13 -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( أنا أعلمكم بالله ) )
وأن المعرفة هو بفتح الهمزة أي باب كذا، وباب بيان أن المعرفة فعل القلب، وأول واجب على المكلف المعرفة ثم القصد ليتوصل به إلى المعارف.
عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون الحديث هذا الحديث [1] .
وأما عائشة وعروة وهشام سلف ذكرهم وعبدة هو أبو محمد عبدة بسكون الباء بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد. وقيل اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب.
سمع جماعة من التابعين منهم هشام والأعمش، وعنه الأعلام أحمد وغيره، قال أحمد ثقة ثقة. وبزيادة مع صلاح، توفي بالكوفة في جمادى، وقيل رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة. قاله (ن) . وقال (خ) سنة سبع.
ومحمد بن سلام هو أبو عبد الله محمد بن سلام بن الفرج السلمي، مولاهم البخاري البيكندي بموحدة مكسورة ثم مثناة تحت ثم كاف مفتوحة ثم نون ساكنة، ويقال الباكندي، ويقال بالفاء، نسبة إلى بيكند [2] بلدة من بلاد بخارى على مرحلة منها خربت.
وينسب إليها ثلاثة أنفس، انفرد (خ) بهم عن (م) هذا أحدهم، وثانيهم محمد بن يوسف، وثالثهم يحيى بن جعفر.
وسلام والد محمد بالتخفيف على الصواب، وبه قطع المحققون، منهم الخطيب وابن ماكولا.
وهو ما ذكره غنجار في (( تاريخ بخارى ) )من هو أعلم ببلاده، وحكاه أيضًا عنه. فقال قال سهل بن المتوكل سمعت محمد بن سلام يقول ثنا محمد بن سلام بالتخفيف ولست بمحمد بن سلام، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن.
وأما صاحب (( المطالع ) )فادعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخه.
النووي لا نوافق على هذه الدعوى فإنها مخالفة المشهور انتهى.
أقول قال السهيلي في (( الروض ) )عبد الله بن سلام يعني الإسرائيلي الصحابي رضي الله عنه هذا بالتخفيف ولا يوجد من اسمه سلام بتخفيف اللام من المسلمين لأن السلام من أسماء الله تعالى فيقال سلام بالتشديد وهو كثير وإنما سلام بالتخفيف في اليهود ووالد عبد الله بن سلام منهم انتهى.
سمع محمد بن سلام ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما وعنه الأعلام (خ) ، وانفرد به من بين سائر الستة، وآخرون. أنفق في العلم أربعين ألفًا ومثلها في نشره، ويقال إن الجن كانت تحضر مجلسه، وقال أدركت مالكًا ولم أسمع منه، وكان أحمد يعظمه، وعنه أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة ومصنفات في أبواب من العلم، وانكسر قلمه في مجلس شيخ فنادى فأمر أن ينادي قلم بدينار، فطارت ص 147 إليه الأقلام، مات سنة خمس وعشرين ومائتين.
معنى قوله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة225] بما قصدتموه، وعزمت عليه قلوبكم، فكسب القلب عزمه ونيته، فسمي الاعتقاد فعلًا للقلب.
وأخبر تعالى أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم، بسبب أن العقد من صفات القلوب خلافًا للكرامية، وبعض المرجئة؛ حيث قالوا إن الإيمان قول باللسان دون عقده بالقلب، وفي الآية دلالة المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤخذ بها.
وأما قوله عليه السلام (( إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم ) )فمحمول على ما إذا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك فيه بخلاف الاستقرار، وسيأتي هذا البحث.
قولها (( أمرهم من الأعمال بما يطيقون ) )أي يطيقون الدوام عليه. وقال لهم عليه السلام ذلك؛ لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزوا، وخير العمل ما دام وإن قل. وإذا حملوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقضي العهد، والراجعين عن عادة جميلة، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء على حاله؛ ولأنه إذا اعتاد من الطاعة بما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ لها ونشاط، ولا يلحقهم ملل ولا سآمة.
وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثم فرط فيها بقوله {ورهبانيةً ابتدعوها} إلى قوله {فما رعوها حق رعايتها} [الحديد27] .
وقولهم (( لسنا كهيئتك ) )قالوه رغبة في الزيادة في الأعمال؛ لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم، وغفران ما تقدم له وما تأخر (( فحينئذ ) )غضب عليه السلام إذ كان أولى منهم بالعمل؛ لعلمه بما عند الله، (( وعظيم ) )خشيته له.
قال تعالى {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر28] وهو سيد العلماء والأنبياء والأولياء والأصفياء والأتقياء صلى الله عليه وسلم وقيل قالوه لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنهم أنه لا ينجيهم إلا بلوغ الغاية في العبادة.
وفي الحديث القصد في العبادة وملازمة ما يمكن الدوام عليه والرفق بالأمة، فالدين يسر.
وفيه أن الصالح ينبغي له أن لا يترك جده في العمل؛ اعتمادًا على صلاحه.
وفيه أن له الإخبار بحاله إذا دعت إليه حاجة وينبغي أن يحرص على كتمانها؛ خوف زوالها من إشاعتها.
وفيه الغضب عند رد أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال غضبه.
وفيه بيان ما كانت عليه الصحابة من الرغبة في الطاعة.
قال والدي رحمه الله تعالى
لفظ هذا الباب متعين أن يقرأ مضافًا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (( وأنا أعلمكم ) )مقول القول.
قوله (( وأن المعرفة ) )بفتح الهمزة عطفًا على القول لا على المقول وإلا لكان مكررًا إذ المقول وما عطف عليه حكمهما واحد وهو خلاف الرواية والدراية.
قوله (( بما كسبت قلوبكم ) )أي بما عزمت عليه قلوبكم وقيدتموه إذ كسب القلب عزمه ونيته، وفي الآية دليل بما عليه الجمهور أن أفعال القلوب إذا استقرت يؤاخذ بها.
وقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله تجاوز لأمتي ) )الحديث محمول على ما إذا لم يستقر وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار، واعلم أن العلماء اختلفوا في محل العلم الحادث وهو غير متعين عند أهل الحق عقلًا بل يجوز أن يخلق الله تعالى في أي جوهر أراد لكن دل السمع على أنه القلب لقوله تعالى {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} ونحوه.
فإن قلت هذا ص 148 كتاب الإيمان فما وجه تعلق هذه الترجمة بالإيمان. قلت العلم بالله وكذا المعرفة به التصديق به، والإيمان إما تصديق أو التصديق مع العمل، فالمقصود بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد إيمانًا منهم.
قوله (( إذا أمرهم ) )أي إذا أمر الناس بعمل (( أمرهم بما يطيقون ) )ظاهره أنه كان يكلفهم بما لا يطاق فعله لكن السياق دل على أن المراد تكليفهم بما يطاق للدوام على فعله.
قوله (( كهيئتك ) )الهيئة الحالة والصورة وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته صلى الله عليه وسلم فلا بد من تأويل في أحد الطرفين، فقيل المراد من كهيئتك كمثلك؛ أي كذاتك أو كنفسك وزيد لفظ المثل للتأكيد نحو مثلك لا يبخل. أو من لسنا ليس حالنا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، واتصل الفعل بالضمير فقيل لسنا وأرادوا بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة والرغبة في الخير يقولون أنت مغفور لا تحتاج إلى عمل، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال فكيف بنا وذنوبنا كثيرة فرد عليهم وقال أنا أولى بالعمل لأني أعلمكم وأخشاكم.
قوله (( إن الله قد غفر لك ) )اقتباس مما قال الله تعالى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} الآية.
فإن قلت الأنبياء صلى الله عليهم معصومون عن الكبائر مطلقًا وعن الصغائر عمدًا على الأصح، وأما الصغائر السهوية فلا مؤاخذة بها على مكلف أصلًا فما ذنبه الذي غفر له. قلت الذنب الذي قبل النبوة المتقدم بعضه على بعض أو ترك الأولى أو نسب إليه ذنب قومه.
قوله (( فغضب ) )أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعض النسخ وهو وإن كان بلفظ المضارع لكن المقصود حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين. قوله (( حتى يعرف ) )النصب هو الرواية ويجوز فيه الرفع ثم يقول أيضًا جاز فيه الرفع والنصب ولو عطف على فيغضب يتعين فيه الرفع وانتشر في المثل أن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى فخير العمل ما دام وإن قل وإذا تحملوا ما لا يطيقون تركوه أو بعضهم بعد ذلك وصاروا في صورة ناقض العهد، واللائق بطالب الآخرة الترقي. فإن لم يكن فالبقاء على حاله ولأنه إذا اعتاده من الطاعة ما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح ولا يلحقه سآمة.
قوله (( أتقاكم ) )إشارة إلى كمال القوة العملية (( وأعلمكم ) )إلى كمال القوة العلمية والتقوى على ثلاث مراتب وقاية النفس عن الكفر وهو للعامة، وعن المعاصي وهو للخاصة وعما سوى الله وهو بخواص الخواص، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وهو المسمى بأصول الدين وما بأحكامه، وهو فروع الدين وما بكلامه وهو علم القرآن وما يتعلق به وما بأفعاله وهو معرفة حقائق الأشياء العالم، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام العلوم ما خصص التقوى ولا العلم وأطلق.
وهذا قريب مما قال علماء المعاني قد يقصد بالحذف إفادة العموم والاستغراق ويعلم منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كماله أفضل من كل واحد وأكرم عند الله وأكمل لأن كمال الإنسان منحصر في الحكمتين العلمية والعملية وهو الذي بلغ الدرجة العليا منهما يجوز أن يكون أفضل وأكرم، وأكمل من الجميع أيضًا حيث قال أتقاكم وأعلمكم خطابًا للجميع صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت لا تعلق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة وهو أن المعرفة بقلب القلب ولا دلالة عليه لا دلالة وضعية ص 149 ولا عقلية. قلت يمكن أن يوجه وإن كان احتمالًا بعيدًا بأنه يدل عليه بحسب السياق ليتجاوب طرف الكلامين؛ أي لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم (( لا يتهيأ لكم لأني أعلمكم ) )والعلم من جملة الأفعال بل من أشرفها لأنه عمل القلب وأن يقال بأن غرضه أن يبين الشق الأول من الترجمة بالحديث والثاني بالقرآن.
وههنا ننبهك على قاعدة كلية فاعلمها، وذلك أن البخاري كثيرًا ما يترجم الأبواب ولا يذكر في ذلك الباب حديثًا أصلًا ولا يذكر ما نثبت ما ترجم عليه، فقال بعض شيوخنا من حفاظ الشام سببه أن البخاري بوب الأبواب وترجم التراجم أولًا، ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى دار الآخرة.
وقال بعض العراقيين عمل ذلك اختيارًا، وغرضه أن يبين أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم عنه فيحتمل أن تكون هذه الترجمة منها.
[1] في هامش المخطوط رأيت كذا في نسختين.
[2] في هامش المخطوط قال ياقوت بيكند بالكسر بفتح الكاف وسكون النون بلد بين بخارى وجيحون وبيكنده بالهاء من قرى طبرستان.