فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 3844

9 -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم(( رب مبلغ أوعى من سامع ))

قوله أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره .. الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) هنا كما نرى وفي العلم والتفسير أيضًا، وفي بدء الوحي وحجة الوداع والتوحيد، وفي الأضاحي وفي الحج وأخرجه (م) في الحدود.

ولفظ ترجمة (خ) رواه (ت) من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع ) )ثم قال هذا حديث حسن صحيح.

قلت وكأنه لم يعبأ بما قيل في عدم سماع عبد الرحمن من أبيه لصغره، قال يحيى بن معين لم يسمع منه. وقال أحمد مات عبد الله ولعبد الرحمن ابنه ست سنين.

وأخرج (خ) لعبد الرحمن، عن مسروق فكان هذا هو عذر (خ) ، حيث جعله في الترجمة واستشهد له مما ساقه من قوله (( فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه ) ).

ونضر بالتشديد أكثر من التخفيف؛ أي حسن، ويقال أنضر الله وجهه، ونضر بالضم والكسر حكاهما الجوهري.

وأبو بكرة سلف، وأما ولده عبد الرحمن فهو أبو عمرو الثقفي البصري أخو عبيد الله، ومسلم، ووراد وهو أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، حين بنيت، سمع أباه وعليا وغيرهما، وعنه ابن سيرين وغيره، مات سنة ست وتسعين.

وابن عون هو الإمام أبو عون عبد الله بن عون بن أرطبان البصري مولى عبد الله بن مغفل المزني، أحد الأعلام، رأى أنسًا ولم يثبت له منه سماع، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما، وعنه الأعلام شعبة والثوري والقطان وغيرهم، وورعه ودينه مشهور.

قال خارجة صحبته أربعًا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. مات سنة إحدى وستين ومائة عن خمس وثمانين.

والراوي عنه هو أبو إسماعيل بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي البصري، سمع ابن عون وغيره، وعنه الإمام أحمد وغيره، هو ثقة كثير الحديث [1] كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ويصوم يومًا ويفطر يومًا، مات سنة ست، وقيل سبع وثمانين.

وذو الحجة بكسر الحاء أفصح من فتحها، وذو القعدة بالكسر، والخطام والزمام بكسر أولهما.

و (خ) عقد هذا الباب لينبه على أنه يجوز التحمل من غير فقيه إذا ضبط ما يحدث به ويعد في زمرة أهل العلم

وفيه جواز القعود على الدابة وغيرها لحاجة لا للأشر، والنهي عن اتخاذ ظهورها منابر مخصوص بغير الحاجة، والحاجة هنا إسماع الناس.

والبعير اسم جنس بمنزلة الإنسان من الناس، يقال للجمل بعير وللناقة بعير، وإنما يقال له بعير إذا جذع.

وفيه صون البعير عن اضطرابه وتهويشه على راكبه بإمساك خطامه.

وفيه وجوب تبليغ العلم وتبيينه، وهو الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على العلماء.

وفيه أنه قد يأتي في الزمن الأخير من يكون له فهم في العلم ما ليس لمن يقدمه إلا أنه يكون قليلًا؛ لأن رب للتقليل وعسى للطمع، وليست موضوعة ص 300 لتحقيق الشيء.

وفيه تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ما تجد مرة ومرتين وثلاثًا، كما فعل صلى الله عليه وسلم في قوله (( كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) )ثم اعلم أنه لم يذكر هنا السؤال عن البلد، وقد ذكره في الحج فلعله من تقصير وقع هنا من بعض الرواة.

وذكره أيضًا من طريق ابن عمر وابن عباس كما ستعلمه في موضعه إن شاء الله تعالى، لكن في حديث ابن عباس أنهم أجابوه بقولهم هذا يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام، وهو مخالف للمذكور هنا من حديث أبي بكرة، وحديث ابن عمر أيضًا أنهم سكتوا حتى ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه [2] ، ويحتاج إلى جمع بينهما.

وقد يقال يحتمل أن تكون الخطبة متعددة، وأجاب في الثانية من علم في الأولى، وسؤاله عليه السلام عما هو معلوم وسكوته المراد به التعظيم والتنبيه على عظم مرتبة هذا اليوم والشهر والبلد.

وقولهم في حديث ابن عباس قلنا الله ورسوله أعلم. فيه دلالة على حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه عليه السلام لا يخفى عليه جواب ما سأل عنه، فعرفوا أنه ليس المراد الإخبار عما يعرفون.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( رب ) )هو للتعليل لكن كثر في الاستعمال للتكثير بحيث غلب على الحقيقة كأنها صارت حقيقة فيه. و (( مبلغ ) )بفتح اللام؛ أي مبلغ إليه فحذف الجار والمجرور كما يقال المشترك ويراد المشترك فيه.

و (( أوعى ) )أفعل تفضيل من الوعي وهو الحفظ وقع صفة لمبلغ. و (( سامع ) )أي سامع مني ولا بد من هذا القيد؛ لأن المقصود ذلك.

ومن خصائص رب أنها لا تدخل إلا على نكرة ظاهرة أو مضمرة، فالظاهرة يلزمها أن تكون موصوفة بمفرد أو جملة، ومنها أن الفعل الذي تسلطه على الاسم يجب تأخره عنها؛ لأنها لإنشاء التقليل ولها صدر الكلام وفعله يجيء محذوفًا في الأكثر.

ومنها أن فعلها يجب أن يكون ماضيًا وههنا فعله محذوف وهو نحو كان أو علمت ويوجد ولقيت، وفيها لغات عشر الراء مضمومة، والباء مخففة أو مشددة ومفتوحة، أو مضمومة أو مسكنة، والراء مفتوحة والباء مشددة، أو مخففة وربت بتاء التأنيث والباء شديدة أو خفيفة وهي حرف عند البصريين، واسم عند الكوفية، وهذا الحديث رواه معلقًا وهو إما معنى الحديث الذي ذكره بعده بالإسناد فهو من باب نقل الحديث بالمعنى، وإما أنه ثبت عنده هذا اللفظ من طريق آخر.

قوله (( قعد على بعيره ) )وذلك كان بمنى في يوم النحر في حجة الوداع. قوله (( أو بزمامه ) )شك من الراوي.

الجوهري الخطام الزمام، وقال الزمام الخيط الذي تشد فيه البرة ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمي المقود زمامًا وزممت البعير خطمته، قال والبرة حلقة من صفر تجعل في لحم أنف البعير، وقال الأصمعي تجعل في أحد جانبي المنخرين.

قوله (( سيسميه ) )فيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى الشارع ص 301 والانعزال عما ألفوه من المتعارف المشهور.

قوله (( أعراضكم ) )جمع عرض بكسر العين، موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، وحيث كان المدح نسبة الشخص إلى الأخلاق الحميدة، والذم نسبته إلى الأخلاق الرديئة، قال من قال العرض أطلق إطلاقًا لاسم اللازم على الملزوم، وقيل العرض الحسب أي لا يجوز القدح في العرض كالغيبة، وذلك كالقتل في الدماء والغصب في الأموال، وإنما شبهها في الحرمة باليوم وبالشهر وبالبلد أيضًا في بعض الروايات؛ لأنهم لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها.

قال وإنما قدم السؤال عنها؛ أي يوم وأي شهر تذكارًا للحرمة ولتقريرها في نفوسهم ليبني عليه ما أراد تقريره على سبيل تأكيد الحرمة وتشديدها.

النواوي وفي هذا التشبيه دليل استحباب ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير.

وأما قوله (( ليبلغ الشاهد ) )أي الحاضر في المجلس الغائب عنه وهو على صيغة الأمر والعين مكسورة، وظاهر الأمر للوجوب فتعلم منه التبليغ واجب، والمراد منه إما تبليغ المذكور وهو أن دماءكم إلى آخره، وإما تبليغ جميع أحكام الشريعة والغائب مفعول ليبلغ، والظاهر أن إلى فيه مقدر أي إلى الغائب.

قوله (( منه ) )صلة لأفعال التفضيل. فإن قلت صلته كالمضاف إليه فكيف جاز الفصل بينهما بلفظ له، قلت جاز لأن في الظرف سعة كما جاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه به. قال الشاعر

~فرشني بخير لا أكونن ومدحتي كناحت يومًا صخرة بعسيل

وقد أجر الفصل بينهما بغير الظرف إذا لم يكن أجنبيًا من كل وجه.

الزركشي أوعى نعت لمبلغ والذي يتعلق به رب محذوف تقديره يوجد أو يصار، وأجاز الكوفيون كون رب اسم مرفوع بالابتداء فعلى هذا يكون أوعى خبرًا له.

قوله (( فإن دماءكم إلى آخره ) )هو على حذف مضاف، أي سفك دمائكم، وأخذ أموالكم، وثلب أعراضكم؛ إذ الذوات لا تحرم، ويقدر لكل شيء ما يناسبه.

قوله (( كحرمة يومكم ) )قيل المشبه به لا يكون أخفض رتبة من المشبه، وحرمة الدماء أعظم من حرمة حشيش الحرم.

وقيل والجواب أن مناط التشبيه ظهوره عند السامع، فكان تحريم اليوم أثبت في نفوسهم من حرمة الدماء؛ إذ هو المعتاد من أسلافهم، وتحريم الشرع طارئ عليه، فكان تحريم اليوم أظهر.

قوله (( ذكر الشيء ) )هو يصب الشيء، وفي ذكر ضمير يعود على الراوي.

[1] في هامش المخطوط وكان عمانيًا

[2] فيه هامش المخطوط أقول في الحديث سكت أي رسول الله حتى ظننا لا أنهم سكتوا حتى ظنوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت