسلمان الفارسي رضي الله عنهما كانا يكفران قبل الحنث.

وحدثنا حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين، أن أبا الدرداء دعا غلاما له، فأعتقه، ثم صنع الذي حلف عليه.

عن ابن عون، أن محمد بن سيرين كان يكفر قبل الحنث، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وربيعة، وسفيان، والأوزاعي، ومالك، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وسليمان بن داود، وأبي ثور، وأبي خيثمة، وغيرهم، ولم نعلم لمن ذكرنا مخالفا من الصحابة، إلا أن مموها موه برواية عبد الرزاق، بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لا يكفر حتى يحنث. وهذا باطل؛ لأن ابن أبي يحيى في سنده وهو مذكور بالكذب عمن لم يسم، ثم لو صح لما كان لهم فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن ابن عباس لم يجزها قبل الحنث، إنما فيه أنه كان يؤخرها بعده فقط، ونحن لا ننكر هذا.

قال ابن عبد البر والآثار المرفوعة أكثرها أنه عليه السلام قال (( فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ) )فقدم الحنث قبل الكفارة من حديث عدي وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر وأنس (وابن سمرة) ، وأبي موسى كل هؤلاء رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فليأت الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه ) )بتبدئة الحنث قبلها.

ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعا (( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، ليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها ) ). قال أبو داود والأحاديث كلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فليكفر عن يمينه ) )إلا ما لا يعتد به.

واختلفوا فيما يجب على من حلف بالعهد (فحنث) فقالت طائفة عليه كفارة يمين، سواء نوى اليمين أم لا، روينا هذا عن الحسن والشعبي وطاووس والحارث العكلي والحكم والنخعي ومجاهد وقتادة، وبه قال مالك، والأوزاعي وأصحاب الرأي. وقالت طائفة ليست بيمين، إلا أن يريد يمينا. كذلك قال عطاء، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، واختلف فيه عن الثوري. قال ابن المنذر بعد حكايته ذلك وكان مالك يقول إذا قال علي عهد الله وميثاقه وكفالته إن فعلت كذا وكذا، وجب عليه ثلاث كفارات. وبه قال أبو عبيد. وقال الشافعي ليست بيمين إلا أن يريد يمينا.

وقد عقد البخاري بابا في الحلف بالعهد، كما سيأتي.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من استلج في أهله ) )ساقه البخاري عن إسحاق يعني ابن إبراهيم بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الإسماعيلي ورواه معمر، عن يحيى، عن عكرمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله، ثم ساقه بإسناده بلفظ (( إذا استلج الرجل في يمينه فهو آثم عند الله من الكفارة التي أمره الله تعالى بها ) ).

وفي لفظ (( لأن يستلج أحدكم بيمينه في أهله آثم عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله عليه ) ).

وفي لفظ (( إذا استلج أحدكم باليمين في أهله فإنه آثم عند الله من الكفارة التي أمر بها ) ).

قال ابن حزم لم يعن بهذا الحديث الكفارة، والحالف باليمين الغموس لا يسمى مستلجا في أهله، ومعناه أن يحلف المرء أن يحسن إلى أهله، وأن لا يضر بهم، ثم يلج في أن يحنث فيضر بهم ولا يحسن إليهم، ولا يكفر عن يمينه، فهذا بلا شك مستلج بيمينه في أهله أن لا يفي بها، وهو أعظم إثما بلا شك. والكفارة لا تغني عنه، ولا تحط إثم إساءته إليهم، وإن كانت واجبة عليه لا يحتمل هذا الخبر معنى غيره.

قال ابن المنذر أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من قال إن شفى الله مريضي، أو شفاني من علتي، أو قدم غائبي، وما أشبه ذلك، فعلي من الصوم كذا، أو من الصلاة كذا، أو من الصدقة كذا أن عليه الوفاء بنذره.

واختلفوا فيمن نذر (نذر) معصية، فروينا عن جابر، وابن مسعود، وابن عباس أنهم قالوا (( لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين ) )وحكي ذلك عن الثوري، والنعمان.

وقال مالك والشافعي وأبو ثور لا كفارة فيه.

قال ابن المنذر وبه أقول للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لا نذر في معصية ) )يعني بذلك ما رواه البخاري، عن عائشة. وعند الطحاوي زيادة (( ويكفر عن يمينه ) ).

اختلفوا فيمن نذر نذرا من غير تسمية. ففي الدار قطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا (( من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارتهص 4723 كفارة يمين، ومن نذر نذرا ل لله يطيقه فليف به ) ).

ومن حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعا بنحوه.

قال ابن المنذر وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عليه أغلظ الكفارات عتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا. وروي ذلك عن مجاهد. وعن ابن مسعود وجابر عليه كفارة يمين. وروي أيضا عن الحسن وإبراهيم والشعبي وعطاء والقاسم بن محمد وابن جبير وعكرمة وطاوس. وقال مالك (وأبو ثور) ، والثوري عليه كفارة يمين. وقال الشافعي لا نذر عليه، ولا كفارة. قال ابن المنذر وروينا عن ابن عباس أنه قال في النذر عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين، أو إطعام ستين مسكينا، فإن لم يجد فصيام شهرين. وكان الزهري يقول قولا خامسا إن كان في طاعة الله (فكفارة) ، وإن كان في معصية الله، فليقرب إلى الله ما شاء. وفيه قول سادس وهو إن كان نوى شيئا فهو ما نوى، أو سمى شيئا فهو ما سمى، وإن لم يكن نوى ولا سمى فإن شاء صام، وإن شاء أطعم مسكينا، وإن شاء صلى ركعتين. وقال أبو عمر كفارة النذر المبهم كفارة يمين عند أكثر العلماء. وروي عن ابن عباس في النذر المبهم كفارة يمين، ولم يقل مغلظة. وهو قول ابن مسعود على اختلاف. وقد روي عنه (عليه) عتق رقبة.

وعن قتادة فيها عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا. وعن ابن عمر مثله.

وقال الشعبي إني لأعجب ممن يقول النذر يمين مغلظة. ثم قال يجزئه إطعام عشرة مساكين. (وقاله) الحسن، وهو قول إبراهيم ومجاهد وعطاء وطاووس وجابر بن زيد وجماعة الفقهاء أهل الفتيا بالأمصار. وقد روي في أن النذر المبهم كفارته كفارة يمين حديث مسند،

وهو في الترمذي وأبو داود وفيه مقال.

قال ابن عبد البر اختلفوا في وجوب قضاء النذر عن الميت على وارثه، فقال أهل الظاهر يقضيه عنه وليه الوارث، وهو واجب عليه، صوما كان أو مالا. وقال جمهور الفقهاء ليس ذلك على الوارث بواجب، فإن فعل فقد أحسن، إن كان صدقة أو عتقا.

واختلفوا في الصوم إذا أوصى الميت به، فقالت طائفة هو في (ثلثه) ، وقال آخرون كل واجب عليه في حياته إذا أوصى به، (فهو في رأس ماله) .

إذا نذر الكافر في حال كفره، ثم أسلم، ففي وجوب وفائه وجهان أصحهما لا، وقوله عليه السلام لعمر (( أوف بنذرك ) ). محمول على الاستحباب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت