فهرس الكتاب

الصفحة 2590 من 3844

{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} [العنكبوت 51] .

فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لم يأذن الله لشيء ) )الحديث ثم ساقه عنه أيضا بلفظ (( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن ) ). قال سفيان تفسيره يستغني به. قلت احتج بقوله {ولا تمدن عينيك} الآية [طه 131] . قال وأمر عليه السلام أن يستغنى بالقرآن عن المال.

ومعنى (( ما أذن ) )ما استمع، وذكره في الاعتصام بلفظ (( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ) ). زاد غيره (( يجهر به ) ). ذكره في باب قوله تعالى {وأسروا قولكم أو اجهروا به} ، وهو من أفراده.

قال الشافعي ومعناه تحسين الصوت بالقرآن. وكذا قال غيره، ويؤيده قول ابن أبي مليكة في"سنن أبي داود"إذا لم يكن حسن الصوت يحسنه ما استطاع. وقال غيره يستغنى به. وقيل معناه التشاغل به.

والتغني قال ابن الأعرابي كانت العرب تتغنى إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في أفنيتها وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب عليه السلام أن يكون هجيراهم مكان التغني، حكاه الخطابي وابن الجوزي.

وقيل المراد ضد الفقر. وقال ابن حبان في"صحيحه"معنى (( ليس منا ) )ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل؛ لأنا لا نفعله، فمن فعله فليس منا. وقال الإمام أوضح الوجوه في تأويله من لم يغنه القرآن ولم ينفعه في إيمانه ولم يصدق بما فيه من وعد ووعيد، فليس منا. وقال غيره من لم يرتح لقراءته وسماعه.

ومن أنه فسره بضد الفقر وكره القراءة بالألحان والترجيع. روي ذلك عن أنس وسعيد بن المسيب والحسن، وابن سيرين وسعيد بن جبير والنخعي وغيرهم فيما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب"الثواب"وقال كانوا يكرهونها بتطريب، وكانوا إذا قرأوا القرآن قرأوه حدرا ترتيلا بحزن. وهو قول مالك، روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة، فقال لا يعجبني، وأعظم القول فيه، وقال إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم، وقد ص 3737 روي عن ابن عيينة وجه آخر، ذكره إسحاق بن راهويه، قال كان ابن عيينة يقول يعني ما أذن الله لنبي .. إلى آخره. يريد يستغني به عما سواه من الكتاب والأحاديث، وهذا لعله يكون هو الذي أراد البخاري من إيراده.

وممن قال المراد به تحسين الصوت به والترجيع بقراءته والتغني بما شاء من الأصوات واللحون الشافعي وغيره وهو معنى ما ذكره البخاري بقوله (وقال صاحب له يريد يجهر به) قال الخطابي والعرب تقول سمعت فلانا يغني هذا الحديث. أي يجهر به ويصرح لا يكني. وقال أبو عاصم أخذ بيدي ابن جريج ووقفني على أشعب الطماع فقال غن ابن أخي ما بلغ من طمعك؟ قال ما زفت امرأة بالمدينة إلا كسحت بيتي رجاء أن يهدى إلي. يقول. أخبر ابن أخي بذلك مجاهرا وعن عبيد بن عمير قال كان لداود عليه السلام معزفة يتغنى عليها وتبكي ويبكي، وقال ابن عباس كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم، وسئل الشافعي عن تأويل ابن عيينة، فقال نحن أعلم بهذا، لو أراد الاستغناء لقال من لم يستغن بالقرآن، ولكن قال يتغن بالقرآن. علمنا أنه أراد به التغني. وممن اختار الألحان في القرآن فيما ذكره الطبري عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبي موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن. قال الطبري ولو كان كما قال ابن عنينة لم يكن لذكر حسن الصوت والجهر به معنى والمعروف في كلام العرب أن التغني إنما هو الغنا الذي هو حسن الصوت بالترجيح وعن سعيد

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (( إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكلوا ) ). وسيأتي في البخاري في باب ترجمة قول النبي صلى الله عليه وسلم (( الماهر بالقرآن ) )الحديث (( زينوا القرآن بأصواتكم ) ). كذا ذكره بغير إسناد، ولا راو.

وقد أسنده أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم، وصححه ابن حبان من حديث البراء بن عازب.

وطرقه الحاكم في"مستدركه"من حديث البراء من عشرين طريقا عنه، ذكره أجمع بأسانيد وأوضحه.

قال ابن حبان هذا اللفظ من ألفاظ الأضداد. يريد بقوله (( زينوا القرآن بأصواتكم ) )، زينوا أصواتكم بالقرآن. وقال الخطابي معناه زينوا أصواتكم بالقرآن. كذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما قالوا عرضت الناقة على الحوض، ثم قال ورواه معمر، عن منصور، عن طلحة فقدم الأصوات على القرآن، قال وهو الصحيح، قلت وقد أخرجه الحاكم عن منصور من ستة طرق سفيان، وزائدة،، و (عمرو بن قيس) ، وجرير، وابن طهمان، وعمار؛ كلهم عن منصور، عن طلحة بتقديم القرآن على الأصوات وكذلك التي قدمناها عن الحاكم كلها بتقديم القرآن، إلا في رواية واحدة من حديث عبد الرزاق، عن منصور، عن الأعمش، عن طلحة قدم فيها الأصوات على القرآن.

وهي في الطبراني"الكبير"من طريقين آخرين

أحدهما من حديث عبد الله بن خراش قال البخاري منكر الحديث بسنده عن ابن عباس رفعه (( زينوا أصواتكم بالقرآن ) ).

ثانيهما من حديث سعيد بن أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه (( أحسنوا أصواتكم بالقرآن ) )فتعين أن تقدم رواية القرآن الصحيحة ومعناها على ظاهره. وما عداها محمول عليها، ويكون قوله"بالقرآن"في موضع الحال، أي زينوا أصواتكم في حال القراءة، وقد جاء ذلك مصرحا به في"مسند الدارمي"و"مستدرك الحاكم"بسنده عن البراء رفعه (( زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ) ). وهذا لا يحتمل التأويل ولا القلب ص 3739، وليس المراد هنا بالقرآن الكلام القديم، وإنما المراد ما سمعه من الحروف والأصوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت