فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(( عن أبي سعيد الخدري قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره ) ).
هذا الحديث أخرجه أيضًا في فضائل أبي بكر، وأخرجه (م) في الفضائل.
هكذا ثبتت في روايتنا عبيد، عن بسر، عن أبي سعيد، وقال ابن السكن عن الفربري هكذا رواه محمد بن سنان، عن فليح، وهو خطأ، وإنما هو عن عبيد وعن بسر يعني بواو العطف. وكذا خرجه (م) ، عن فليح به.
وأبو النضر اسمه سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبد الله بن معاوية.
وعبيد بن حنين مدني أخو عبيد الله ومحمد تابعي ثقة، مات بالمدينة سنة خمس ومائة، عن خمس وسبعين سنة.
وبسر بن سعيد _ بالموحدة والسين المهملة _ مات بالمدينة سنة مائة وقيل إحدى عن ثمان وسبعين سنة.
قوله (( فبكى أبو بكر ) )زاد (م) ثم هدأ وبكى. وإنما أبهم الشارع ذكر العبد؛ ليظهر فهم أهل المعرفة، ونباهة أهل الحذق، وكان ذلك كله في الصديق.
وزعم بعضهم وفي (م) أنه قال لرسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا؛ لأن الصديق فهم أن العبد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في مرض موته، كما ستعلمه، فبكى حزنًا على فراقه، وانقطاع الوحي، وغير ذلك.
وقول أبي سعيد (( وكان أبو بكر أعلمنا ) )هو الأصح في كونه أعلم الصحابة إذ لم ينكر أحد ممن حضر، ولا شك فيه، ولما علم الشارع ذلك منه اختصه بالخصوصية العظمى، وقال (( إن أمن الناس .. ) )إلى آخره، فظهر أن للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق.
قوله (( أمن الناس في صحبته وماله أبو بكر ) )قال العلماء أي أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله ص 799 وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه مبطل للثواب، لأن المنة لله ولرسوله في قبول ذلك وغيره.
الخطابي المن في كلام العرب الإحسان إلى من لا تستثيبه قال تعالى {هذا عطاؤنا فامنن} [ص39] . وقال {ولا تمنن} [المدثر6] ، أي لا تعطي لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.
وقال القرطبي وزن (( أمن ) )أفعل من المنة بمعنى الامتنان، أي أكثر منة، ومعناه أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره لامتن بها وذلك؛ لأنه بادر بالتصديق، وبنفقة الأموال وبالملازمة والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المنة في ذلك لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل أخلاقه وكريم أعراقه اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم ليسن كما قال للأنصار.
وفي (ت) من حديث أبي هريرة مرفوعًا (( ما لأحد عندنا يد إلا وكافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يد يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة ) ).
قوله (( لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا .. ) )إلى آخره، وفي رواية . اعلم أن أصل الخلة الافتقار والانقطاع فخليل الله؛ أي المنقطع إليه، لقصد صاحبه إليه، وقيل إنها الاختصار أو الاصطفاء، وسمي إبراهيم بذلك؛ لأنه والى فيه، وعادى فيه، وقيل لأنه تخلل بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وفعله بنصره وجعله إمامًا لمن بعده.
وقال ابن فورك الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل أصلها المحبة، وقيل الخليل من لا يسع قلبه لغير خليله، وقيل من التخلل؛ أي أن الحب تخلل قلبه وغلب على نفسه.
قوله (( من أمتي ) )أنه اتخذ خليلًا من الملائكة. حكاه ابن التين، ويرده ولكن صاحبكم خليل الرحمن، وفي رواية .
و (( اتخذ ) )يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى اختار واصطفى، وهنا سكت عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر، وقد تتعدى (( اتخذ ) )لأحد المفعولين بحرف الجر، وقد تتعدى لمفعول واحد.
ومعنى الحديث أن أبا بكر متأهل لأن يتخذ الشارع خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الرب تعالى وصحبته ومراقبته حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ومن لم ينته إلى ذلك، ممن تعلق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت للصديق وعائشة أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة، فالخلة فوق المحبة. واختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلى تمسكًا بهذا الحديث.
وذهب ابن فورك إلى أن المحبة أعلى؛ لأنها صفة نبينا عليه السلام، وهو أفضل من الخليل عليه السلام، وقيل هما سواء، فلا يكون الخليل إلا حبيبًا، وبالعكس.
وزعم القزاز فيما حكاه ابن التين أن معنى الحديث لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصت به أبا بكر؛ لأن الخليل من تفرد بخلة من الفضل لا يشركه فيها أحد فما اتخذ الله إبراهيم خليلًا جعل النار عليه بردًا وسلامًا.
قوله (( ولكن أخوة الإسلام ) )قال ابن التين رويناه بغير همز، والأصل كهذا، وكأن الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع.
قال ابن بطال وقع في الحديث (( ولكن خوة الإسلام ) )، ولا أعرف معناه، قال وقد وجدت الحديث بعده (خلة) بدل (خوة) ، وهو الصواب؛ لأنه عليه السلام صرف الكلام على ما تقدمه من ذكر الخلالة، فأتى بلفظ مشتق فيها، وهو الخلة، قال ولم أجد خوة بمعنى خلة في كلام العرب.
قوله (( ما يبكي هذا الشيخ، إن يكن الله ) )قال ابن التين رويناه بكسر الهمزة همزة (( إن ) )على أنه شرط ويصح فتحها، ويكون منصوبًا بأن فيكون معناه ص 800 ما يبكيه لأجل أن يكون الله تعالى خير عبدًا.
وفيه التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤه خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حبًا.
وفيه أنه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، وأن الحافظ لا تبلغ درجته، وإنما يقال للحافظ عالم بالنص لا عالم بالمعنى، ألا ترى أن أبا سعيد جعل لأبي بكر مزية تفهمه أوجب له بها العلم حقيقة، وإن كان قد أوجب العلم للجماعة.
وفيه الحض على اختيار ما عند الله والزهد في الدنيا، والإعلام لمن اختار ذلك من الصالحين.
وفيه أن على الإمام شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، والاعتراف له بالمنة واختصاصه بالفضيلة التي لم يشارك فيها كما اختص هو عليه السلام أبا بكر بما لم يخص به غيره وذلك؛ أنه جعل بابه في المسجد ليخلفه بالإمامة.
وفيه أن المترشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه.
والخوخة بفتح الخاء باب صغير، قال ابن قرقول وقد يكون عليها مصارع، وقد لا يكون إنما أصلها فتح في حائط، وكانت الصحابة فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات؛ اعتناء بملازمة المسجد، ويكونون فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان فيه غالبًا إلا أنه لما كان يؤدي ذلك إلى اتخاذ المسجد طريقًا.
وكانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول فيه، كما أخرجه (د) بإسناد صحيح، أمر عليه السلام بسد كل خوخة كانت هنالك واستثنى خوخة الصديق إكرامًا له، وخصوصية به؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالبًا.
واستدل بهذا الحديث على إمامة الصديق، واستخلافه بعده؛ لأنه عليه السلام كان يخرج من باب بيته، وهو في المسجد للصلاة، فلما أن أغلق الأبواب إلا باب أبي بكر دل على أنه يخرج إليه فيه للصلاة، فكأنه عليه السلام نبه على أنه من بعده يفعل هكذا.
وحديث ابن عباس أنه عليه السلام سد الأبواب إلا باب علي، استغربه (ت) ، وقال في (خ) حديث (( إلا باب أبي بكر ) )أصح.
الحديث 2 حديث ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة .. إلى آخره.
هذا الحديث يأتي في المناقب والفرائض.
قوله (( عاصبًا رأسه ) )قال ابن التين المعروف عصب رأسه تعصيبًا.
قال والدي رحمه الله تعالى
اعلم أنه وقع في بعض النسخ أبو النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد، وفي بعضها أبو النضر عن عبيد وعن بسر عن أبي سعيد بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها أبو النضر عن عبيد عن بسر عن أبي سعيد بدون الواو بينهما، وهذا الرابع خطأ؛ لأن عبيدًا لم يروه عن بسر.
قال الغساني في كتاب التقييد إن (خ) حكم بخطأه على ما نقل عنه الفربري. وقال فيه أيضًا لعل فليحًا كان يحدث به مرة عن عبيد ومرة عن بسر ومرة عنهما وكل صواب.
قوله (( عند ) )أي عند الله وهو الآخرة و (( يبكي ) )من باب الأفعال (( وإن يكن ) )شرط جزاؤه محذوف يدل عليه السياق أو هو بمعنى إذ، وفي بعضها بفتح الهمزة.
فإن قلت فلم جزم. قلت قال المالكي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم لن ترع لن ترع فيه إشكال ظاهر؛ لأن لن يجب انتصاب الفعل بها، وقد وليها في هذا الكلام بصورة المجزوم، والوجه فيه أن يقال سكن عين مراع للوقف، ثم شبه بسكون الجزم فحذف الألف قبله كما تحذف قبل سكون المجزوم ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فتوجه فيما نحن فيه مثله.
قوله (( هو العبد ) )أي المخير (( وكان أبو بكر أعلمنا ) )حيث فهم أنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 801 والغرض منه مفارقته عن الدنيا فبكى حزنًا على فراقه.
قوله (( خليلًا ) )الزمخشري الخليل المخال، وهو الذي يخالك؛ أي يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقتك من الخل، وهو الطريق في الرمل أو يسد خللك كما يسد خلله أو يداخلك خلال منازلك وحجبك.
وقيل أصل الخلة الانقطاع، ومعنى الحديث لو كنت منقطعًا إلى غير الله لانقطعت إلى أبي بكر لكن هذا ممتنع لامتناع ذلك أو لو اتسع قلبي لغير الله لاتسع له.
فإن قلت قال بعض الصحابة سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم.
قلت لا بأس في الانقطاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الانقطاع إليه انقطاع إلى الله وفي حكم ذلك [1] .
قوله (( ولكن أخوة ) )وفي بعضها بحذف الهمزة، وتوجيهه أن يقال نقلت حركة الهمزة إلى النون وحذفت الهمزة فصار ، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة بين كسرة وضمة فسكن النون تخفيفًا وصار وسكون النون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي.
قال المالكي والحاصل أن فيه ثلاثة أوجه سكون النون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النون وحذف الهمزة، وسكونه وحذف الهمزة. فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع.
فإن قلت أخوة مبتدأ فما خبره؟ قلت محذوف وهو نحو أفضل.
فإن قلت ما الفرق بين الخلة والمودة حيث نفى [2] الأول وأثبت الثاني؟ قلت هما بمعنى واحد لكن مختلفان باعتبار المتعلق فالمثبتة مودة هي بحسب الإسلام والدين والمنفية ما كانت بجهة أخرى، ولهذا قال في الحديث الذي بعده بدل لفظ المودة لفظ الخلة، حيث قال خلة الإسلام.
الجوهري الخليل الصديق الودود أو يقال الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة فنفى الخاص وأثبت العام.
فإن قلت فما المفضل عليه إذ ليس المراد تفضيل المودة على الخلة. قلت الأفضل بمعنى الفاضل.
فإن قلت المقصود من السياق أفضلية أبي بكر وكل الصحابة داخلون تحت أخوة الإسلام فمن أين لزم أفضليته.
قلت تعلم الأفضلية مما قبله ومما بعده، ثم إن المودة الإسلامية متفاوتة وما ذاك إلا بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله وتحصيل كثرة الثواب وذلك هو معنى الأفضلية، أو الأفضل إنما هو على حقيقته، ومعناه أن مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره.
قوله (( لا يبقين ) )بالنون المشددة بلفظ المجهول، وروي بلفظ المعروف أيضًا.
فإن قلت كيف ينهى الباب عن البقاء وهو غير مكلف.
قلت هو كناية؛ لأن عدم البقاء لازم للنهي عن الإبقاء وكأنه قال لا تبقوه حتى لا يبقى وهو مثل قولهم لا أرينك ههنا؛ أي لا نقعد عندي حتى لا أراك.
قوله (( إلا سد ) )فإن قلت الفعل ههنا وقع مستثنى ومستثنى منه فكيف ذلك.
قلت التقدير إلا بابًا سد، فالباب الموصوف المحذوف هو المستثنى أولًا والمستثنى منه ثانيًا أو هو استثناء مفرغ تقديره لا يبقين باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد إلا بابه، وحاصله لا يبقين باب غير مسدود إلا بابه.
الخطابي ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه صلى الله عليه وسلم إياه في أعظم أمور الدين وهو الصلاة فقاسوا عليها سائر الأمور.
قوله (( فحمد الله ) )أي على وجود الكمال (( وأثنى ) )أي على عدم النقصان.
فإن قلت ما الفرق بين هذه العبارة وما تقدم في الحديث السابق إن أمن الناس.
قلت الأولى أبلغ؛ لأن الثانية يحتمل أن يكون له من يساويه في المنة إذ المنفي هو الأفضلية لا المساواة.
قوله (( خليلًا ) )فعيل بمعنى مفعول، والخلة بضم الخاء. الجوهري الخلة الخليل.
قال الزركشي
(( إلا باب أبي بكر ) )بالنصب والرفع.
[1] في هامش المخطوط (( أقول الغلام رأى النبي لا يخال أحدًا من الأمة المنبعثين له لا أن أحدًا من الأمة لا يخاله هذا جائز أن ينقطع أحد إلى النبي بلا خلاف ) ).
[2] (( نفى ) )مكررة في المخطوط.