فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله (( ابغني أحجارًا ) )إلى آخره. هذا الحديث من أفراد (خ) وذكره في ذكر الجن مطولًا، وأخرج نحوه وكذا (ن، ق) ، ورواته سبق أبو هريرة، وأما جد عمرو فهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة التابعي الكوفي الثقة. عن ابن عباس وغيره. وعنه ابناه إسحاق وخالد، وحفيده عمرو بن يحيى قرشي مكي صالح، روى عن أبيه وجده، وعنه سويد وغيره. روى له مع (خ، ق) فقط.
وأحمد بن محمد هو أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي الثقة. عنه (خ) ، وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله، وأبو جعفر الترمذي، وطائفة. وروى عن مالك وغيره. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
قوله (( اتبعت ) )يعني لحقت وهو رباعي يقال أتبعته إذا سبقك فلحقته، وتبعته واتبعته إذا مشيت خلفه، أو مر بك فمضيت معه، كذا قاله ابن التين وقال يحتمل الحديث الوجهين. وهذا ما حكاه ابن سيده بعد أن قرر أن معنى تبعته وأتبعته وأتبعه قفاه.
وقال ابن طريف في (( أفعاله ) )المشهور تبعته سرت في أثره، وأتبعته لحقته. وقال الأخفش تبعته وأتبعته بمعنى.
قوله (( وكان لا يلتفت ) )هذه كانت عادة مشيه عليه السلام، قوله (( فدنوت منه ) )أي لأستأنس به وأنظر حاجته، وقد جاء في رواية فدنوت منه أستأنس وأتنحنح فقال (( من هذا؟ ) )فقلت أبو هريرة.
قوله (( ابغني أحجارًا ) )قال ابن التين رويناه بالوصل، قال الخطابي معناه اطلب لي، فإذا قطعت الألف فمعناه أعني على الطلب. قال الخطابي معناه اطلب لي. من قولك بغيت الشيء طلبته. وبغيتك الشيء طلبته لك، وأبغيتك الشيء جعلتك طالبًا له، قال تعالى {يبغونكم الفتنة} [التوبة47] ، أي يبغونها لكم.
قوله (( أستنفض بها ) )أي أستنجي وهو مأخوذ من النفض؛ لأن المستنجي ينفض عن نفسه أذى الحدث والاستمرار. قال القزاز كذا روي هذا الحرف كأنه استفعل ص 462 من النفض وهذا موضع أستنظف. أي أنظف نفسي بها ولكن هكذا روي، قوله (( أو نحوه ) )الظاهر أنه أراد أو نحو ذلك من الكلام، قوله (( بطرفيه ثيابي ) )جاء في (( صحيح الإسماعيلي ) ) (( في طرف ملائي ) ).
وفيه جواز الاستنجاء بالأحجار، وفيه مشروعية الاستنجاء، واختلف في وجوبه على قولين
أحدهما أنه واجب وشرط في صحة الصلاة، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود، وجمهور العلماء ومالك في رواية.
ثانيها أنه سنة، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك، وحكي عن المزني أيضًا.
وفيه أنه لا يتعين الحجر للاستنجاء بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكي عن داود من تعيينه وأن غيره لا يجوز.
وفيه أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، وهو مذهب الجمهور، وجه الاستنباط منه أنه نبه بالروث على جنس النجس. وجوزه أبو حنيفة بالروث، وحكاه ابن وهب عن مالك، وحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة يرد عليهما.
وفيه أنه لا يجوز الاستنجاء بعظم، وبه قال الشافعي وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة ومالك يصح الاستنجاء به، وقال بعض الشافعية إنه يجزئه إن كان طاهرًا لا زهومة عليه.
فائدة الحكمة في النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه زاد إخواننا من الجن كما أخرجه (م) في (( صحيحه ) )من حديث ابن مسعود (( لا تستنجوا بالعظم والبعر، فإنهما من طعام إخوانكم من الجن ) ). وقد أخرجه (خ) في (( صحيحه ) )في المناقب من حديث أبي هريرة.
قلت وقد يأكله بعض الناس؛ للضرورة. وقيل نهى عنه؛ لأنه لزج لا يكاد يتماسك فيزيل الأذى إزالة تامة.
وفيه أنه يجوز الاستنجاء بجميع المطعومات، فإنه عليه السلام نبه بالعظم على ذلك، ويلتحق بها المحرمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك.
وفيه إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن التلويث.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله و (( خرج ) )جملة حالية وقد فيها مقدرة (( وأبغني ) )إما مشتق من الثلاثي وإما من المزيد فيه فالهمزة إما وصل وإما قطع وعليهما جاءت الراوية، وفي بعضها (( ابغ لي ) )وفي بعضها (( حجارة ) ) (( وأستنفض ) )مجزوم بأنه جواب الأمر، ومرفوع بأنه استئناف، واستنفاض استفعال من النفض وهو أن يهز الشيء ليطهر غباره أو يزول ما عنه، ومعناه ههنا أستنظف بها؛ أي أنظف بها نفسي من الحدث.
قوله (( أو نحوه ) )بالنصب لأنه مقول القول وهو في المعنى جملة (( ولا تأتني ) )وفي بعضها (( ولا تأت لي ) ). الخطابي قيل المعنى في ذلك أن العظم لزج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البلة وقيل إن العظم لا يكاد يعرى ببقية دسم قد علق به، ونوع العظم قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشمش في حال الرفاهية، والغليظ منه يدق ويسف عند المجاعة والشدة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم.
وأقول فهذان وجهان وثالثها كونه طعام الجن وأما الروث فلأنه نجس لا يزيل النجاسة بل يزيدها وإما لأنه طعام لدواب الجن.
قوله (( بطرف ) )الباء للظرفية؛ أي في طرف، والثياب ص 463 يحتمل أن يراد به الجمع وأن يراد به الجنس كما يقال فلان يركب الخيول، وفيه جواز الرواية بالمعنى حيث قال أو نحوه.
الزركشي
قال المطرزي من رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحف. والاستنفاض الاستخراج، ويكنى به عن الاستنجاء، وهو المراد هنا.
وقال أبو الفرج أستنفض أي أزيل عني الأذى، وأراد الاستجمار؛ لأن المستجمر ينفض عن نفسه أذى الحدث بالحجارة.
باب لا يستنجى بروث
قوله (( أمرني أن آتيه بثلاثة أحجار ) )إلى آخره. هذا الحديث من أفراد (خ) لم يخرجه (م) ، وأخرجه (ن، ق) وهذا التبويب في بعض النسخ وفي بعضها حذفه، وذكر هذا الحديث مع حديث أبي هريرة.
قوله (( وقال إبراهيم ) )هو ثابت في بعضها، وذكره ابن مسعود وخلف وغيرهما عن (خ) ، وعبد الرحمن بن الأسود هو أبو حفص النخعي كوفي عالم عامل. روى عن أبيه وعائشة. وعنه الأعمش وغيره. مات سنة تسع وتسعين.
فائدة في (خ) أيضًا عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، زهري تابعي، وليس فيه غيرهما، ووقع في كتاب الداودي وابن التين أن عبد الرحمن الواقع في رواية (خ) هو ابن عبد يغوث، وهو وهم منهما.
وأبو عبيدة هو عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل اسمه كنيته. وفي (ت) هنا أنه لا يعرف اسمه. وما ذكرته من اسمه صرح به (م) في كتابه وابن حبان في (( ثقاته ) )وأبو أحمد في كناه وغيرهم، وهو هذلي كوفي، أخو عبد الرحمن، وكان يفضل عليه، حدث عن عائشة وغيرها، وحدث عن أبيه في السنن. وعنه السبيعي وغيره؛ مات ليلة دجيل.
وإبراهيم بن يوسف سبيعي همداني كوفي، روى عن أبيه وجده، وعنه أبو كريب وجماعة، فيه لين، مات سنة ثمان وسبعين ومائة، أخرجوا له خلا (ق) ، ووالده يوسف هو كوفي حافظ، روى عن جده والشعبي، وعنه ابن عيينة وغيره، مات في زمن أبي جعفر.
هذا الحديث مصرح بأن أبا إسحاق لم يأت فيه بسماع، وهو مدلس، ورواه الدارقطني من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود.
ورواه ابن خزيمة في (( صحيحه ) )من حديث زياد بن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرز فقال (( ائتني بثلاثة أحجار ) )فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة. وقال (( هي رجس ) ).
وفيه منع الاستنجاء بالروث، وفيه منع الاستنجاء بالنجس فإن الركس هو النجس. قال صاحب (( المطالع ) )والمعنى واحد. أي قد أركست في النجاسة بعد الطهارة، وقد جاء الرجس بمعنى الإثم والكفر والشرك.
وقد تجيء بمعنى العذاب والعمل الذي يوجبه كقوله {ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} [يونس1] ، وقيل بمعنى اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقال ابن التين الرجس، والركس في هذا الحديث مثل النجس. وقيل القذر.
وقال الخطابي معنى الركس الرجيع؛ أي قد رد من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ومنه قوله تعالى {والله أركسهم بما كسبوا} [النساء88] ، أي ردوا إلى الركس والعذاب، ومنه ارتكس فلان.
قال ابن بطال يمكن أن يكون معنى ركس رجس. قال ولم أجد لأهل اللغة شرح هذه الكلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم الأمة باللغة.
وفيه دليل من يقول الواجب في الاستنجاء الإنقاء حتى لو حصل بحجر أجزأ، وهو قول مالك وداود ووجه للشافعية، وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب، وبه قال أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء، ومذهب الشافعي أن الواجب ثلاث مسحات وإن حصل الإنقاء بدونها، وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور، ص 464 أجابوا عن هذا الحديث بأنه يجوز أن يكون وحدها أو كان أحد الحجرين له أحرف كما قاله الخطابي، وأحسن منهما بأنه جاء في (( سنن الدارقطني ) )لما ألقى الروثة قال (( ائتني بحجر ) )يعني ثالثًا. وفي رواية (( ائتني بغيرها ) ).
وقال ابن القصار إنه روي في بعض الآثار التي لا تصح أنه أتاه بثالث، ولعله لمح كلام الدارقطني ثم قال وأي الأمرين كان، فالاستدلال لنا صحيح؛ لأنه اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة؛ لأنه لم يقتصر على الاستنجاء لأحد الموضعين وترك الآخر، ورده ابن حزم بأن قال هذا باطل؛ لأن النص ورد في الاستنجاء، ومسح البول لا يسمى استنجاء، وفيما قاله نظر.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( أتى ) )أي لقضاء الحاجة (( الغائط ) )أي الأرض المطمئنة وأن في أن آتية مصدرية صلة للأمر أي أمرني بإتيان الأحجار لا مفسرة بخلاف أمرته أن افعل فإنها تحتمل أن تكون صلة وأن تكون مفسرة.
قوله (( بها ) )أي بالثلاثة من الحجرين والروثة، وليس الضمير في بها عائدًا إلى الروثة فقط. قوله (( هذه ) )أي الروثة، وفي بعضها (( هذا ) )فذكر باعتبار تذكير الخبر نحو هذا ربي.
(( والركس ) )بكسر الراء الرجس، وبالفتح رد الشيء مقلوبًا. قال النسائي في (( سننه ) )الركس طعام الجن، قال ابن بطال ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه إن اقتصر على دون الثلاثة كفى إذا أنقى، قال الطحاوي في الحديث دليل على أن عدد الأحجار ليس بفرض، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار لقوله لعبد الله ناولني ثلاثة أحجار ولو كان بحضرته من ذلك شيء لما احتاج أن يناوله من غير ذلك المكان، فلما أتاه بحجرين وأخذهما دل على أن الاستنجاء بهما يجزئ؛ لأنه لو لم يجز إلا الثلاثة لما اكتفى بهما ولأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا.
وقال ابن القصار وقد روي في بعض الآثار التي لا تصح أنه أتاه بثالث فأي الأمرين كان فالاستدلال لنا به صحيح؛ لأنه اقتصر للموضعين على ثلاثة فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة. قال ويحتمل أن يكون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، والدليل على أن الثلاثة ليست بحد أنه لو لم يثق بها لزاد عليها فعلم أن الغرض هو الإنقاء.
ويجوز أن يحمل الثلاثة على الاستحسان وإن أنقى بما دونهما لأن الاستنجاء مسح والمسح في الشرع لا يوجب التكرار بدليل مسح الرأس والخفين وأيضًا فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب أن لا يجب تكرار المسح فيها.
وأقول لو لم يكتف صلى الله عليه وسلم بالحجرين وأمر عبد الله أن يبغيه ثالثًا كما روي في بعض الأحاديث أو أن الأمر الأول كان كافيًا في طلب الثالث فلهذا لم يحدد الأمر ولم يكرره أو لم يأمر؛ لأنه اكتفى بأطراف الحجرين لصحة المسحات الثلاث بأطراف حجر واحد، وليس الاستدلال لهم به صحيحًا لأن الحديث لا يدل على أنه احتاج إلى مسح الموضعين لاحتمال أنه لم يخرج شيء حينئذ إلا من سبيل واحد.
وأما الدليل على الخروج ثمة [1] منهما ولئن سلمنا الاحتياج إلى مسح السبيلين فكأن الأطراف كافية، ثم إن مسح الأرض يكفي في القبل فتكون الأحجار لمسح الدبر فقط، ثم لا نزاع في أن الثلاثة ليست بحد على الإطلاق بل ص 465 هو الأقل إذ الغالب أن النقاء لا يحصل إلا به واحد للوسط واثنان للطرفين، وأحكام الشرع جارية على الغالب، والأكثر لا الحد مطلقًا ثم القياس على مسح الرأس ونحوه قول بالرأي مع وجود النص الصريح على خلافه، وهو حديث سلمان وأبي هريرة، ولا اعتبار القياس في مقابلة النص، ومثله يسمى بفساد الاعتبار في عرف الأصوليين.
التيمي قيل الروثة إنما تكون للخيل والبغال والحمير [2] .
[1] في هامش المخطوط أقول يحتمل أن يخرج البول بدون الغائط ولا يمكن أن يخرج الغائط بدون بول معلوم في كتب الطب.
[2] أقول والبعر للغنم والإبل والرجيع للإنسان وغيره.