فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 3844

فيه حديث أبي سلمة، عن عائشة قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ) )، الحديث.

وفي رواية يحيى، عن أبي سلمة عنها (( لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرًا أكثر من شعبان ) )، الحديث.

هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا، وفي رواية له (( وما صام شهرًا كاملًا منذ قدم المدينة إلا رمضان ) )، وللترمذي من حديث أبي سلمة محسنًا (( ما رأيته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان ) )، وصححه في (( شمائله ) )، وحمله ابن المبارك على الأكثرية، وأنه جائز في كلام العرب.

قال (ت) كأنه رأى كلا الحديثين متفقين، يقول إنما معناه أنه كان يصوم أكثر الشهر، فقوله (( كان يصومه كله إلا قليلًا ) )، وهي أولى من رواية يحيى عن أبي سلمة.

وقال ابن التين إما أن يكون في أحدهما وهم، أو يكون فعل هذا وهذا، وأطلق الكل على الأكثر مجازًا. وقيل كان يصومه كله في سنة وبعضه في أخرى، وقيل كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما لا يخلي منه شيئًا بلا صيام.

وخصه بكثرة الصوم؛ بكونه ترفع فيه أعمال العباد، ففي (ن) من حديث أسامة قلت يا رسول الله، أراك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم من شعبان. قال (( ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم ) ) [1] .

وقد روي أنه كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر كما قال ابن عمر، فربما شغل عن صيامها أشهرًا فيجتمع كل ذلك في شعبان فيدركه قبل رمضان، حكاه ابن بطال. [2]

وورد _ كما قال ابن الجوزي _ في حديث أنه عليه السلام سئل عن صومه فقال (( إن الآجال تكتب فيه فأحب أن يكتب أجلي وأنا في عبادة ربي ) ).

وقال الداودي أرى الإكثار فيه؛ لأنه ينقطع عنه التطوع برمضان.

قلت ويجوز أنه كان يصوم صوم داود فيبقى عليه بقية يعملها في هذا الشهر [3] .

وجمع المحب الطبري فيه ستة أقوال حيث قال اختلف في تخصيص شعبان بذلك على أقوال

1 أنه كان يلتزم صوم ص 1861 ثلاثة أيام من كل شهر، فربما تركها فقد أدركها فيه.

2 تعظيمًا لرمضان.

3 أنه ترفع فيه الأعمال.

4 لأنه يغفل الناس عنه.

5 أنه تنسخ فيه الآجال.

6 أن نساءه كن يصمن فيه ما فاتهن في زمن الحيض فيتشاغل عنهن به [4] .

والحكمة كونه لم يستكمل غير رمضان؛ لئلا يظن وجوبه. فإن قلت صح في (م) (( أفضل الصوم بعد رمضان شهر الله المحرم ) )فكيف أكثر منه في شعبان دونه؟

قلت لعله كان يعرض له فيه أعذار من سفر أو مرض أو غير ذلك، أو لعله لم يعلم بفضل المحرم إلا في آخر عمره قبل التمكن منه.

وفيه أن أعمال التطوع ليست منوطة بأوقات معلومة، وإنما هي على قدر الإرادة لها والنشاط فيها.

ومعنى قوله (( خذوا من العمل ما تطيقون ) )أي تطيقون الدوام عليه بلا ضرر، واجتناب التعمق عام في جميع أنواع العبادات، والملل والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا ومحال في حق الله تعالى فيجب تأويله، وأوله المحققون على أن المعنى لا يعاملكم بمعاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه ورحمته وفضله حتى تقطعوا أعمالكم. وقيل معناه لا يملل إذا مللتم، وقد سلف في باب أحب الدين إلى الله أدومه، وفي آخر كتاب الصلاة في باب ما يكره من التشديد في العبادة.

و (( حتى ) )بمعنى حين، وقيل بمعنى إذ.

وقال الهروي لا يمل أبدًا مللتم أم لم تملوا، وقيل سمي مللًا على معنى الازدواج كقوله تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} [البقرة194] فكأنه قال لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله.

قولها (( وأحب الصلاة ) )وفي لفظ (( أحب الأعمال ) ) (( ما دووم عليه ) )وفي رواية (( ما ديم عليه ) )، كذا ضبطناه (( دووم ) )بواوين، وفي بعض النسخ بواو، والصواب الأول. والديمة المطر الدائم في سكون، شبهت عمله في دوامه مع الاقتصاد بديمة المطر، وأصله الواو فانقلبت بالكسرة قبلها.

فيه الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير منقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة.

(( شعبان ) )سمي بذلك _ كما قال ابن دريد _ لتشعبهم فيه، أي تفرقهم في طلب المياه، قال والشعب الاجتماع والافتراق، وليس من الأضداد وإنما هو لغة لقوم.

وقال ابن سيده لتشعبهم في الغارات. وقيل؛ لأنه شعب، أي ظهر بين رمضان ورجب، وعن ثعلب _ فيما حكاه أبو عمر الزاهد _ لتشعب القبائل؛ أي تفرقها لقصد الملوك والتماس الغبطة.

فائدة لم يصح في الصلاة فيه حديث، كما نبه عليه ابن دحية أنها موضوعة، وفي (ت) منها حديث مقطوع، نعم قيل إنها الليلة المباركة في الآية، والأصح أنها ليلة القدر.

وذكر الطرطوشي في (( بدعه ) )عن أبي محمد المقدسي قال لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدث عندنا في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وقد بين ابن الصلاح أولًا والشيخ عز الدين إنكار ذلك، وقد حكم بينهما أبو شامة.

والوقود على تلك الليلة أوله زمن يحيى بن خالد بن برمك؛ لأنهم كانوا مجوسًا فأدخلوا في الدين ما يموهون به على الطعام، وقد أبطلها الملك الكامل.

استدل به القاضي أبو محمد على أصحاب داود حين قالوا لا يصح صوم يوم الشك ونحن نقول يصح صومه على وجه.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( أوفق ) )في بعضها (( أرفق ) )بالراء ولفظ (( إذا كان ) )متعلق بما هو لازم لقوله (( لم ير عليه قضاء ) )أي يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسم الذي هو صاحب الطعام.

قال أصحابنا إن كان يشق على الداعي صومه استحب له الفطر وإلا فلا، هذا في التطوع ص 1862 وأما إذا كان صومًا واجبًا حرم عليه الإفطار.

قوله (( متبذلة ) )أي لابسة ثياب البذلة تاركة ثياب الزينة و (( فأكل ) )أي أبو الدرداء، وفي بعضها (( فأكلا ) )و (( فصليا ) )هو بلفظ الماضي وفيه منقبة عظيمة لسلمان رضي الله عنه.

فإن قلت أين الترجمة في الحديث؟ قلت السياق يدل على تقدير قسم قبل لفظ (( ما أنا بآكل ) ). قوله (( كله ) )فإن قلت كيف يجمع بينه وبين ما قالت (( ما استكمل شهرًا إلا رمضان ) )؟

قلت المراد من الجل الكل أو هو تخصيص آخر بعد التخصيص بالاستثناء.

قوله (( لا يمل ) )فإن قلت ما وجه إطلاق لفظ الملال على الله تعالى؟

قلت إطلاق مجازي عن ترك الجزاء ومر في توجيهه تقريرات في كتاب الإيمان في باب أحب الدين. قوله (( دووم ) )بلفظ مجهول ماضي المداومة والتدويم والدوام.

الزركشي

(( وما رأيته أكثر صيامًا ) )بالنصب، وروي بالخفض.

قال السهيلي وهو وهم، وربما بنى اللفظ على الخط مثل أن يكون رآه مكتوبًا بميم مطلقًا على مذهب من رأى الوقف على المنون المنصوب بغير ألف، فتوهمه محفوظًا، لا سيما وصيغة الفعل تضاف كثيرًا فتوهمها مضافة، وإضافته ههنا لا تجوز قطعًا.

(( فإنه كان يصوم شعبان كله ) )يحتاج إلى الجمع بين هذا وبين روايتها الأولى (( ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان ) )فقيل الأول مفسر للثاني ومخصص له، أو أن المراد بالكل الأكثر، وقيل كان يصومه.

مرة كله ومرة ينقص منه؛ لئلا يتوهم وجوبه، وقيل في قوله (( كله ) )أي يصوم في أوله ووسطه وآخره ولا يخص شيئًا ولا يعمه بصيامه.

و (( معاذ بن فضالة ) )بفاء مفتوحة.

[1] في هامش المخطوط (( وعن عائشة قالت له ما لي أراك تكثر صيامك فيه؟ قال (( يا عائشة ) )فقال (( إنه شهر ينسخ فيه ملك الموت من يقبض، وأنا أحب أن لا ينسخ إلا وأنا صائم ) )... غريب )) .

[2] في هامش المخطوط (( أقول وقد ورد في حديث ذكره الطبراني في (( الأوسط ) ))) .

[3] في هامش المخطوط (( أقول ما قاله فيه نظر، وذلك لأمرين أحدهما أنه لم ينقل أنه عليه السلام كان يصوم صوم داود فيما نعلمه، ولو صح لا يجوز أن يبقى عليه بقية، فإن بقي عليه فلا يكون حينئذ صوم داود؛ لأن صوم داود يصوم يومًا ويفطر يومًا، اللهم إلا أن يقال يكون حصل له ما يمنع بقائه هيئة صوم داود قضاه في شعبان ) ).

[4] في هامش المخطوط (( أقول والأقوال الستة قد ذكرها قبيله ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت