الحديث السابع
7 -قوله ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع إلى قوله فكان ذلك آخر شأن هرقل، الكلام عليه من وجوه عشرة
1 وجه مناسبة هذا الحديث للباب عدم اتهامه بالكذب، وأنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وأيضًا فهو مشتمل على ذكر آيات أنزلت على من تقدم من الأنبياء، وعلى ذكر جملة من أوصاف من يوحى إليه، وكرره البخاري في مواضع
أحدها هنا، وفي الجهاد وفي التفسير وفي الشهادات وفي الجزية وفي الأدب، ص 84 وأخرجه أيضًا في الإيمان، والعلم، والأحكام، والمغازي، وخبر الواحد، والاستئذان. فهذه أربعة عشر موضعًا. وأخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه، وأخرجه أبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان، والنسائي في التفسير.
2 هذا الحديث ليس لأبي سفيان في الصحيحين وهذه الكتب الثلاثة سواه، ولم يرو عنه إلا ابن عباس.
3 لما ساق (خ) الحديث قال في آخره رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري، وذكر (م) رواية صالح وفيها وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله تعالى.
قال الحميدي اختصر (م) زيادة صالح. وقد أتمها أبو بكر البرقاني بعد قوله لما أبلاه الله تعالى. فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه التمسوا هاهنا أحدًا من قومه نسألهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس فأخبرني أبو سفيان أنه كان بالشام.
4 في تعريف رواته وقد سبق ذكر ابن عباس وعبيد الله والزهري ويونس ومعمر. وأما أبو سفيان فهو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، ويكنى بأبي حنظلة أيضًا، ولد قبل الفيل بعشر سنين. وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطائف وحنينًا، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، نزل المدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل أربع، ابن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان.
وهو والد معاوية وإخوته، وأمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، روى عنه مع ابن عباس ابنه معاوية وغيره.
وقال له عاليه السلام لما ذهبت عينه وهي في يده (( أيما أحب إليك عين في الجنة، أو أدع الله أن يردها عليك؟ ) )قال بل عين في الجنة.
فائدة أبو سفيان في الصحابة جماعة، لكن ابن حرب من الأفراد.
وأما شعيب فهو ابن أبي حمزة دينار القرشي الأموي، مولاهم أبو بشر الحمصي. سمع خلقًا من التابعين منهم الزهري، وعنه خلق، وهو ثقة حافظ. مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وستين ومائة، وقد جاوز السبعين، وهذا الاسم مع أبيه من أفراد الكتب الستة ليس فيها سواه.
وأبو اليمان هو الحكم بن نافع فهو حمصي أيضًا بهراني، مولى امرأة من بهراء يقال لها أم سلمة. روى عن خلق، منهم إسماعيل بن عياش، وعنه أحمد وخلق، ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين.
فائدة فيه رواية حمصي عن حمصي، والزهري شامي.
وصالح بن كيسان هو أبو محمد الغفاري مولاهم المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، سمع ابن عمر وابن الزبير، وغيرهما وعنه من التابعين عمرو بن دينار وغيره، سئل أحمد عنه فقال بخ بخ، قال الحاكم توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة، وكان لقي جماعة من الصحابة، ثم بعد ذلك تلمذ على الزهري وتلقن منه العلم وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ بالتعلم وهو ابن سبعين سنة.
قال ابن معين وصالح أكبر من الزهري يعني في السن. قال الواقدي توفي بعد ص 85 الأربعين ومائة، قال غيره سنة خمس وأربعين، قلت فعلى هذا يكون أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وعمره نحو عشرين سنة، وفيما قاله الحاكم نظر.
فائدة ليس في الكتب الستة الحكم بن نافع وصالح بن كيسان غير هذين، وفي الرواة الحكم بن نافع آخر، روى عنه الطبراني.
5 في تعريف أسماء من ليس له رواية فيه.
هرقل بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف منهم الجوهري كخندف، والهرقل المنخل، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وزعم الجواليقي أنه عجمي تكلمت به العرب، وهو اسم علم له ولقبه قيصر، وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر، كما أن كل من ملك الفرس يقال له كسرى، والترك خاقان، والحبشة النجاشي، والقبط فرعون [1] ، ومصر العزيز، وحمير تبع، والهند دهمن وفغفور، والزنج عانة، واليونان بطليموس، واليهود فطيون أو مالخ، ورأس جالوت لمن كان ملكًا منهم من بني داود خاصة، ومن ملك الصائبة يقال له نمرود، والتبابعة ملوك اليمن من بني قحطان، وجالوت لملك البربر. والإخشيد لمن ملك فرغانة، والنعمان لمن ملك العرب من قبل العجم، وجرجير لمن ملك إفريقية، وشهرمان لمن ملك خلاط، وفور لمن ملك السند، والأصفر لمن ملك علوى، ورتبيل لمن ملك الخزر، وكابل لمن ملك النوبة، وماجد لمن ملك الصقالبة.
وتنازع ابنا عبد الحكم في أنه يقال له هرقل أم قيصر وترافعا إلى الشافعي فقال هو هرقل، وقيصر الأول علم والثاني لقب كأمير المؤمنين، وهو أول من ضرب الدنانير وأحدث البيعة.
ومعنى (( إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ) )أي بالشام (( وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ) )أي بالعراق كما قاله الشافعي في (( المختصر ) )، قال وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليها لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال عليه السلام (( لا قيصر ولا كسرى ) )أي بعدهما في هذين الإقليمين ولا ضرر عليكم فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ولا يكون.
فائدة معنى قيصر البقير والقاف على لغتهم (( غير صافية ) )وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت فبقر بطنها عنه فخرج حيًا، وكان يفخر بذلك؛ لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع؛ لأن أحشاء أمه قطعت حتى أخرج منها؛ لأنها لما ماتت عندما اشتد بها الطلق بقي الولد يضطرب في جوفها فشقوا جوفها وأخرجوه، وكان شجاعًا جبارًا وسيأتي ذكره.
وفيه أيضًا دحية بكسر الدال وفتحها لغتان اختلف في أرجحهما. قال المطرز والدحى الرؤساء، واحدهم دحية، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج بمعجمة مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم جيم وهو العظيم واسمه زيد مناة سمي بذلك لعظم بطنه بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف وهو زيد اللات، وساق نسبه إلى عدنان، كان من أجمل الصحابة وجهًا ومن كبارهم.
وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى {أو لهوًا انفضوا إليها} [الجمعة11] ، قال كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم الشام لم يبق معصر إلا خرجت تنظر إليه.
قال ابن سعد أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وشهد المشاهد بعدها وبقي إلى خلافة معاوية. وسكن المزة قرية بقرب دمشق.
فائدة ص 86 كان بعث الكتاب سنة ست، قاله أبو عمر، وقال خليفة سنة خمس، وقال محمد بن عمر لقيه بحمص فدفع له الكتاب في المحرم سنة سبع. وروى الحارث بن أبي أسامة في حديث دحية أنه عليه السلام قال (( من ينطلق بكتابي هذا إلى قيصر فله الجنة ) ). قالوا وإن لم يقتل يا رسول الله؟ قال (( وإن لم يقتل ) ). فانطلق به رجل. يعني دحية.
وقال السهيلي لم يذكر ابن إسحاق في غزوة تبوك ما كان من أمر هرقل فإنه عليه السلام كتب إليه من تبوك مع دحية ثم كتب كتابًا وأرسله مع دحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه بهدية، فلما قرأ الكتاب قال (( كذب عدو الله ليس هو بمسلم بل هو على نصرانيته ) )وقبل هديته وقسمها بين المسلمين.
فائدة ليس في الصحابة من اسمه دحية سواه.
فائدة لم يخرج حديثه من الستة إلا السجستاني في (( سننه ) )وهو من أصحاب الحديثين قاله ابن البرقي.
وقال البزار لما ساق حديثه لم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث.
وفيه أيضًا أبو كبشة رجل من خزاعة كان يعبد الشعرى العبور ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك قاله الخطابي، وفي (( المختلف والمؤتلف ) )للدارقطني أن اسمه جز بن غالب من بني غسان ثم من بني خزاعة.
قال أبو الحسن النسابة وغيره في معنى نسبة الجاهلية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي كبشة إنما ذلك عداوة له ودعوة إلى غير نسبه المعلوم، كان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى أبا كبشة.
وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمة أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكان جز بن غالب بن حارث أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبو أم جده لأمه يكنى أبا كبشة وهو خزاعي، وكان أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى بذلك أيضًا، وقيل إنه والد حليمة مرضعته، حكاه ابن ماكولا [2] .
وذكر الكلبي في كتاب (( الدفائن ) )أن أبا كبشة هو حاضن النبي صلى الله عليه وسلم زوج حليمة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم واسمه الحارث كما سلف، وقد روى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا.
ونقل ابن التين في الجهاد عن الشيخ أبي الحسن أن أبا كبشة جد ظئر النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له قيل إن في أجداده ستة يسمون أبا كبشة. فأنكر ذلك.
6 في الأسماء المبهمة فيه فابن الناطور لا يحضرني اسمه وملك غسان هو الحارث بن أبي شمر أراد حرب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج إليهم في غزاة، ونزل قبيل من كندة ماء يقال له غسان بالمشلل فسموا به.
أقول وفيه إلى صاحب له برومية يقال هو ضغاطر الأسقف الرومي، وقيل في اسمه تغاطر، وذكر ابن الأثير في (( أسد الغابة ) )ما يدل عليه.
قال ابن الملقن
7 في أسماء الأماكن الواقعة فيه أما الشأم فمهموز ويجوز تركه وفيه لغة ثالثة شآم بفتح الشين والمد وهو مذكر ويؤنث أيضًا. الجوهري والنسبة إليه شأمي وشآمي بالمد على فعأل، وشآمي بالمد والتشديد حكاها الجوهري عن سيبويه، وأنكرها غيره؛ لأن الألف عوض من ياء النسب فلا يجمع بينهما.
وحد الشام طولًا من العريش إلى الفرات وقيل إلى بالس. وعرضًا من جبل طيء من ص 87 نحو القبلة إلى بحر الروم وما يسامت ذلك من البلاد، وفي اشتقاقه وسبب تسميته اختلاف كبير، ودخله نبينا صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وبعدها ودخله أيضًا عشرة آلاف صحابي.
أقول قال ياقوت الحموي الشأم بفتح أوله وسكون همزته أو فتحها ولغة ثالثة بغير همز ولا يمد إلا أنها جاءت ممدودة في شعر، ولعله لضرورة الشعر ويذكر ويؤنث وسميت لتشاءم بني كنعان بن حام إليها أو لأن سام بن نوح أول من نزلها فجعلت السين شينًا، وكان اسمها الأول سوري وحدها من الفرات إلى العريش طولًا وعرضًا من جبل طيء إلى بحر الروم وبها من أمهات المدن منبج وحلب وحماة وحمص ودمشق وبيت المقدس، وفي سواحلها عكا وصور وعسقلان وهي خمسة أجناد جند قنسرين وجند حمص وجند دمشق وجند الأردن وجند فلسطين، ومنها العواصم وهي الثغور من جهة الروم المصيصة بطرسوس وأذنة وأنطاكية وسائر العواصم من مرعش والحدث وبغراس والبلقاء وغير ذلك وطولها نحو عشرين يومًا.
قال ابن الملقن وأما إيلياء فهو بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات أشهرها كسر الهمزة واللام وإسكان الياء بينهما وبالمد، والثانية مثلها إلا أنها بالقصر، والثالثة إلياء بحذف الياء الأولى وإسكان اللام وبالمد حكاهن صاحب (( المطالع ) )قال قيل معناه بيت الله. وفي (( الجامع ) )أحسبه عبرانيًا، ويقال الإيلياء. ويقال بيت المقدس وبيت المقدس.
وأما بصرى فبضم الباء فهي مدينة حوران مشهورة، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، قال ابن عساكر فتحت صلحًا في ربيع الأول لخمس بقين سنة ثلاث عشرة، وهي أول مدينة فتحت بالشام.
أقول قال ياقوت الحموي بصرى بالضم والقصر في موضعين إحداهما بالشآم وهي التي وصل إليها النبي صلى الله عليه وسلم للتجارة وهي المشهورة عند العرب قال هي قصبة كورة حوران والأخرى من قرى بغداد قرب عكبرا.
قال ابن الملقن وأما رومية، فبضم الراء وتخفيف الياء مدينة معروفة للروم، وكانت مدينة رئاستهم ويقال إن روماس بناها.
وأما حمص بكسر الحاء وسكون الميم بلدة معروفة بالشام، سميت باسم رجل من العمالقة اسمه حمص بن المهر بن جاف كما سميت حلب بحلب بن المهر وكانت حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق.
قال الثعلبي دخلها تسعمائة من الصحابة، افتتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة ست عشرة، وقيل سنة خمس عشرة قال الجواليقي ليست عربية، تذكر وتؤنث، قال البكري ولا يجوز فيها الصرف؛ لأنه اسم أعجمي، ويقال سميت برجل من عاملة هو أول من نزلها.
وقال ابن التين يجوز الصرف وعدمه لقلة حروفه وسكون وسطه. والدسكرة بفتح الدال والكاف وإسكان السين بينهما، وهو بناء كالقصر حوله بيوت، وليس بعربي وهي بيوت الأعاجم والدسكن الصومعة.
وفي (( جامع القزاز ) )الدسكرة أيضًا الأرض المستوية. وقال ياقوت إنه أصلها، وقال التبريزي الدسكرة مجمع البساتين والرياض.
الثامن في ما وقع فيه من القبائل والأنساب
فيه قريش وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عامر، دون سائر ولد كنانة وهم مالك وملكان ومويلك وغزوان وعمرو إخوة النضر لأبيه وأمه، وأمهم ص 88 مرة بنت مر أخت تميم بن مر.
وقيل إنهم بنو فهر بن مالك وفهر جماع قريش، ولا يقال لمن فوقه قرشي إنما يقال له كناني، فهو لقب وقريش اسمه، وأبعد من قال إنهم ولد إلياس بن مضر أو ولد مضر بن نزار حكاهما الرافعي ولماذا سموا بذلك؟ فيه أقوال
أصحها لتقرشهم أي لتكسبهم يقال قرش يقرش بكسر الراء، وكانوا أصحاب كسب.
ثانيها أن قريشًا تصغير القرش وهو حوت سميت به القبيلة أو أبوها لقوتهم.
ثالثها لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش التجمع.
رابعها لأنهم كانوا يقرشون عن خلة الناس وحاجتهم. أي يسدونها بما لهم، والتقريش التفتيش ويصرف ويمنع على إرادة الحي أو القبيلة والأوجه الصرف، وقال الزبير بن بكار عن عمه سميت قريش بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان دليل بني كنانة في تجاراتهم فكان يقال قدمت عير قريش. وأبوه بدر صاحب بدر الموضع، قال وقال غير عمي قريش بن الحارث بن يخلد اسمه بدر الذي سميت به بدر وهو احتفرها، وينسب إلى قريش قرشي وقريشي.
وفيه الروم وهم هذا الجيل المعروف، قال الجوهري هم من ولد الروم بن عيصو، واحدهم رومي فليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة، وقال الرشاطي الروم منسوبون إلى رومي بن لبطى بن يونان بن يافث بن نوح. فهؤلاء الروم من اليونانيين، وقوم من الروم يزعمون أنهم من قضاعة بن تنوخ وبهراء وسليخ، وكانت تنوخ أكثرها على دين النصارى.
وكل هذه القبائل خرجوا مع هرقل عند خروجهم من الشام فتفرقوا في بلاد الروم.
وفيه بنو الأصفر وهم الروم، ولم سموا بذلك؟ فيه قولان
أحدهما أن جيشًا من الحبشة غلب على ناحيتهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادًا صفرًا من سواد الحبشة وبياض الروم قاله ابن الأنباري.
الثاني أنها نسبة إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام قاله الحربي. وعبارة القزاز قال قوم بنو الأصفر من الروم هم ملوكهم قال ويقال إنما سموا بذلك؛ لأن عيصو بن إسحاق عليه السلام كان رجلًا أحمر أشعر الجلد، كان عليه خواتيم من شعر، وهو أبو الروم، وكان الروم رجلًا أصفر في بياض شديد الصفرة، فمن أجل ذلك سموا بذلك، وتزوج عيصو ابنة عمه إسماعيل بن إسحاق، فولدت له الروم بن عيصو وخمسة آخرين، فكل من في الروم فهو من نسل هؤلاء الرهط.
وفي (( تاريخ دمشق ) )لابن عساكر تزوج مهاطيل الرومي إلى النوبة، فولد له الأصفر.
وفي (( التيجان ) )لابن هشام إنما قيل لعيصو بن إسحاق الأصفر؛ لأن جدته سارة حلته بالذهب فقيل له ذلك لصفرة الذهب. قال وقال بعض الرواة إنه كان أصفر. أي أسمر إلى صفرة، وذلك موجود في ولده إلى اليوم فإنهم سمر كحل الأعين.
التاسع في ألفاظه ومعانيه
1 الركب جمع راكب، وقيل ص 89 اسم يدل على الجمع كقوم وذود، وهم أصحاب الإبل في السفر العشرة فما فوقها، قاله ابن السكيت وغيره.
وقال ابن سيده أرى أن الركب قد يكون للخيل والإبل. وفي التنزيل {والركب أسفل منكم} [الأنفال42] فيجوز أن يكون منهما جميعًا وقول علي ما كان معنا يومئذ فرس إلا فرس عليه المقداد بن الأسود. يصحح أن الركب هاهنا ركاب الإبل.
قالوا والركبة بفتح الراء والكاف أقل منه، والأركوب بالضم أكثر منه. وجمع الركب أركب وركوب، والجمع أراكب، والركاب الإبل، واحدها راحلة وجمعها ركب.
وفي بعض طرق هذا الحديث أنهم كانوا ثلاثين رجلًا منهم أبو سفيان.
2 التجار بكسر التاء وتخفيف الجيم، ويجوز ضم التاء وتشديد الجيم، وهما لغتان جمع تاجر، ويقال أيضًا تجر كصاحب وصحب.
3 ماد بتشديد الدال، وهو من المفاعلة يكون من اثنين، يقال تماد الغريمان إذا اتفقا على أجل، وهو المدة، وهي القطعة من الزمان تقع على القليل والكثير، أي اتفقوا على الصلح مدة من الزمان، وهذه المدة هي صلح الحديبية، الذي جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، سنة ست من الهجرة لما خرج عليه السلام في ذي القعدة معتمرًا، قصدته قريش وصالحوه على أن يدخلها في العام المقبل على وضع الحرب عشر سنين، فدخلت بنو بكر في عهد قريش وبنو خزاعة في عهده عليه السلام ثم نقضت قريش العهد بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الله تعالى بقتالهم بقوله {ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم} [التوبة13] .
4 قوله (( وحوله ) )بفتح اللام يقال حوله وحواله وحوليه وحواليه أربع لغات واللام مفتوحة فيهن. أي مطيفون به من جوانبه قال الجوهري ولا تقل حواليه بكسر اللام.
5 الترجمان بفتح التاء أفصح من ضمها، والجيم مضمومة فيهما وهو المعبر عن لغة بلغة، والتاء فيه أصلية، وأنكر على الجوهري جعلها زائدة، وتبعه ابن الأثير فقال في (( نهايته ) )والتاء والنون زائدتان.
6 إنما سأل عن أقربهم نسبًا؛ لأن غيره لا يؤمن أن تحمله العداوة على الكذب في نسبه والقدح فيه بخلاف القريب فإن نسبه نسبه.
7 قوله (( فاجعلوهم عند ظهره ) )قيل في معناه لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب.
8 قوله (( كذبني ) )بالتخفيف، فكذبوه بالتشديد، والكذب نقيض الصدق، يقال كذب يكذب كذبًا وكذبًا وكذبةً وكذبةً. ويقال كذبته وأكذبت له.
9 قوله (( تأثروا ) )بكسر الثاء وضمها، أي يحكوه عني فأعاب به؛ لأن الكذب قبيح، وإن كان على عدو يقال أثرت الحديث بقصر الهمزة آثره بالمد وضم المثلثة وكسرها أثرًا ساكنة الثاء حدثت به.
10 قوله (( لكذبت عنه ) )أي لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه. وقد قال الفقهاء إن شهادة العدو على عدوه لا تسمع لمثل هذا المعنى.
أقول ويرد على هذا أن شهادة الصديق لصديقه ينبغي أن لا تقبل وترد فكلما يقال في العداوة يقال في الصداقة، ولم أسمع وأر فرقًا شافيًا بينهما، فإن قيل ربما أن العداوة تحمله على الافتراء عليه قلنا ربما صداقته تحمله على جلب النفع إليه فتساويا فكما لا يقبل هناك لا يقبل هنا انتهى [3] .
قال ابن الملقن قوله (( عنه ) )أي عليه. وقد جاء كذلك في بعض النسخ، ولم تقع هذه اللفظة في مسلم، ووقع فيه لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب وعلي بمعنى عني ووقع لفظة عني. في (خ) في التفسير.
11 قوله (( قط ) )فيها لغات أشهرها فتح القاف وتشديد الطاء المضمومة.
قال الجوهري معناها الزمان. قال ومنهم من يقول قط بضمتين، وقط بتخفيف الطاء وفتح القاف وضمها مع التخفيف.
12 قوله (( فهل كان من آبائه من ملك ) )هنا روي على وجهين ص 90
أحدهما من بكسر الميم وملك بفتح الميم وكسر اللام.
ثانيهما (( من ) )بفتح الميم، وبفتحها أيضًا وفتح اللام على أنه فعل ماض وكلاهما صحيح والأول أصح وأشهر، ويؤيده رواية (م) هل كان في آبائه ملك؟ بحذف (( من ) )، وكذا هو في التفسير من (خ) أيضًا.
وعلى هذا يحتمل أن تكون من زائدة في الرواية الأخرى؛ لأنها في سياق الاستفهام.
13 (( أشراف الناس ) )كبارهم وأهل الأحساب منهم. وإنما كان أتباع الرسل الضعفاء دون الأشراف؛ لكون الأشراف يأنفون من تقديم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق، وهذا على الغالب، وإلا فقد سبق إلى اتباعه أكابر أشراف زمنه كالصديق والفاروق وحمزة وغيرهم، وزيادتهم دليل على صحة النبوة؛ لأنهم يرون الحق كل يوم يتجدد، فيدخل فيه كل يوم طائفة.
14 قوله (( سخطةً ) )بفتح السين، والسخط والسخط هو الكراهة للشيء وعدم الرضا، يقال سخط يسخط سخطًا، معناه أن من دخل في الشيء على بصيرة يمتنع رجوعه بخلاف ضده.
15 (( يغدر ) )بكسر الدال، هو ترك الوفاء بالعهد.
قوله (( في مدة ) )يعني مدة الهدنة، وهي صلح الحديبية.
قوله (( ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه ) )إنما فعل ذلك؛ لأنه كان يعلم من أخلاقه الوفاء والصدق، وأنه يفي بما عاهدهم عليه، وأحال الأمر على الزمن المستقبل.
أقول لم يحل على الزمن المستقبل لأنه قال ونحن منه في مدة يعني غائبين عنه مدة لا يعلم ما فعل فيها فليس إلا زمنًا ماضيًا فقوله على الزمن المستقبل فيه نظر مع أنه لم ينسب إليه عذرًا ولا غير ذلك بل كلامًا مبهمًا لا يعلم ما هو فاعل منها وهو من باب التعريض لا التصريح بالذم انتهى.
قال ابن الملقن
16 قوله (( قتالكم إياه؟ ) )فيه انفصال ثاني الضميرين، والاختيار أن لا يجيء المنفصل إذا تأتى مجيء المتصل.
17 (( سجال ) )بكسر السين، أي نوب، نوبة لنا ونوبة له. والمساجلة المفاخرة، بأن تصنع مثل صنعه في جري أو سعي، وأصله من السجل وهو الدلو ملأى، وأصله المستقيان بالسجل حتى يكون لكل واحد منهما سجل [4] .
18 (( العفاف ) )وهو الكف عن المحارم وخوارم المروءة.
قال صاحب (( المحكم ) )العفة الكف عما لا يحل ولا يجمل، يقال عف يعف عفة وعفافًا وعفافة وعفة وإعفاء.
19 الصلة كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل وذلك بالبر والإكرام، وفي (م) يأمرنا بالزكاة بدل الصدق في (خ) هنا، وقد أخرجها في الزكاة تعليقًا.
20 (( وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها ) )يعني أفضله وأشرفه. قيل الحكمة في ذلك أن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل، وكان انقياد الناس إليه أقرب.
21 سؤاله عن الارتداد؛ لأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل. وسؤاله عن الغدر؛ لأن من طلب حظ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إليها، ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرًا.
وسؤاله عن حربهم جاء تفسيره في التفسير في (خ، وم) قال كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، يبتليهم ليعظم أجرهم بصبرهم وبذلهم سعيهم في طاعته تعالى، قال تعالى {والعاقبة للمتقين} [الأعراف128] ، ومن تأمل ما استقرأه هرقل من هذه الأوصاف تبين له حسن ما استوصف من أمره، ولله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعدته المقادير بالاتباع.
22 (( يأتسي ) )بهمزة بعد الياء، أي يتبع ويقتدي، والأسوة القدوة ص 91 بكسر الهمزة وضمها، وقرئ بهما.
23 (( حين يخالط ) )كذا وقع في أكثرها (( حين ) )بالنون، وفي بعضها (( حتى ) )بالياء، ووقع في (( المستخرج ) )للإسماعيلي على الشك، والروايتان وقعتا في (م) ووقع فيه أيضًا إذا بدل حين.
24 البشاشة بفتح الباء يقال بش به وتبشبش، وروي بشاشة. كما سقناه. وبشاشته.
والمراد انشراح الصدر والفرح به، وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته وتأنيسه، يقال بش بالشيء يبش بشاشة إذا أظهر بشرى عند رؤيته. قال الليث البش اللطف في المسألة والإقبال على أخيك. وقال ابن الأعرابي هو فرح الصدر بالصديق.
25 (( أعلم أنه خارج ) )إنما علم ذلك من التوراة والإنجيل، وفي (م) (( فإن يك ما تقول حقًا فإنه نبي ) ).
قوله (( فسيملك موضع قدمي ) )يعني الشام، فإنه قاله به. قوله (( أنه منكم ) )كأنه استبعد أن يتنبأ من العرب.
26 معنى (( أخلص ) )أصل. و (( لتجشمت لقاءه ) )تكلفت على خطر ومشقة. وهو بالجيم، وفي (م) لأحببت مكان لتجشمت.
القاضي تجشمت أصح في المعنى، ويحتمل أن يكون أحببت مغيرة منه، وكان الإسلام لم يتمكن من قلبه ولم يرد الله هدايته كما أراد هداية النجاشي.
ابن بطال (( لتجشمت لقاءه ) )يعني دون خلع من ملكه ولا اعتراض عليه في شيء، وهذا التجشم هو الهجرة، وكان فرضًا على كل مسلم قبل الفتح.
فإن قلت النجاشي لم يهاجر قبل الفتح وهو مؤمن، فكيف سقط عنه فرض الهجرة؟ قلت إنه كان ردءًا للإسلام هناك وملجأ لمن أوذي من الصحابة والردء كالمقاتل، وكذا ردء اللصوص والمحاربين عند مالك والكوفيين يقتل بقتلهم ويجب عليه ما يجب عليهم، وإن لم يحضروا القتل خلافًا للشافعي ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر وضرب لهم بسهمهم وأجرهم.
27 قوله (( غسلت عن قدميه ) )هذا فيه إيماء إلى أنه يعلم بنبوته لكنه خشي خلع قومه له، على ما جاء مفسرًا في البخاري فأصر على كفره بعد علمه به، وكذا قوله آخر الحديث (( هل لكم في الفلاح ) )فيه إعلام بإيمانه.
ابن بطال لم يصح عندنا أنه جهر بالإسلام وإنما آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولم يكن مكرهًا حتى يعذر وأمره إلى الله.
حكى القاضي وغيره خلافًا للعلماء فيمن اطمأن قلبه بالإيمان ولم يتلفظ به هل يحكم بإسلامه أم لا؟ المشهور المنع.
وروى ابن عبد البر في حديث دحية أنه عليه السلام بعثه إلى قيصر في الهدنة سنة ست، قال فآمن به قيصر وأبت بطارقته أن يؤمنوا، فأخبر دحية النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( ثبت ملكه ) )، ومما يبعد صحة إيمانه نصبه القتال للمسلمين في غزوة مؤتة في جمادى سنة ثمان، وما جرى في الوقعة وروى البزار أنه قال لدحية أبلغ صاحبك أني أعلم أنه نبي ولكن لا أترك ملكي.
28 (( عظيم بصرى ) )أميرها وكذا عظيم الروم، أي الذي تعظمه الروم وتقدمه، ولم يقل إلى ملك الروم؛ لما يقتضيه هذا الاسم من المعاني التي لا يستحقها من ليس من أهل الإسلام، فلو فعل لكان فيه التسليم لملكه وهو بحق الدين معزول، ومع ذلك فلم يخله من نوع من الإكرام في المخاطبة ليكون آخذًا بأدب الدين في تليين القول لمن يبتدره بالدعوة إلى دين الحق.
29 (( بعث به ) )أي أرسله. ويقال أيضًا بعثه وابتعثه. بمعنى أرسله.
30 (( مع ) )بفتح العين على اللغة الفصيحة، وفي لغة قليلة بإسكانها. قال صاحب (( المحكم ) )مع اسم معناه الصحبة، وكذلك مع بسكون العين، غير أن مع المفتوحة تكون اسمًا وحرفًا، ومع المسكنة حرف لا غير، ومن ص 92 في قوله (( من محمد رسول الله ) )لابتداء الغاية وليست من الابتداء في المكان ولا في الزمان.
31 (( أما بعد ) )بضم الدال وفتحها ورفعها منونة، وكذا نصبها.
وفي المبتدئ بها خمسة أقوال داود، وقس بن ساعدة، أو كعب بن لؤي، أو يعرب بن قحطان، أو سحبان، ومعناها أما بعد ما سبق وهو البسملة والسلام، وكان عليه السلام يقولها في خطبه وشبهها، رواه عنه عدة من الصحابة. وترجم له البخاري بابًا في الجمعة.
32 (( دعاية الإسلام ) )بكسر الدال أي بدعوته، والدعاية بمعنى الدعوة من دعا، مثل الشكاية من شكى، وهو مصدر كالرماية، والمراد دعوة الإسلام. أي آمرك بكلمة التوحيد، وفي (خ) في الجهاد، و (م) هنا بداعية الإسلام. أي بالكلمة الداعية إلى الإسلام، وهو بمعنى الأول.
33 (( أسلم تسلم ) )هذا من محاسن الكلام وبليغه وإيجازه واختصاره كما سيأتي التنبيه عليه، بعد وللبخاري في الجهاد والتفسير بعد (( أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله ) )بزيادة (( أسلم ) )أخيرًا.
34 معنى (( أجرك مرتين ) )أي لإيمانك بعيسى ثم إيمانك واتباعك لي، بخلاف الجاهلية وأهل الأوثان الذين لم يكونوا على شيء من دين الله ولا كتاب.
أقول فإن قلت أهل الدية الآن إذا أسلموا هل يكون لهم أجران. قلت لا إنما كان ذلك حين كان دين عيسى حيًا وذلك قبل البعثة فلما بعث سيد الأولين والآخرين نسخ دينه الأديان جميعًا فلم يبق لهم باتباع شيء غير محمد صلى الله عليه وسلم أجر فلا يبقى لهم بالإسلام إلا أجر واحد بخلاف هرقل ونحوه فإنه كان اتبع دين عيسى قبل أن ينسخ وكان له في ذلك أجر فلو أسلم كان له أجران فاعلم ذلك.
قال ابن الملقن
35 اختلف ضبط (( الأريسيين ) )على أوجه
أحدها بيائين بعد السين.
ثانيها بياء واحدة والهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة في كلا الوجهين.
ثالثها بهمزة مكسورة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين، ووقع في إحدى روايتي (خ، م) اليريسيين وبالهمز أكثر استعمالًا وفي روايات الحديث أيضًا.
قال ابن الأعرابي يقال أرس يأرس أرسًا، فهو أريس، وأرس يؤرس تأريسًا، فهو إريس والجمع أريسون وأريسون وأرارسة زاد غيره، وأراريس وأرارس.
الجوهري هي شامية. الصغاني يقولون للأريس أريسي، وفي (( الجامع ) )وزن أريس فعيل. ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه من غير أصلية؛ لأنه كان تبقى عينه وفاؤه من لفظ واحد، وهذا لم يأت في كلامهم إلا في أحرف يسيرة نحو كوكب وديدن، وددن، وبابوس.
ابن فارس الهمزة والراء والسين ليست عربية.
واختلف في المراد به هنا، والصحيح أنهم الأكارون. أي الفلاحون؛ أي عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب في رعاياهم، وأسرع انقيادًا. فإذا أسلم أسلموا.
وقد جاء مصرحًا به في (( دلائل النبوة ) )للبيهقي والطبري؛ (( فإن عليك إثم الأكارين ) ). ولأبي عبيد (( وإن لم تدخل في الاسلام فلا تحل بين الفلاحين والإسلام ) ). وللبرقاني يعني الحراثين.
وللإسماعيلي (( إثم الركوسيين ) )، وهم أهل دين النصارى والصابئين، يقال لهم الركوسية. ويقال أن ص 93 الأريسيين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسًا، وكان الروم أهل كتاب، فيريد أن عليك مثل وزر المجوس إن لم تؤمن.
أبو عبيد هم الخدم والخول. يعني بصدهم إياهم عن الدين أي عليك مثل إثمهم. وقيل المراد الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة، وقيل هم المتجبرون قال القرطبي فعلى هذا يكون المراد عليك إثم من تكبر على الحق.
ابن سيده الأريس الأكار. عند ثعلب، والأريس الأمير عند كراع، والأصل عنه أريس فعيل من الرياسة، فقلت وفي (( الجامع ) )الأريس الزارع، وعند قوم الأمير، كأنه من الأضداد، وقيل هم اليهود والنصارى، أتباع عبد الله بن أريس الذي تنسب إليه الأروسية من النصارى رجل كان في الزمن الأول، قتل هو ومن معه نبيًا بعثه الله إليهم.
أبو الزناد حذره النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان رئيسًا متبوعًا أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمله واتبعه. قال عليه السلام (( من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها ) ).
36 {تعالوا} بفتح اللام وأصله تعاليوا، فأغلب فصار تعالوا قوله و {يا أهل الكتاب} هذه الواو ثبتت في رواية عبدوس والنسفي والقابسي، وسقطت في رواية الأصيلي وأبي ذر كما نبه عليه القاضي قال واختلف المحدثون فيما وقع من الأوهام في نص التلاوة فمنهم من أوجب إصلاحها؛ لأنها إنما سيقت للدلالة، ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
ومنهم من قال ننقلها كما وقعت وننبه عليها؛ لأنه يبعد خفاؤها عن المؤلف والناقل عنه فلعلها قراءة شاذة، ثم ضعف بأن الشاذ مروي معلوم لا يحتج به في حكم، ولا يقرأ به في صلاة، انتهى.
والحكمة في تخصيص هذه الآية بالإرسال إلى هرقل؛ لأنه نصراني، والنصارى جمعت هذه الأمور الثلاثة فعبدوا عيسى عليه السلام، وأشركوا بالله فقالوا إنه ثالث ثلاثة. واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا.
قوله (( {كلمة سواء} [آل عمران64] ، هي لا إله إلا الله. كما رواه عبد بن حميد في (( تفسيره ) )عن مجاهد، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن الحسن قال دعوا إلى الإسلام فأبوا.
37 الصخب بفتح الصاد والخاء، ويقال بالسين أيضًا بدل الصاد، وضعفه الخليل، ومعناها اختلاط الأصوات وارتفاعها. يقول صخب بكسر الخاء فهو صخب وصخاب وصخبان ويقرب منه اللغط وهو بفتح الغين وإسكانها، وكذا وقع في (م) .
وفي (خ) في الجهاد وكثر لغطهم. وفي التفسير وكثر اللغط. وهو الأصوات المختلفة. قال أهل اللغة هو أصوات مبهمة لا تفهم.
38 (( أمر أمر ابن أبي كبشة ) )أمر فهو بفتح الهمزة وكسر الميم أي عظم أمره. وأصله من الكثرة، يقال أمر القوم إذا كثروا، وأمرته كثرته.
قال ابن سيده والاسم منه الإمرة بالكسر. الزمخشري الأمرة على وزن بركة الزيادة.
في (( الصحاح ) )عن أبي عبيد آمرته بالمد وأمرته بمعنى كثرته، وأمر هو أي كثر، فخرج على تقدير قولهم علم فلان ذلك، وأعلمته أنا ذلك، قال يعقوب ولم يقله أحد غيره.
الأخفش يقال أمر أمر يأمر أمرًا اشتد والاسم الأمر، وفي (( الجامع ) )أمر الشيء إذا كثر والإمرة الكثرة والبركة والنماء.
(( وأبو كبشة ) )سبق أنه كان يعبد الشعرى ولم يوافقه أحد، فشبهوا النبي صلى الله عليه وسلم به لمخالفته إياهم فأرادوا مجرد التشبيه دون العيب. وقد قال أبي بن خلف لما طعنه النبي صلى الله عليه وسلم طعنني ابن أبي كبشة.
39 (( إنه ليخافه ) )بكسر الهمزة ويجوز على ضعف فتحها على أنه مفعول من أجله. القاضي ضعف الفتح لوجود اللام في الخبر لكن جوزه بعض ص 94 النحاة، والمعنى على الفتح عظم أمره عليه السلام لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر.
40 (( ابن الناطور ) )روي بالمعجمة والمهملة. القاضي هو بمهملة عند الجماعة وعند الحموي بالمعجمة، قال أهل اللغة فلان ناظور بني فلان، وناظرهم بالمعجمة المنظور إليه منهم، والناطور بالمهملة حافظ النخل عجمي تكلمت به العرب، الأصمعي هو من النطر، والنبط يجعلون الظاء طاء [5] .
41 صاحب منصوب على الاختصاص، وهرقل بفتح اللام، مجرور معطوف على إيلياء؛ أي صاحب إيلياء وصاحب هرقل، وخبر كان سقف، ويجوز أن يكون يحدث أن هرقل وهو أوجه في العربية.
42 وقع هنا (( سقفًا ) )بضم السين والقاف وتشديد الفاء، ويروى (( أسقفًا ) )بضم الهمزة مع تخفيف الفاء وتشديدها، والأشهر ضم الهمزة وتشديد الفاء قاله النووي. وعن غيره أن الرواية فيه تخفيف الفاء، وجمعه أساقفة وأساقف، وللإسماعيلي (( أساقفة ) )، وفي بعض الأصول (( سقف ) )بضم السين وكسر القاف المشددة؛ أي جعل أسقفًا، ويقال أيضًا سقف كقفل أعجمي معرب، ولا نظير لأسقف إلا أسرب، وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم.
قال الخليل هو للنصارى رئيس دينهم. وقال الداودي هو العالم. قيل سمي به لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم وهو قيم شريعتهم ودون القاضي. والأسقف الطويل في انحنائه كأنه لطول عبادته وقيامه يعرض له انحناء.
قال ابن السكيت ومنه اشتق أسقف النصارى؛ لأنه يتجاشع وهو رئيس من رؤسائهم في الدين.
43 خبث النفس كسلها وقلة نشاطها أو سوء خلقها. والبطارقة بفتح الباء قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم، واحدهم بطريق بكسر الباء، وقيل هو المختال المتعاظم، ولا يقال ذلك للنساء.
44 قوله (( حزاءً ) )بفتح الحاء وتشديد الزاي، ويقال فيه الحازي وهو المتكهن يقال حزى يحزي ويحزو وتحزى. الأصمعي حزيت الشيء أحزيه حزيًا وحزوًا.
وفي (( الصحاح ) )حزى الشيء يحزيه ويحزوه إذا قدر وخرص، والحازي الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن.
وفي (( المحكم ) )حزى الطير حزوًا زجرها وفسر في الحديث ذلك بأنه ينظر في النجوم، ويمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأن التكهن يكون لوجوه منها ذلك.
45 (( ملك الختان ) )ضبط على وجهين
أحدهما بفتح الميم وكسر اللام.
وثانيهما ضم الميم وإسكان اللام وكلاهما صحيح، ومعناه رأيت الملك لطائفة تختتن.
46 (( لا يهمنك شأنهم ) )بضم الياء يقال أهمني الأمر أقلقني وأحزنني والهم الحزن، وهمني أذابني أي إذا بالغ في ذلك، وهمني المرض أذابني، ومنه المهموم.
الأصمعي هممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه، وهممت بالأمر أيضًا قصدته يهمني، وهم يهم بالكسر هميمًا داب، ومراده أنهم أحقر من أن تهتم لهم والشأن الأمر. ص 95
47 قوله (( إلى مدائن ملكك ) )يعني أهل مدائن ملكك، والمدائن بالهمز أفصح من تركه. الجوهري مدن بالمكان أقام به، ومنه سميت المدينة وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، وعلى مدن بإسكان الدال وضمها، وقيل إنها مفعلة من دنت، أي ملكت. وقيل من جعله من الأول همزه أو من الثاني حذفه.
الجوهري والنسبة إلى المدينة الشريفة النبوية مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني للفرق. وما ذكره محمول على الغالب وإلا فقد جاء فيه خلاف ذلك كما يأتي إن شاء الله تعالى.
48 (( هذا ملك هذه الأمة ) )بفتح الميم وكسر اللام ويروى بضم الميم وإسكان اللام والأكثر الأولى ومعناها ظاهر، وفيه رواية ثالثة (( هذا يملك ) )بزيادة ياء مفتوحة على أنه فعل مضارع.
القاضي وأراها ضمة الميم اتصلت بها فتصحفت ولما حكاها صاحب (( المطالع ) )قال أظنه تصحيفًا. والنووي قال كذا ضبطناه وهي صحيحة، ومعناها هذا المذكور يملك الأمة، والمراد بالأمة هنا أهل العصر.
49 (( برومية ) )بتخفيف الياء.
50 (( فلم يرم حمص ) )بفتح الياء وكسر الراء أي لم يفارقها، يقال ما يريم يفعل أي ما يبرح. قال ابن طريف ما رامني ولا يريمني لم يبرح عني، ولا يقال إلا منفيًا، وحمص غير منصرف.
51 (( معشر الروم ) )قال أهل اللغة هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر [6] ، والفقهاء معشر، والجمع معاشر.
52 (( في الفلاح والرشد ) )الفلاح الفوز والبقاء والنجاة، والرشد بضم الراء وإسكان المعجمة، وبفتحهما أيضًا لغتان وهو خلاف الغي، قال أهل اللغة هو إصابة الخير. وقال الهروي هو الهدى والاستقامة يقال رشد يرشد ورشد يرشد لغتان، والرشد كالرشد وهما مصدران.
53 (( فتتابعوا؟ ) )بمثناة فوق، ثم مثناة مثلها كذا هو في أكثر الأصول من المتابعة وهي الاقتداء، وفي بعضها فنتابع وهو بمعناه، وفي بعضها فتبايعوا بالموحدة من البيعة، وكله صحيح.
54 (( فحاصوا حيصة ) )بالحاء والصاد المهملتين المفتوحتين؛ أي نفروا وكروا راجعين، حاص يحيص نفر. الفارسي في (( مجمع الغرائب ) )هو الروغان والعدول عن طريق القصد.
الخطابي يقال حاص وجاض بمعنى واحد يعني بالجيم والضاد المعجمة. وكذا قال غيره، قالوا ومعناه عدل عن الطريق. وقال أبو زيد معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل.
55 (( مقالتي آنفًا ) )أي قريبًا أو بعجلة أو في أول وقت كنا فيه أو الساعة، وكله بمعنى، وهو بالمد وبالقصر، والمد أشهر.
56 رواية مسلم (( مشى يعني قيصر من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله ) )، أي شكرًا لما من الله عليه وأنعم. والبلاء لفظ مشترك يقال في الخير والشر؛ لأن أصله الاختبار، وأكثر استعماله في الخير مقيدًا وفي الشر يطلق.
العاشر في فوائده
1 خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد ولاسيما إذا كانوا جمعًا يقع العلم بخبرهم، وهذه مأخوذة من قوله (( وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره ) ).
2 تقديم صاحب الحسب في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش؛ لأنهم أحوط من أن يدنسوا أحسابهم.
3 استدلال هرقل من كونه ذا حسب ليس بدليل قاطع على النبوة، وإنما ص 96 القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها المعارضة. قاله الماوردي، قال ولعل هرقل كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي، وقد قال قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم.
قال النووي الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من أعلام نبوته.
4 جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب النبي صلى الله عليه وسلم سبعة من الملوك فيما قاله الداودي هرقل، كسرى، النجاشي، المقوقس، ملك غسان، هوذة بن علي، المنذر بن ساوى.
أقول ذكر ابن سيد الناس كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيفر وعبدًا بني الجلندي الأزديين ملكي عمان مع عمرو بن العاص، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفية صاحب اليمامة مع سليط بن عمرو العامري، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن أبي شمر الغساني مع شجاع بن وهب، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي مع عمرو بن أمية الضمري، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس عظيم القبط مع حاطب بن أبي بلتعة، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى مع العلاء بن الحضرمي، وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر مع دحية الكلبي انتهى.
قال ابن الملقن قال ابن هشام فبعث دحية إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص إلى ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي ملكي اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وبعث شجاع الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم، وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن.
وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام فقيل له إن الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، فأول رسول بعثه عمرو بن أمية إلى النجاشي.
وفيه فأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينه ونزل عن سريره تواضعًا، ثم أسلم، وكتب له كتابًا آخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة.
وفي مسلم أنه عليه السلام كتب إلى كسرى وإلى قيصر والنجاشي يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه صلى الله عليه وسلم. وظاهر هذا أنه نجاشي آخر.
5 استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، قال الشعبي كان عليه السلام يكتب كما تكتب قريش (( باسمك اللهم ) )، حتى نزلت {بسم الله مجراها} [هود41] ، فكتب (( بسم الله ) ). حتى نزلت {أو ادعوا الرحمن} [الإسراء11] ، فكتب (( بسم الله الرحمن ) ). حتى نزلت {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل3] فكتبها.
6 أن المراد بحمد الله في الحديث السابق أول الكتاب (( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع ) )ذكر الله تعالى، وروي بـ (( بسم الله ) )وهذا الكتاب كان ذا بال ولم ص 97 يبدأ فيه بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة.
7 أن السنة في المكاتبات أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول من فلان إلى فلان. وهو قول الأكثر كما ذكره ابن النحاس، وروي أن هرقل لما أخرج الكتاب فرأى أخو هرقل أنه عليه السلام بدأ بنفسه أخذ الكتاب ليمزقه، فأخذه هرقل وقال أنت أحمق صغيرًا، أحمق كبيرًا.
وروى البزار بسنده عن دحية أنه لما أعطى الكتاب إلى قيصر كان عنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس فلما قرأ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة وقال لا يقرأ اليوم. فقال له قيصر لم؟ قال إنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم فقال قيصر لنقرأنه.
وروى النحاس فيه أحاديث كثيرة، وعن الربيع بن أنس قال ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم.
قال وهو إجماع الصحابة. قال ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان.
قال وأما العنوان فالصواب أن يكتب فيه إلى فلان. ولا يكتب لفلان؛ لأنه إليه لا له وعن أبي نعيم النخعي قال كانوا يكرهون أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم لفلان بن فلان. وكانوا يكرهونه في العنوان.
قلت وأغرب بعضهم فقال يقدم الأب، ولا يبدأ ولد باسمه على والده، والكبير السن كذلك، ويرده ما سلف.
8 التوقي في الكتابة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط؛ وجه ذلك أنه عليه السلام قال (( إلى هرقل عظيم الروم ) )ولم يقل ملك الروم. لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه الشارع، ولم يقل إلى هرقل فقط، بل أتى بنوع الملاطفة فقال (( عظيم الروم ) )وقد أمر الله بإلانة القول لمن يدعى إلى الإسلام قال {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل125] .
9 جواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوش فيها اسم الله للضرورة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله تعالى، ونقل ابن بطال عن العلماء عدم تمكينهم من ذلك.
10 وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة، وسيأتي إن شاء الله تعالى آخر الكتاب.
11 منع ابتداء الكافر من السلام؛ فإنه عليه السلام قال (( سلام على من اتبع الهدى ) )ولم يسلم عليه، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء، وأجازه جماعة مطلقًا.
وفيه قول ثالث جوازه للائتلاف أو لحاجة، والصواب الأول؛ فإنه صح النهي عنه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
12 استعمال أما بعد في الخطب والمكاتبات.
13 دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهذا مأمور به، فإن لم تكن بلغتهم الدعوة كان الأمر به واجبًا، وإن بلغتهم كان مستحبًا، فلو قوتل هؤلاء قبل إنذارهم ودعائهم إلى الإسلام جاز لكن فاتت السنة، بخلاف الضرب الأول. هذا مذهب الشافعي، وفيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى، وحاصله ثلاثة مذاهب.
أحدها يجب الإنذار مطلقًا.
ثانيها لا يجب مطلقًا.
ثالثها التفصيل السالف. وبه قال أكثر العلماء.
14 جواز السفر إلى أرض الكفار.
15 جواز البعث إليهم بالآية من القرآن، والنهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو محمول على المسافرة بكله أو جملة منه، كما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وأبعد ابن بطال فقال كان ذلك في أول الإسلام ولم يكن بد من الدعوة العامة.
16 استدل أصحابنا به على جواز مس المحدث والكافر كتابًا فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن.
17 استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة؛ فإن قوله عليه السلام (( أسلم تسلم ) )في ص 98 نهاية الاختصار وغاية البلاغة مع ما فيه من بديع التجنيس فإنه جمع بقوله (( تسلم ) )نجاة الدنيا من الحرب والخزي بالجزية، وفي الآخرة من العذاب.
ولا غرو فإنه سيد الفصحاء وأكمل البلغاء وله كلمات معدودة في فصاحته منها قوله (( الناس كأسنان المشط ) ). وهذا شيء لا ينحصر.
18 أن من أدرك من أهل الكتاب نب?