145 -باب سنة الجلوس في التشهد
وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها .. إلى آخره.
هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ثور، عن مكحول.
وقوله (( وكانت فقيهة ) )الظاهر قبل هذا من كلام مكحول أنه من قول (خ) وكان أنس يقول أيضًا ذلك، وبه قال النخعي، ومالك.
روى علي عن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس بخلاف الرجل.
وقالت طائفة تجلس كيف شاءت، منهم عطاء والشعبي والحنفيون والشافعيون، وكانت صفية تصلي متربعة، ونساء ابن عمر كن يفعلنه.
أقول قال ابن عبد البر وأم الدرداء اسمها هجيمة. قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال غيرهما جهيمة بنت حيي الوصابية. وكانت من فضلاء النساء وعاقلاتهن لا صحبة لها والصحبة لأم الدرداء الكبرى زوجة أبي الدرداء يقال اسمها خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي.
قال أحمد بن زهير وسمعت يحيى بن معين وأحمد بن حنبل يقولان أبو حدرد اسمه عبد وكانت وفاتها بالشام في خلافة عثمان بن عفان وكانت قد حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زوجها أبي الدرداء عويمر ص 1024 الأنصاري.
روى عن أم الدرداء جماعة من التابعين وأم الدرداء الصغرى قال أبو عمر أم الدرداء الصغرى هي أيضًا زوج أبي الدرداء ولا أعلم لهما خبرًا يدل على صحبة أو رواية ومن خبرها أن معاوية خطبها بعد أبي الدرداء فأبت أن تتزوجه انتهى كلام ابن عبد البر في (( الاستيعاب ) ).
قوله (( الجلسة ) )بكسر الجيم الحالة التي يكون عليها الجالس. قال ابن التين وكذا رويناه.
أقول الفعل للمرة والفعلة بالكسر للنوع من تلك الفعل نحو جلسه وجلسه.
ثم ذكر (خ) حديث ابن عمر وحديث أبي حميد. أما حديث ابن عمر فرواه عن عبد الرحمن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس إلى آخره.
وقول ابن عمر (( إن رجلاي لا تحملاني ) )يريد لأنه كان فدع بخيبر فلم يقدر على أكثر مما فعل.
قوله (( رجلاي ) )قال ابن التين كذا روي ويحتمل وجهان أن تكون بمعنى نعم. كقوله
~ويقلن شيب قد علاك
وقد كبرت، فقلت إنه ويحتمل أن يريد ما ذكر عن بعض العرب أن التثنية على صفة واحدة في حال الرفع والنصب، كقوله تعالى {إن هذان لساحران} [طه63] .
ولقوله
~إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
ولم يقل غايتيها. وليس هناك ضرورة شعر. وهذا الحديث من المسند؛ لأن الصحابي إذا قال سنة فإنما يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني حديث أبي حميد أخرجه عن يحيى عن بكير إلى آخره قال أبو عبد الله سمع الليث يزيد بن أبي حبيب إلى آخره، وقال أبو صالح عن الليث إلى آخره.
تعليق أبي صالح عن الليث رواه الطبراني في أكبر معاجمه بسنده عن يزيد بن أبي حبيب، فذكره.
و (( الفقار ) )بفتح الفاء وكسرها كما سلف، وصوب ابن قرقول الفتح، وقول أبي صالح عن الليث كل قفار بتقديم القاف، كذا للأصيلي كما ذكره ابن قرقول، قال وعند ابن السكن بكسر الفاء وفتحها، وصححه ابن التين وقال إنه الذي رويناه، ثم قال ورواية أبي صالح قفار، بسبق القاف وكسرها، وليس ببين، وإنما القفار جمع قفر، وهي القارة.
واختلف في صفة الجلوس في الصلاة، فذهب قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا سنة الجلوس في الصلاة كلها وبين السجدتين أن ينصب رجله اليمنى، ويثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتى يستوي قاعدًا.
هذا قول مالك، وروي عن النخعي وابن سيرين. وذهب آخرون إلى حديث أبي حميد وقالوا إنما القعود في آخر الصلاة، فكما قال أهل المقالة الأولى لأن الجلسة الآخرة فيه متقاربة لما قال ابن عمر، وأما الأولى فعلى الرجل اليسرى على ما في حديث أبي حميد، هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق.
حجة الأولين قول ابن عمر (( ذلك سنة الصلاة ) ).
وحجة الثانية حديث أبي حميد كما سلف.
وحجة الثالثة حديث وائل بن حجر أنه عليه السلام كان إذا جلس في الصلاة فرش رجله اليسرى ثم قعد عليها، وجمع بعضهم أن هذه الأحوال جائزة كلها.
وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقعدون متربعين في الصلاة، كما كان يفعل ابن عمر منهم ابن عباس وأنس، وفعله سالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وأجازه الحسن في النافلة، وكرهه ابن مسعود وكرهه الحسن، وحكمة التفرقة بين الجلوس أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات.
قال الشافعي حديث أبي حميد صريح في التفرقة بينهما، وبقية الأحاديث مطلقة فيجب حملها عليه، فمن روى التورك أراد الآخر ومن روى الافتراش أراد الأول.
وقول أبي حميدص 1025 (( أنا كنت أحفظكم ) )فيه جواز ذلك للعالم ليؤكد ذلك عند سامعه لما في التعليم من الأجر.
قوله (( كنت ) )يعني فيما مضى وما يأتي، فيصف نفسه بالعناية بهذا الأمر وتحفظه عليه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( سنة الجلوس في التشهد ) )يحتمل أن يراد به أن السنة في الجلوس الهيئة الفلانية كالافتراش مثلًا والإضافة بمعنى في وأن يراد أن نفس الجلوس سنة فالإضافة بيانية نحو شجر الأراك، والحديث الذي في الباب يصلح للأمرين.
فإن قلت الجلوس قد يكون واجبًا. قلت المراد بالسنة الطريقة المحمدية وهي أعم من المندوب.
قوله (( تنصب ) )أي لا يلصقه بالأرض و (( تثنى ) )أي تعطف و (( ذلك ) )أي التربع (( وإن رجلي ) )وفي بعضها رجلاي، وهو على لغة من يجعل ألف التثنية للحالات الثلاث (( ولا تحملاني ) )بنون وبنونين مخففًا ومشددًا.
قوله (( هصر ) )أي أمال وكسر وغير مفترش أي الساعدين ولا فائض الساعدين ويحتمل أن يراد الفائض أصابع اليدين.
قوله (( جلس على رجله ) )هو المسمى بجلوس الافتراش و (( قدم رجله ) )هو المسمى بجلوس التورك.
واعلم أنهم اختلفوا في كيفية الجلسات فقال أبو حنيفة يجلس المصلي مفترشا فيها جميعًا، ومالك يجلس متوركًا فيها كلها، والشافعي يتورك في التشهد الأخير ويفترش في غيره بدليل هذا الحديث.
فإن قلت حديث ابن عمر يدل على عدم التفصيل وأن السنة في الكل على السواء. قلت ذاك مطلق وهذا مقيد فيحمل المطلق على المقيد.
ومعنى هصر أنه ثناه ثنيًا شديدًا في استواء من رقبته ويثني ظهره ولا يقوسه ولا يتجاوز في ركوعه.