فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 3844

قوله عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد وهو فبعث البعوث إلى مكة إلى آخره، وقوله أن دماءكم وأموالكم إلى آخره، أما حديث ابن عباس فقد أسنده في كتاب الحج في باب الخطبة أيام منى، وأما حديث أبي شريح فأخرجه هنا وفي الحج عن قتيبة به، وأخرجاه بمعناه من حديث ابن عباس وأبي هريرة، وأخرجا من حديث أبي هريرة أن خزاعة قتلوا قتيلًا من بني ليث عام فتح مكة فقبل منهم قتلوه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال (( إن الله حبس عن مكة الفيل ... ) )الحديث، وأما حديث أبي بكرة يتقدم الكلام عليه في باب رب مبلغ أوعى من سامع، ثم اعلم أنه وقع في (خ) فيه اضطراب من الرواة عن الفربري.

قال الغساني وقع في نسخة أبي ذر الهروي فيما قيده عن الحموي وأبي الهيثم، عن الفربري، عن محمد، عن أبي بكرة فأسقط ابن أبي بكرة، ورواه سائر رواة الفربري بإثبات ابن أبي بكرة بينهما، ووقع الخلل فيه أيضًا في كتاب بدء الخلق والمغازي.

قال الغساني واتصال هذا الإسناد وصوابه أن يكون عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه.

وسلف تعريف رجاله سوى أبو شريح وهو خزاعي عدوي كعبي، في اسمه أقوال نحو ستة، وأصحها كما قال ابن عبد البر خويلد بن عمرو ص 370 بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زمان بن عدي بن عمرو بن ربيعة. أسلم قبل الفتح وحمل لواء من ألوية بني كعب بن خزاعة يومئذ. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرين حديثًا، اتفقا على حديثين، هذا أحدهما، والآخر (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ) )، وانفرد (خ) بحديث (( والله لا يؤمن ثلاثًا من لا يأمن جاره بوائقه ) )روى عنه نافع بن جبير وغيره.

قال الواقدي وكان من عقلاء أهل المدينة. مات سنة ثمان وستين بالمدينة، وقيل سنة ثمان وخمسين، حكاه العسكري.

وأما عمرو بن سعيد فهو الأشدق، أرسل. ووالده مختلف في صحبته، وأما حديث أبي بكرة فسلف التعريف برجاله خلا عبد الله بن عبد الوهاب، وهو أبو محمد الحجبي البصري، روى عن مالك، وأبي عوانة. وعنه (خ) منفردًا به، وروى عن رجل عنه، ولم يخرج له (م، د، ت، ق) . وهو ثقة ثبت، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.

وحديث ابن عباس سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وحديث أبي بكرة سلف، وحديث أبي شريح ففيه قوله البعوث هو جمع بعث بمعنى المبعوث، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، والمراد بالبعوث القوم المرسلون للقتال ونحوه.

ويعني بها الجيوش التي وجهها يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن الزبير، وذاك أنه لما توفي معاوية وجه يزيد إلى عبد الله يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعًا من بيعته، فغضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله، فبايعه، وأرسل إلى يزيد ببيعته، فقال لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأبى ابن الزبير، وقال أنا عائذ بالبيت. وأبى يزيد فكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندًا، فبعث هذه البعوث [1] .

قال ابن بطال وابن الزبير عند علماء أهل السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك؛ لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال مالك إن ابن الزبير أولى من عبد الملك، وسيأتي بيان أسماء مكة إن شاء الله تعالى.

قوله (( ائذن ) )أصله أأذن بهمزتين همزة الأصل وفاء الكلمة، فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فبقيت ائذن.

قوله (( أيها الأمير ) )الأصل يا أيها، فحذف حرف النداء.

وفيه حسن التلطف في الإنكار، لاسيما مع الملوك فيما يخالف مقصودهم، لأنه أدعى لقبولهم، لاسيما من عرف منهم بارتكاب هواه، وأن الغلظة عليهم قد تكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندته، فاستأذنه لأجل ذلك في التحديث.

وفيه النصيحة لولاة الأمور، وعدم الغش لهم والإغلاظ عليهم.

وفيه تبليغ الدين ونشر العلم، وذكر ابن إسحاق في آخره أنه قال له عمرو بن سعيد نحن أعلم بحرمتها منك. فقال له أبو شريح إني كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا لغائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك.

قال ابن بطال كل من خاطبه الشارع بالعلم فتبليغه عليه متعين، وأما من بعدهم ففرض كفاية. وقال ابن العربي التبليغ عنه فرض كفاية، وقد كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحي لا يبوح به في الناس، لكن ص 371 يخبر به من حضره، ثم عليهم التبليغ إلى من وراءهم قومًا بعد قوم، والتبليغ فرض كفاية، والإصغاء فرض عين، والوعي والحفظ يترادان على معنى ما يستمع، فإن كان ما يخصه تعين عليه، وإن كان يتعلق به وبغيره، أو بغيره، فالعمل فرض عين والتبليغ فرض كفاية.

وذلك عند الحاجة إليه ولا يلزمه أن يقوله ابتداءً ولا بعضه، فقد كان قوم يكثرون الحديث فحبسهم عمر حتى مات وهم في سجنه، ويوم الفتح هو فتح مكة، وكان في عشرين رمضان في السنة الثامنة من الهجرة.

قوله (( سمعته أذناي ) )إلى آخره. إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه، ففي قوله (( سمعته أذناي ) )نفي أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنه.

قوله (( ووعاه قلبي ) )تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه.

قوله (( وأبصرته عيناي حين تكلم به ) )زيادة في تحقيق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس اعتمادًا على الصوت دون حجاب، بل بالرؤية والمشاهدة، والهاء، في قوله (( تكلم به ) )عائدة على قوله (( أحدثك قولًا ) ).

ويؤخذ من قوله (( ووعاه قلبي ) )أن العقل محله القلب لا الدماغ، وهو قول الجمهور؛ لأنه لو كان محله الدماغ لقال ووعاه رأسي. وفي المسألة قول ثالث أنه مشترك بينهما.

قوله (( حمد الله وأثنى عليه ) )يؤخذ منه استحباب الحمد والثناء بين تعليم العلم وتبيين الأحكام، وقد يؤخذ منه وجوب الحمد والثناء على الله تعالى في الخطبة، ويؤخذ منه أيضًا الخطبة للأمور المهمة والأحكام العامة.

قوله (( إن الله حرم مكة ) )معناه تفهيم المخاطبين تعظيم قدر مكة بتحريم الله تعالى إياها، ونفي ما يعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم يحرموا ويحللوا كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم، وأكد ذلك المعنى بقوله (( ولم يحرمها الناس ) )، فتحريمها ابتدائي من غير سبب يعزى لأحد، لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، ثم بين التحريم بقوله (( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله ) )إلى آخره؛ لأن من آمن بالله لزمه طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهي عنه مخلصًا خوف الحساب عليه.

وفيه أن التحريم والتحليل من عند الله تعالى لا مدخل لبشر فيه، وأن الرجوع في كل حالة دنيوية وأخروية إلى الشرع، وأن ذلك لا يعرف إلا منه فعلًا وقولًا وتقريرًا، وفيه عظم مكة وشرفها، زادها الله شرفًا وتعظيمًا، ويقال امرؤ، ومرء. وسمي يوم القيامة اليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، ولا يقال يوم إلا لما تقدمه ليل.

وقد يتوهم من قوله (( واليوم الآخر ) )أن فيه دلالة على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وليس كذلك، بل هذا من خطاب التهييج وهو معلوم عند علماء البيان، فاستحلال ذلك لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه، هذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف، ومثله قوله تعالى {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة23] .

قوله (( يسفك ) )بكسر الفاء وحكي ضمها، وهي قراءة شاذة في قوله تعالى {ويسفك الدماء} [البقرة3] والسفك لغة صب الدم، قال المهدوي لا تستعمل إلا فيه، وقد تستعمل في نشر الكلام إذا نشره.

وسياق الحديث ولفظه يدلان على تحريم القتال لأهل مكة، وبه قال القفال من أصحابنا، وهو أحد القولين في قوله تعالى {ومن دخله كان آمنًا} [آل عمران97] أي من الغارات وهو ظاهر قوله تعالى {أولم يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت67] وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة.

وقال الماوردي في ص 372 (( أحكامه ) )من خصائص مكة أن لا يحارب أهله، فلو بغى أهله على أهل العدل، فإن أمكن ردهم عن البغي بغير قتال لم يجز قتالهم، وإن لم يمكن ردهم عنه إلا به، فقال جمهور الفقهاء يقاتلون؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها، وقال بعض الفقهاء يحرم قتالهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة.

والحديث دال على تحريم مكة، وأبعد من قال إن إبراهيم عليه السلام أول من افتتح ذلك، والصواب أنها لم تزل محرمة من يوم خلق الله السماوات والأرض، وإضافة التحريم إلى إبراهيم في بعض الأحاديث؛ إما لأنه أول من أظهر ذلك بعد خفائه وبلغه، أو أنه حرمها بإذن الله تعالى فأضيف التحريم إليه، أو أنه دعا لها فكان تحريم الله لها بدعوته [2] .

وربما استدل به أبو حنيفة على أن الملتجئ إلى الحرم إذا وجب عليه قتل لا يقتل به؛ لأن قوله (( لا يحل لامرئ أن يسفك بها دمًا ) )عام يدخل فيه صورة النزاع.

قال أبو حنيفة بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم، فيقتل خارجه، وهو قول عمر بن الخطاب وجماعات. وقال أبو يوسف ومالك وجماعة يخرج فيقام عليه الحد، ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود بالحرم غير حد القتل خاصة، وقد أخرج ابن الزبير قومًا من الحرم إلى الحل فصلبهم.

وقال حماد بن أبي سليمان من قتل ثم لجأ إلى الحرم يخرج منه فيقتل، وأما من تعدى عليه في الحرم فليدفع عن نفسه، قال تعالى {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة191] الآية.

وحكى ابن بطال، عن ابن عباس، وعطاء، والشعبي فيمن أصاب حدًا من قتل أو زنا أو سرقة، أنه إن أصابه في الحرم أقيم عليه الحد، وإن أصابه في غيره لا يجالس ولا يؤوى حتى يخرج فيقام عليه الحد.

وقال ابن الجوزي انعقد الإجماع على أن من جنى في الحرم يقاد منه فيه ولا يؤمن؛ لأنه هتك حرمة الحرم ورد الأمان.

واختلف فيمن ارتكب جناية، ثم لجأ إليه، فروي عن أبي حنيفة وأحمد أنه يلجأ إلى الخروج فيقام عليه الحد. قلت ومذهب الشافعي ومالك يقام فيه، ونقل ابن حزم عن جماعة من الصحابة المنع، ثم قال ولا مخالف لهم من الصحابة.

ثم نقل عن جماعة من التابعين موافقتهم، ثم شنع على مالك والشافعي فقال قد خالفا في هذا هؤلاء الصحابة والكتاب والسنة. وليس كما قال، وأما قصة ابن خطل وقوله عليه السلام (( اقتلوه ) ). فأجيب عنها بأوجه

1 أنه ارتد وقتل مسلمًا وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.

2 أنه لم يدخل في الأمان، فإنه استثناه وأمر بقتله وإن وجد متعلقًا بأستار الكعبة.

3 أنه كان ممن التزم الشرط وقاتل.

وأجاب بعضهم بأنه إنما قتل في تلك الساعة التي أبيحت له، وهو غريب، فإن الساعة للدخول حتى استولى عليها وأذعن أهلها، وقتل ابن خطل كان بعد ذلك، وبعد قوله (( من دخل المسجد فهو آمن ) )وقد دخل لكنه استثني مع جماعة غيره.

قوله (( فإن أحد ترخص ) )فيه دلالة على أن مكة شرفها الله فتحت عنوة، وهو قول الأكثرين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والأوزاعي، لكنه من على أهلها وسوغهم أموالهم ودورهم ولم يقسمها ولا جعلها فيئًا.

قال أبو عبيد ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد، وقال الشافعي وغيره فتحت صلحًا، وتأولوا الحديث بأن القتال كان جائزًا له لو احتاج إليه، لكن يضعفه ص 373 قوله (( فإن ترخص أحد لقتال رسول الله ) )فإنه يقتضي وجود قتاله منه ظاهرًا.

وقوله (( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ) )إلى غيره من الأمان المعلق على أشياء مخصوصة، وتوسط الماوردي في المسألة فقال عندي أن أسفلها دخله خالد بن الوليد عنوة، وأعلاها دخله الزبير بن العوام صلحًا، ودخلها الشارع من جهته فصار حكم جهته الأغلب، ولم يقم أسفل مكة؛ لأن القتال كان على جبالها ولم يكن فيها.

قال الخطابي وتأول غيرهم الإذن له في ساعة من نهار على معنى دخوله إياها من غير إحرام. لأنه عليه السلام دخلها وعليه عمامة سوداء، وقيل إنما أحل له في تلك الساعة إراقة الدم دون الصيد وقطع الشجر وسائر ما حرم على الناس.

قوله (( ولا يعضد بها شجرةً ) )أي يقطع بالمعضد وهو سيف يمتهن في قطع الشجر. ويقال العضاد أيضًا يقال منه عضد بالكسر كضرب يضرب، ويعضد بالضم إذا أعان؛ والمعاضدة المعاونة، فقوله (( لا يعضد ) )هو بكسر الضاد فقط أي لا يقطع أغصانها.

قال الطبري معنى (( لا يعضد ) )لا يعضد ويقطع، وأصله من عضد الرجل إذا أصاب عضده، لكنه يقال فيه عضد يعضد بالضم في المضارع كما سلف فيما إذا أعانه، بخلاف العضد بمعنى القطع، والشجر ما كان على ساق.

وفيه دلالة على تحريم قطع شجر الحرم، وهو إجماع مما لا يستنبته الآدميون في العادة، وسواء الكلأ وغيره، وسواء كان له شوك يؤذي أم لا.

وقال جمهور الشافعية لا يحرم قطع الشوك، لأنه مؤذ فأشبه الفواسق الخمس، ويخصون الحديث بالقياس، وصحح المتولي منهم التحريم مطلقًا وهو قوي دليلًا لقوله عليه السلام في (( الصحيح ) )أيضًا (( ولا يعضد شوكها ) )وفي لفظ (( ولا يخبط شوكها ) )والخبط ضربه بالعصا؛ ليسقط الورق. ولأن غالب شجر الحرم ذو شوك، والقياس المذكور ضعيف؛ لقيام الفارق، وهو أن الفواسق الخمس تقصد الأذى بخلاف الشجر.

وقال الخطابي أكثر العلماء على إباحة الشوك، ويشبه أن يكون المحظور منه ما يرعاه الإبل، وهو ما رق منه دون الصلب الذي لا ترعاه، فيكون ذلك كالحطب وغيره.

أما ما يستنبته الآدميون فالأصح عند الشافعية إلحاقه بما لا يستنبت خلافًا للمالكية ولأصحاب أبي حنيفة.

فرع لو قطع ما يحرم قطعه هل يضمنه؟ قال مالك لا، ويأثم، وقال الشافعي وأبو حنيفة نعم. ثم اختلفا، فقال الشافعي في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة. وبه قال أحمد. وقال أبو حنيفة الواجب في الجميع القيمة، قال الشافعي ويضمن الخلى بالقيمة، والخلى والعشب اسم للرطب، والحشيش اسم لليابس، والكلأ يطلق عليهما.

فرع ويجوز عند الشافعي رعي البهائم في كلأ الشجر. وقال أبو حنيفة وأحمد ومحمد لا يجوز.

قوله (( وليبلغ الشاهد ) )فيه صراحة بنقل العلم وإشاعة السنن والأحكام، وهو إجماع، وكل من حضر شيئًا وعاينه فقد شهده، وقيل له شاهد. والغائب من غاب عنه.

وقول عمرو لأبي شريح (( أنا أعلم منك ) )إلى آخره. هو كلامه ولم يسنده إلى رواية، وقد شنع عليه ابن حزم في (( محلاه ) )في كتاب الجنايات، فقال لا كرامة للطيم الشيطان الشرطي الفاسق، يريد أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الفاسق هو العاصي لله ولرسوله ومن ولاه أو قلده.

وكان ابن حزم إنما ذكر ذلك؛ لأن عمرًا ذكر ذلك على اعتقاده في ابن الزبير، وقد اعترض عليه أيضًا غير واحد في ذلك.

قال ابن بطال ما قاله ليس جواب؛ لأنه لم يختلف معه في أن من أصاب حدا في الحرم ثم لجأ إلى الحرم هل يقام عليه، وإنما أنكر عليه أبو شريح بعثه البعوث إلى مكة واستباحة ص 374 حرمتها بنصب الحرب عليها، فحاد عمرو عن الجواب، واحتج أبو شريح بعموم الحديث، وذهب إلى أن مثله لا يجوز أن يستباح نفسه ولا ينصب الحرب عليها بقتال بعدما حرمها الشارع.

فرع هل تأويل الصحابي للحديث أولى ممن يأتي بعده؛ لأنه أعلم بمخرجه أم لا إذا لم يعينه؟ خلاف.

قال الرازي ظاهر مذهب الشافعي أنه إن كان تأويله مخالفًا للظاهر رجع إلى الحديث، وإن كان أحد محتملاته الظاهرة رجع إليه.

قوله (( لا يعيذ ) )أي لا يعصم. والاستعاذة الاستجارة بالشيء والاعتصام به. والفار الهارب. والخربة بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء على المشهور في جميع الروايات غير الأصيلي ويقال بضم الخاء أي الفعلة الواحدة.

ورواية بعضهم بخزية بالمثناة تحت والزاي وأصلها سرقة الإبل وكذا الخرابة، وتطلق على كل جناية سواء كانت في الإبل أو غيرها. والحرابة بالحاء المهملة تقال في كل شيء.

وقال الخليل هي الفساد في الدين من الخارب وهو اللص المفسد، وقيل هي العيب.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( هو ) )صفة للقول والمقول هو (( حمد الله ) )إلى آخره، والغد أي اليوم الثاني من يوم فتح مكة ووعاه أي حفظه وبه أي بالقول وحمد الله بيان لقوله تكلمـ و (( حين ) )ظرف لقام وسمعت ووعاء وأبصرت، ويحتمل أن يراد يقام به. قال به واعلم أن كل ما في الإنسان من الأعضاء اثنين نحو الأذن والعين فهو مؤنث بخلاف الأنف ونحوه.

قوله (( حرمها الله ) )إما أن يراد به مطلق التحريم فيتناول كل محرماتها، وإما أن يراد به ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجر.

قوله (( لم يحرمها الناس ) )أي ليس من محرمات الناس حتى لا يعتد به بل من محرمات الله تعالى أو أن تحريمها بوحي الله لا أنها اصطلح الناس على تحريمها بغير إذن الله تعالى وأمره.

فإن قلت جاء في الحديث أن إبراهيم حرم مكة. قلت إسناد التحريم إلى إبراهيم من حيث أنه مبلغه، فإن الحاكم بالشرائع كلها هو الله تعالى والأنبياء يبلغوها.

فإن قلت كانت محرمة يوم خلق الله السماوات كما ثبت في الأحاديث. قلت لعله لما رفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطوفان اندرست حرمتها وصارت شريعة متروكة منسية إلى أن أحياها إبراهيم عليه السلام.

وقيل معناه أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله. وخصص من بين ما يجب الإيمان به هذين الأمرين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ أي القيامة لأن الأول إشارة إلى الأول والثاني إلى المعاد والبواقي داخلة تحتها، وقد استدل به من يقول الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.

والجواب أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لأن المؤمن هو الذي ينقاد للأحكام وينزجر عن المحرمات، ولذلك جعل الكلام فيه وليس فيه أن غير المؤمن ليس مخاطبًا بالفروع، وقيل إنما وصفه بالإيمان ليشعر بالعلية يعني من شأن المؤمن بالله، وجزائه أن لا يخالف أمر الله ولا يحل ما حرم الله.

قوله (( يسفك ) )بكسر الفاء وحكي ضمها، والمراد من إسالة الدم القتل والعضد القطع. فإن قلت لا يعضد عطف على يسفك فمعناه لا يحل أن لا يعضد. قلت لا زيدت لتأكيد معنى النفي معناه لا يحل أن يعضد، وفي بعضها فيها بدل بها.

قوله (( أذن ) )روي بصيغة المجهول والمعروف فإن قلت مقتضى الظاهر أن يقال له لا لي فهل فيه التفات. قلت لا لأن السياق في قوله لقتال رسول الله حكاية قول المترخص وسياق هذا هو تضمنه جواب المترخص وقضية الالتفات ص 375 تقتضي اتحاد السياق، ويجوز أن يكون التفاتًا إذا قدر فإن ترخص أحد لقتال فوضع لفظ رسول الله موضعه.

قوله (( ساعة ) )أراد به مقدارًا من الزمان من يوم الفتح وهو زمان الدخول فيها، ولا يعلم من الحديث إباحة عضد الشجر لرسول الله في تلك الساعة.

أقول ذكر أبو عبيد في كتاب (( الأموال ) )أن الساعة المشار إليها هي من طلوع شمس يوم الفتح إلى العصر.

قوله (( حرمتها ) )أي الحكم الذي في مقابلة المستفادة من لفظ الإذن، ولفظ اليوم يطلق ويراد به يومك الذي أنت فيه؛ أي من وقت طلوعه إلى غروبه، ويطلق ويراد به الزمان الحاضر المعهود، وقد يكون أكثر من يوم واحد أو أقل وكذا حكم الأمس.

فإن قلت ما المراد به ههنا؟ قلت الظاهر أنه الحاضر، ويحتمل أيضًا المعنى الآخر؛ أي ما بين الطلوع إلى الغروب يوم صدور هذا القول، وكذا اللام في الأمس يكون معهودًا من أمس يوم الفتح.

قوله (( ما قال عمرو ) )أي في جوابك و (( لا تعبد ) )أي مكة وفي بعضها (( لا يعيد ) )أي الحرم أي لا يعصم العاصي مثلًا كالظالم. الطيبي لما سمع عمرو ذلك رده بقوله أنا أعلم يعني صح سماعك وحفظك لكن ما فهمت المعنى المراد من المقاتلة، فإن ذلك الترخص كان بسبب الفتح عنوة وليس بسبب قتل من استحقه خارج الحرم والذي أنا بصدده من القبيل الثاني لا من الأول فكيف تنكر علي فهو من القول بالموجب يعني الجواب مطابق وليس مجاوبة عن غير سؤاله.

قوله (( فإن دماءكم ) )فإن قلت الفاء عاطفة وهو أول الكلام فما المعطوف عليه؟ قلت هذا الحديث مجزوم لأنه بعض من حديث طويل، وقد سبق بعضه حيث قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أي يوم هذا ... ) )الحديث إلى قوله (( فإن دماءكم وأموالكم ... ) )إلى آخره، فهو معطوف على الكلام السابق عليه المذكور في موضعه، وقد جزم هنا اقتصارًا على المقصود وهو بيان التبليغ.

فإن قلت ما معنى عليكم إذ معلوم أن أموالنا ليست حرامًا علينا. قلت العقل مبين للمقصود وهو أن أموال كل واحد منكم حرام على غيره، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل ويؤيده الرواية الأخرى وهو بينكم بدل عليكم والعرض يقال للنفس وللحسب.

وقال في (( شرح السنة ) )لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارًا؛ لأن ذكر الدماء كاف إذ المراد بها النفوس لتعين الأحساب. الطيبي الظاهر أن المراد بالأعراض الأخلاق النفسانية.

قوله (( كان ذلك ) )فإن قلت تلك إشارة إلى ماذا إذ لا يحتمل أن يشار به إلى ليبلغ الشاهد وهو أمر؛ لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخير. قلت إما أن تكون الرواية عند ابن سيرين ليبلغ بفتح اللام فيكون خبرًا، وإما أن يكون الأمر في معنى الخبر ومعناه إخبار الرسول بأنه سيقع التبليغ فيما بعد، وإما أن يكون إشارة إلى تتمة الحديث وهو أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني وقع تبليغ الشاهد أو إلى ما بعده وهو التبليغ الذي في ضمن الأهل بلغت بمعنى وقع تبليغ الرسول إلى الأمة، وذلك نحو قوله تعالى {هذا فراق بيني وبينك} [الكهف78] .

قوله (( ألا ) )بتخفيف اللام كأنه قال ألا يا قوم هل بلغت معنى هل عملت بمقتضى ما قال الله تعالى {بلغ ما أنزل إليك} . قوله (( مرتين ) )متعلق بقال مقدرًا؛ أي قال رسول الله مرتين (( ألا هل بلغت ) )فإن قلت لم قدرت قال وما جعلته من تتمة قال المذكور في اللفظ، وبكون وكان محمد إلى آخر كلامه جملة معترضة.

قلت حينئذ يلزم أن يكون مجموع هذا الكلام مقولًا مرتين ولم يثبت ذلك. قال ابن بطال لما أخذ الله تعالى على أنبيائه الميثاق في تبليغ دينه لأمتهم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء وجب عليهم أيضًا التبليغ والنشر حتى يظهر ص 376 على جميع الأديان وكان في عصره فرض عين، وأما اليوم فهو فرض كفاية لانتشار الدين وعمومه.

[1] في هامش المخطوط كان أحد الأشراف الأمويين ولى المدينة ليزيد بن معاوية وهو الأشدق سمي بذلك لأنه كان أفقم مائل الذقن ولهذا سمي لطيم الشيطان، وقيل إنما سمي الأشدق لتشادقه في الكلام، قتله عبد الملك بن مروان سنة سبعين من الهجرة.

[2] في هامش المخطوط أقول المدعي أن الله حرمها يوم خلق السموات والأرض فكيف يكون دعاء إبراهيم سببًا لذلك هذا غير ظاهر فتأمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت