فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكتب عبد الله بن عمر إلى قهرمانه ... إلى آخره.
ثم ساق حديث أبي هريرة قال كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاءه يتقاضاه، الحديث. أخرجه (م) ، وانفرد به من طريق أبي رافع.
وقال (ت) لما صححه العمل عليه عند بعض أهل العلم، لم يروا بأسًا باستقراض السن من الإبل، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكرهه بعضهم.
وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن [إلا] برضا من خصمه، أو عذر مرض، أو سفر ثلاثة أيام. وهذا الحديث خلاف قوله؛ لأنه عليه السلام أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التي كانت عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن عليه السلام غائبًا، ولا مريضًا.
وعامة الفقهاء يجيزون توكيل الحاضر الصحيح وإن لم يرض خصمه بذلك على ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول ابن أبي ليلى والشافعي ومالك وأبي يوسف ومحمد، إلا أن مالكًا قال يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوًا للخصم، وقال سائرهم يجوز ذلك وإن كان عدوًا للخصم.
وعن أبي حنيفة أن الوكالة في الخصومة لا تقبل من خاصم في المصر صحيح إلا أن يرضى خصمه، وقالا التوكيل صحيح بدون رضا الخصم.
وأما إذا وكل وكيلًا غائبًا على طلب حقه فإن ذلك يفتقر إلى قبول الوكيل الوكالة عند الفقهاء، وإذا كانت الوكالة مفتقرة إلى قبول الوكيل فحكم الحاضر والغائب فيها ص 2115 سواء.
فإن قلت أين القبول في الحديث؟ قلت عملهم بأمره عليه السلام من توفية صاحب الحق حقه قبول منهم لأمره. [1]
والحديث دال على جواز الأخذ بالدين، ولا يختلف العلماء في جوازه عند الحاجة، ولا يتعين طالبه.
وهو دال أيضًا على جواز قرض الحيوان، وقيل بمنعه، حكاه الطحاوي، ويحمل الحديث على أنه كان قبل تحريم الربا ثم حرم بعد، وحرم كل قرض جر منفعة، وردت الأشياء المستقرضة إلى أمثالها فلم يجز القرض إلا فيما له مثل، وحاصل الخلاف في استقراض الحيوان ثلاثة أقوال
مذهبنا ومذهب مالك وجماهير العلماء جوازه، إلا الجارية التي تحل للمستقرض؛ فإنه لا يجوز، ويجوز قرضها لمن لا يحل له وطؤها _كمحرمها _ وللمرأة، وللخنثى.
وإعطاؤه من إبل الصدقة يحمل على أنه كان اقترض لنفسه، فلما أن جاء إبل الصدقة اشترى منها بعيرًا ممن استحقه، فملكه بثمنه وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله، يدل عليه رواية (( اشتروا له ) ).
وقيل إن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وهذا يرد قول من قال كان يهوديًا أو أنه اقترضه لبعض نوائب المسلمين، لا أنه اقترضه لحاجة نفسه، وعبر الراوي عن ذلك مجازًا، إذ كان هو الآمر.
وأما قول من ادعى أن ذلك قبل تحريم الصدقة عليه ففاسد؛ لأنها لم تزل محرمة عليه، وذلك من خصائصه وعلامة نبوته المذكورة في الكتب القديمة، بدليل سلمان.
وقيل يحمل على أن الذي استقرض منه كان من أهل الصدقة، فدفع إليه الرباعي لوجهين وجه القرض، ووجه الاستحقاق، وقيل وهو أحسنها أن يكون استقرض البكر على ذمته فدفعه لمستحق، فكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها ما هو غارم، فدفعه فلما كان أداء في ذمته وحسن قضاءها يملكه.
فإن قلت كيف يجوز أن يؤدي ديته ويبرئ ذمته فيما لا يجوز له أخذه؟
قلت لما لم يأخذه ابن عمرو لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة، فلو لم يجيء منها شيء لضمنه لقرضه من ماله.
قوله (( أحسنكم قضاء ) )وورد أيضًا (( أحاسنكم ) )، وهو جمع أحسن، وورد (( محاسنكم ) )بالميم.
قال عياض جمع محسن _ بفتح الميم _ كمطلع، ومطالع، والأول أكثر.
وليس فعله في الزيادة من القرض الذي يجر المنفعة؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في عقد القرض، ومذهبنا أنه تستحب الزيادة في العدد منهي عنها.
ومن آذى السلطان بجفاء وشبهه، فإن لأصحابه أن يعاقبوه وينكروا عليه وإن لم يأمرهم بذلك، إذ في الحديث الآتي بعد أنه أغلظ فهم به أصحابه فقال (( إن لصاحب الحق مقالًا ) )أي صولة الطلب، وقوة الحجة، لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة، وأما من أنصف من نفسه فبذل ما عنده واعتذر عما ليس عنده، فلا يجوز الاستطالة عليه بحالة.
[1] في هامش المخطوط (( أقول القبول المصطلح في الفقه أن يقول الوكيل قبلت لفظًا، وههنا لم يحصل من الصحابة إلا الفعل، فليس من هذا القبيل ) ).