فهرس الكتاب

الصفحة 1910 من 3844

الحديث الثاني عشر

3280 - حديث جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا استجنح ) )هذا الحديث أخرجه مسلم، وسيأتي في البخاري، في حديث جابر (( فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ) ). وللترمذي (( فإن الشيطان لا يفتح غلقا, ولا يحل وكاء، ولا يكشف آنية، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم ) ).

قوله جنح. قال ابن سيده جنح الليل جنوحا، وجنحه جانبه قطعة منه نحو النصف. وقال ابن التين يريد إذا أقبلت ظلمته. وجنح الليل أول ما يظلم، ويقال معنى جنح مال، وفي باب حسن مال المسلم تقدم أنه بكسر الجيم وضمها أو كان جنح الليل لكافتهم قال بدل كان، وعند النسفي وأبي الهيثم والحموي (كان) .

وقوله ص 2848 (فكفوا) . وفي رواية (( فاكفتوا ) ). أي ضموهم إليكم واقبضوهم، وكل شيء ضممته فقد كفته، ومعناه امنعوهم من الخروج في ذلك الوقت.

وإنما خيف عليهم؛ لأن النجاسة التي يلوذ بها الشيطان موجودة معهم؛ ولأن الذكر الذي يستعصم به معدوم عندهم، والشياطين عند انتشارهم يتعلقون مما يمكنهم التعلق به، فإذا ذهبت اشتغل كل منهم مما اكتسب، ومضى إلى ما قدر له التشاغل به، نبه عليه ابن الجوزي، وفي رواية (( لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس ) ). والفواشي كل شيء منتشر من المال، كالإبل والبقر وسائر البهائم وغيرها، جمع فاشية؛ لأنها تفشوا، أي تنتشر، قال ابن الأعرابي أفشى وأمشى وأوشى بمعنى واحد، إذا كثرت مواشيه.

الشياطين تستعين بالظلمة، وتكره النور، وتتشاءم به، كما نبه عليه ابن العربي؛ لأن الله أظلم قلوبها، وفي رواية (( فإذا ذهب فحمة العشاء ) ). بسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، وهو شدة سوادها وظلمتها، وزعم بعضهم أنه أراد أول ظلامها، ويقال للظلمة التي بين المغرب والعشاء فحمة، والتي بين العشاء والفجر عسعسة.

وقوله (( فحلوهم ) ). يريد كما قال الداودي إذا ذهب بعض الظلمة وامتدادها أبصر الصبي حيث يذهب ولم يقع على شيء يصيب به بعض الشياطين، فيكون ذلك سببا، كما أصيب قاتل الحية.

(( أغلق بابك ) ). رباعي، والباب مغلق لا مغلوق، وفي رواية )) جيفوا )) وهو بمعنى الأول و جاء في البخاري في باب خمس من الدواب فواسق. قال (( الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت ) )، وفي رواية (( تضرم ) )أي تلهب وتحرق، يقال ضرمت؛ بكسر الراء. وتضرمت وأضرمت وأضرمتها أنا، وضرمتها تشدد للمبالغة، وهو عام يدخل فيه نار السراج وغيره. فأما القناديل المعلقة فإن خيف حريق بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بها؛ لانتفاء العلة. وسبب قوله هنا أنه عليه السلام صلى على خمرة فجرت الفتيلة الفأرة. فأحرقت من الخمرة قدر الدرهم؛ فقال عليه السلام ذلك، نبه عليه ابن العربي

الإيكاء الشد، والوكاء اسم ما يشد به فم القربة، وهو ممدود مهموز، فلذلك يجب أن يكون رباعيا. (تخمير الإناء) تغطيته.

و (( تعرض ) )بضم الراء وكسرها، يقال عرضت الشيء أعرضه، بكسر الراء على قول الأكثرين، والأصمعي يضمه وكذا يعقوب قال ابن التين عامة أهل اللغة على الكسر إلا الأصمعي وابن فارس فإنهما يضمانها في هذا خاصة.

وقوله (( شيئا ) ). في رواية (( عودا ) ). وذلك عند عدم ما يجد ما يغطيه به، وهو مطلق في الآنية التي فيها شراب أو طعام. وللتخمير فوائد صيانة من الشيطان والنجاسات والحشرات وغيرها ومن الوباء الذي ينزل في ليلة من السنة. كما جاء في الحديث (( إن في السنة ليلة وفي رواية يوما ينزل وباء فلا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو بسقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه ذلك الوباء ) )، ص 2849 قال الليث بن سعد والأعاجم يتقون ذلك في كانون الأول. قال أبو حميد إنا أمرنا بالأسقية أن توكأ ليلا وبالأبواب أن تغلق ليلا.

وهذا التخصيص ليس في لفظ الحديث ما يدل عليه كما قاله النووي، والمختار عند الأصوليين، وهو مذهب الشافعي أن تفسير الصحابي إذا كان خلاف ظاهر اللفظ ليس بحجة ولا يلزم غيره من المجتهدين موافقته على تفسيره، وأما إذا كان في ظاهر الحديث ما يخالفه فإن كان مجملا رجع إلى تأويله ويجب الحمل عليه؛ لأنه إذا كان مجملا لا يحل له حمله على شيء إلا بتوقيف، وكذا لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي عندنا، والأمر بتغطية الإناء عام فلا يقبل تخصيصه بمذهب الراوي بل يتمسك بالعموم.

وقد يقال أبو حميد قال أمرنا، وهذا رواية لا تفسير، وهو مرفوع على المختار جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية كقوله تعالى {إذا تبايعتم} [البقرة282] وليس على الإيجاب وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسما منفردا بنفسه عن الوجوب والندب، وينبغي للمرء امتثال أمره، فمن امتثل سلم من الضرر بحول الله وقوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت