فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 3844

الحديث الثاني

2 -ثنا عبد الله ص 42 بن يوسف بإسناده وساق حديث كيف يأتيك الوحي إلى آخره الكلام عليه من وجوه

أحدها هذا الحديث رواه (خ) أيضًا في بدء الخلق عن فروة، عن علي بن مسهر، ورواه مسلم في الفضائل عن أبي بكر، عن ابن عيينة.

ثانيها هذا الحديث أدخله الحفاظ في مسند عائشة دون الحارث، وليس للحارث هذا في الصحيحين رواية، وإنما له رواية في سنن ابن ماجه، وليس في الصحابة في الصحيحين من اسمه الحارث غير الحارث بن ربعي أبي قتادة، على أحد الأقوال في اسمه، والحارث بن عوف أبي واقد الليثي، وهما بكنيتيهما أشهر، وأما خارج الصحيحين فجماعات فوق مائة وخمسين.

والحارث الواقع هنا هو الحارث بن هشام بن المغيرة، أخو أبي جهل لأبويه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا وانهزم، واعتذر عن فراره بشعر، أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الإبل، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم، خرج هو وسهيل بن عمرو إلى الشام؛ ليستدركا ما فاتهما من سابقة الإسلام بالجهاد، فقاتل الكفار حتى قتل باليرموك سنة خمس عشرة أو بعمواس وهو الذي أجارته أم هانئ يوم الفتح، وقيل بل هو غيره.

روى عنه ولده عبد الرحمن، وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وهشام، أحد الفقهاء السبعة على قول، كان يقال له الراهب.

فائدة ليس في الصحابة الحارث بن هشام إلا هذا، والحارث بن هشام الجهني.

الثالث في التعريف برواته.

أما عائشة فهي الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين كنيتها أم عبد الله كنيت بابن أختها عبد الله بن الزبير، وأبعد من قال بسقط لها.

وعائشة مأخوذة من العيش، وحكي عيشة لغة فصيحة، وأمها أم رومان بفتح الراء وضمها زينب بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس وهي أم عبد الرحمن، أخي عائشة أيضًا، ماتت سنة ست في قول الواقدي والزبير وهو الأصح. تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث، وقيل بسنة ونصف أو نحوها في شوال سنة ست وقيل سبع، وبنى بها في شوال أيضًا بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة.

وقال الواقدي في الأولى بنت تسع. فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعاشت خمسًا وستين سنة. وكانت من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية.

روي لها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتفق خ، م) على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد (خ) بأربعة وخمسين، و (م) بثمانية وستين، روت عن خلق من الصحابة، وروى عنها جماعات من الصحابة والتابعين قريب من مائتين.

ماتت بعد الخمسين، إما سنة خمس أو ست أو سبع أو ثمان في رمضان، وقيل في شوال، وأمرت أن تدفن ليلًا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة. ولها خصائص ومناقب والأحاديث الصحيحة في فضلها كثيرة.

قال أبو موسى الأشعري ما أشكل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا [1] . وقال القاسمص 43 بن محمد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى أن ماتت.

فوائد

الأولى مات صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة، وعائشة أفضلهن قطعًا، وهل هي أفضل من خديجة؟ فيه وجهان.

الثانية جملة من اسمه عائشة في الصحابة هذه الجليلة، وبنت عبد الرحمن بن عتيك، وبنت عمير الأنصارية، وبنت معاوية بن المغيرة أم عبد الملك بن مروان، وبنت قدامة بن مظعون. وليس في الصحيحين من اسمه عائشة من الصحابة سوى الصديقة، وفيهما عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، وفي البخاري عائشة بنت سعد بن أبي وقاص. وفي ابن ماجه عائشة بنت مسعود بن العجماء وليس في مجموع الكتب الستة غير ذلك.

الثالثة قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين تبعوا فيه قوله تعالى {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب6] ، وقرأ مجاهد (( وهو أب لهم ) )وقيل إنها قراءة أبي بن كعب، وهن أمهات المؤمنين في وجوب احترامهن وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة والمسافرة وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح، وبه جزم الرافعي ومقابله حكاه الماوردي.

وهل يقال لإخوتهن أخوال المؤمنين، ولأخواتهن خالات المؤمنين، ولبناتهن أخوات المؤمنين؟ فيه خلاف، والأصح المنع لعدم التوقيف. ووجه مقابله أنه مقتضى ثبوت الأمومة، وهو ظاهر النص، لكنه مؤول، ولا يقال آباؤهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم. وهل يقال فيهن أمهات المؤمنات؟ فيه خلاف عندنا، والأصح أنه لا يقال؛ بناء على الأصح أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال.

وعن عائشة رضي الله عنها أنا أم رجالكم لا أم النساء. وهل يقال للنبي صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين؟ فيه وجهان عندنا، والأصح الجواز، ونص عليه الشافعي أيضًا، أي في الحرمة. ومعنى قوله {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} [الأحزاب4] ، لصلبه، وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال أبونا، وإنما يقال هو كأبينا، لما روي أنه عليه السلام قال (( إنما لكم كالوالد ) ).

ونقلها صاحب (( المحكم ) )عن الزجاج في معنى قوله تعالى {هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} [هود78] كنى ببناته عن نسائهم، ونساء أمة كل نبي بمنزلة بناته، وأزواجه بمنزلة أمهاتهم.

وحكى المفسرون في ذلك قولين

أحدهما أنه أراد بنتيه حقيقة؛ لأن الجمع يقع على الاثنين.

والثاني أنه أراد نساء أمته؛ لأنه ولي أمته.

أقول هنا فائدة مهمة ذكرها يناسب المقام، وذلك أن حكام بن مسلم ذكر في كتاب مناقب أبي حنيفة رضي الله عنه أنه قيل لأبي حنيفة ابن العرزمي بفتح المهملة وإسكان الراء بعدها زاي بعدها ميم النسبة أبي عرزم.

قال ابن السمعاني وظني أنه من فزارة وجبانة عرزم بالكوفة ولعل هذا البطن نزلوا لها فنسبه إليهم، واشتهر بهذه النسبة عبد الملك بن أبي سلمان العرزمي عم محمد بن عبيد الله العرزمي يقول كانت عائشة رضي الله عنها تسافر بغير محرم قال فقال أبو حنيفة وما يدري العرزمي ما تفسير الحديث أن عائشة كانت أم المؤمنين وكانت من كل الناس ذات محرم انتهى.

قلت هذا فيه نظر فإن أمهات المؤمنين لا يطلق عليهن أنهن محارم للمؤمنين فإن المحارم يجوز النظر إليهن والخلوة معهن وأمهات المؤمنين لا يحل النظر إليهن ولا الخلوة معهن ومسهن ينقص الوضوء عند الشافعي أما كونهن لا يخلو بهن ولا ينظر إليهن فمتفق عليه عندنا وعنده أما النظر فبآية الحجاب والخلوة من باب أولى والمحرم الذي يجوز السفر معها يجوز النظر ص 44 إليها والخلوة معها وهي كل من حرم نكاحها على التأييد بسبب مباح لحرمتها فقوله التأبيد احتراز من أحب المرأة ونحوها.

وقوله بسبب مباح احتراز من أم الموطوءة بشبهة، وقوله لحرمتها احتراز من الملاعنة وأيضًا ليس في كل أسفارها لم يكن معها محرم إلا المؤمنين فإن في وضعه الجمل كان معها ابن الزبير ومحمد بن أبي بكر وهما محرماها حقيقة ففي هذه السفرة السؤال من أصله مندفع.

وأما ما في أسفارها إن ثبت أنه لم يكن معها أحد من المحارم إلا المؤمنين كما زعم أبو حنيفة رضي الله عنه فجوابه ما سبق وأيضًا هي من المعصومات التي ثبت عصمتها بالنص الشريف بثمانية عشر آية في النور فهي وإن لم تكن معها محرم من القرابة وغيرها يجوز لها أن تسافر بدون محرم لثبوت عصمتها، وأيضًا لا يلزم للنساء في السفر من المحارم الرجال يمكن أن يسافر معها نسوة ثقات.

وقال الرافعي في العزير في ذكره خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أن أزواجه أمهات المؤمنين سواء فيه من ماتت تحت النبي صلى الله عليه وسلم ومن مات النبي وهي تحته، وذلك في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن لا في النظر إليهن والخلوة والمسافرة بهن.

أقول وهذا أيضًا تصريح من الرافعي بأنهن لسن لمحارم للمؤمنين ولو كن محارم لأجري عليهن أحكام المحارم منها السفر بهن والنظر إليهن، وقد ذكر الشيخ جمال الدين الأشناني في (( شرح المنهاج ) )في باب المحارم عند ذكر حد المحرم أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لسن بمحارم صريحًا ذكره في كلام طويل انتهى.

قال ابن الملقن رحمه الله

وأما الراوي عن عائشة فهو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام التابعي الجليل، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، وهم سعيد بن المسيب، وعروة هذا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وفي السابع ثلاثة أقوال

أحدها أبو سلمة بن عبد الرحمن.

ثانيها سلام بن عبد الله بن عمر.

ثالثها أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وقد جمعهم الشاعر على القول الأخير

~ألا إن من لا يقتدي بأئمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجة

~فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة

وأم عروة أسماء بنت الصديق، وقد جمع الشرف من وجوه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم صهره، وأبو بكر جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة خالته، سمع أباه وأمه وخالته وأخاه عبد الله وخلائق من الصحابة وجماعة من التابعين، وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم منهم أولاده.

قال الزهري كان عروة بحرًا لا ينزف.

وقال ولده هشام صام الدهر وما مات إلا وهو صائم.

وقال عمر بن عبد العزيز ما أعلم أحدًا أعلم منه. ولد سنة عشرين، ومات سنة أربع وتسعين. وقيل سنة ثلاث. وقيل تسع وروى له الجماعة، وليس في الستة عروة بن الزبير سواه، ولا في الصحابة أيضًا.

وأما الراوي عنه فهو ولده هشام أبو المنذر. وقيل أبو عبد الله أحد الأعلام، تابعي مدني، رأى ابن عمر ومسح برأسه ص 45 ودعا له، وجابرًا وغيرهما، وسمع أباه وعمه عبد الله بن الزبير وخلقًا. وروى عن بكر بن وائل وهو أصغر منه، وعنه شعبة ومالك وغيرهما.

وكان سيدًا جليلًا ثقة كثير الحديث، ولد مقتل الحسين سنة إحدى وستين ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة وقيل سنة ست وقيل سنة سبع، روى له الجماعة، وأما الراوي عنه فهو الإمام إمام دار الهجرة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر نافع وهو ذو أصبح، عدادهم بالحلف في تيم بن مرة من قريش الأصبحي المدني، ومناقبه جمة أفردت بالتأليف.

سمع خلقًا من التابعين وغيرهم، قال أبو القاسم الدوامي أخذ عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية.

روى عنه جماعة من التابعين منهم الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وهما من شيوخه، وروى عنه ممن بعد التابعين خلائق من الأعلام منهم الأوزاعي والثوري وشعبة والليث والشافعي وآخرون.

وحديث أبي هريرة الحسن في الترمذي أنه عليه السلام قال (( يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة ) )قيل إنه ليس المراد رجلًا بعينه، وإنما هذا في آخر الزمان عند ضعف الدين، والمعروف أن المراد به الإمام مالك، هذا هو الذي حمله العلماء عليه، وإن كان سفيان بن عيينة قال مرة إنه العمر بن عبد العزيز بن عبد الله الزاهد.

مات رضي الله عنه صبيحة أربعة عشرة من شهر ربيع الأول من سنة تسع وسبعين ومائة، عن خمس وثمانين سنة، وقبره بالبقيع معروف في قبة مفردة، وكان حمل به البطن ثلاث سنين، ولما حضرته الوفاة تشهد ثم قال لله الأمر من قبل ومن بعد، وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل. روى له الجماعة.

فائدة مالك رضي الله عنه أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة.

وثانيهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت مات ببغداد سنة خمسين ومائة عن سبعين سنة ومولده سنة ثمانين.

وثالثهم الشافعي رضي الله عنه هو محمد بن إدريس، مات بمصر سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة ومولده بلا خلاف سنة خمسين ومائة وهو العام الذي توفي فيه أبو حنيفة.

ورابعهم أحمد بن حنبل، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين عن ثمانين سنة ببغداد أقول ولد سنة أربع وستين ومائة في ربيع الأول.

خامسهم أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة عن أربع وستين سنة ومولده سنة سبع وتسعين.

وآخرهم داود بن علي بن خلف أبو سليمان الأصبهاني، ولد سنة اثنين ومائتين وتوفي ببغداد سنة تسعين ومائتين وهو إمام الظاهرية أخذ العلم عن ابن راهويه، وأبي ثور [2] .

فائدة ليس في الرواة مالك بن أنس غير هذا الإمام وغير مالك بن أنس الكوفي، وأما الراوي عن الإمام مالك فهو أبو محمد عبد الله بن يوسف بتثليث السين مع الهمز ودونه المصري التنيسي شيخ البخاري، وتنيس بمثناة فوق مكسورة ثم نون مكسورة ثم مثناة تحت ساكنة ثم سين مهملة بلد بمصر سميت بتنيس بن حام بن نوح، أصله من دمشق ثم نزل تنيس ومنه سمع البخاري (( الموطأ ) )عن ص 46 مالك وسمع الأعلام مالكًا والليث وغيرهما، وعنه الأعلام يحيى بن معين والذهلي وغيرهما، وأكثر عنه البخاري في (( صحيحه ) )وقال كان أثبت الشاميين.

وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم، مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين، وليس في الكتب الستة عبد الله بن يوسف سواه.

فائدة هذا الإسناد كله مدنيون، خلا شيخ البخاري وفيه أيضًا رواية تابعي عن تابعي.

الوجه الرابع في ألفاظه ومعانيه وهو بيان لكيفية الوحي لا لكيفية بدو الوحي، فتنبه له

الأول أسلفنا أن الوحي أصله الإعلام في خفاء وسرعة، ثم الوحي في حق الأنبياء على ثلاثة أضرب

أحدها سماع الكلام القديم كسماع موسى عليه أفضل الصلاة والتسليم بنص القرآن ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بصحيح الآثار.

ثانيها وحي رسالة بواسطة الملك.

ثالثها وحي تلق بالقلب، وقيل كان هذا حال داود صلى الله عليه وسلم كقوله إن روح القدس نفث في روعي أي نفسي والوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل.

وذكر السهيلي أن في كيفية نزول الوحي على نبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع صور

الأول المنام. كما جاء في هذا الحديث [3] .

ثانيها أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس كما جاء فيه أيضًا [4] .

ثالثها أن ينفث في روعه الكلام كما جاء في الحديث السالف، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى {أن يكلمه الله إلا وحيًا} [الشورى51] هو أن ينفث في روعه بالوحي.

رابعها أن يتمثل له الملك رجلًا كما في هذا الحديث وقد كان يأتيه في صورة دحية.

خامسها أن يتراءى له جبريل في صورته التي خلقها الله تعالى، له ستمائة جناح ينتثر منها اللؤلؤ والياقوت.

سادسها أن يكلمه الله من وراء حجاب إما في اليقظة كليلة الإسراء، أو في النوم كما جاء في الترمذي مرفوعًا (( أتاني ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ) )الحديث.

وحديث عائشة الآتي (( فجاءه الملك فقال اقرأ ) )ظاهره أن ذلك كان يقظة، وفي (( السيرة ) ) (( فأتاني وأنا نائم ) )ويمكن الجمع أنه أتاه أولًا منامًا توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به.

وفي مسلم من حديث ابن عباس مكث عليه السلام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه.

سابعها وحي إسرافيل كما جاء عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء ثم وكل به جبريل، وأنكر الواقدي وغيره وكله به غير جبريل.

وقال أحمد بن محمد البغدادي أكثر ما في الشريعة مما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل عليه السلام.

وحكى القرافي خلافًا للعلماء في ابتداء الوحي هل كان جبريل عليه السلام ينقل له ذلك عن الله تعالى أو يخلق له علم ضروريًا بأن الله تعالى طلب منه أن يأتي محمدًا وغيره من الأنبياء بسور كذا، أو خلق له علمًا ضروريًا بأن يأتي اللوح المحفوظ فينقل منه كذا.

الثاني قوله (( أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس ) )ص 47 الأحيان الأوقات جمع حين يقع على القليل والكثير، والصلصلة بفتح المهملتين الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهله [5] ، الخطابي يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا ينتبه أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد.

قيل الحكمة في ذلك أن يتفرع سمعه، ولا يبقى فيه مكان لغير صوت الملك ولا في قلبه، ولذلك قال المهلب يعني قوة صوت الملك الوحي ليشغله عن أمور الدنيا، وتفرغ حواسه فلا يبقى في سمعه ولا قلبه مكان لغير صوت الملك.

قال أبو الحسن علي بن بطال وعلى مثل هذه الصفة تتلقى الملائكة الوحي من الله تعالى، وذكر البخاري في التوحيد عن ابن مسعود إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق الحديث.

وعن أبي هريرة قال (( إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا الحديث ) )، وقيل معنى فزع كشف. وهو دال على أنه يصيبهم فزع شديد من شيء يحدث من أمر الله تعالى، والمراد بالحق الوحي.

الوجه الثالث أسلفنا أن الصلصلة الصوت، قال أبو علي الهجري في (( أماليه ) )الصلصلة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين، وما أشبه ذلك صوته.

وفي (( المحكم ) )صل يصل صليلًا، وصلصل صلصلة وتصلصلًا صوت. فإن توهمت ترجيع صوت قلت صلصل وتصلصل. وعبارة القاضي الصلصلة صوت الحديد فيما له طنين. وقيل معنى الحديث هو قوة صوت حفيف أجنحة الملائكة ليشغله عن غير ذلك.

ويؤيده الرواية الأخرى (( كأنه سلسلة على صفوان ) )أي حفيف الأجنحة. والجرس هو الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب، كره عليه السلام صحبته في السفر؛ لأنه مزمار الشيطان كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. وقيل كرهه لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان يحب ألا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، واشتقاقه من الجرس أي الصوت والحس.

الوجه الرابع

قوله (( أحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا ) )يحتمل تمثيل جبريل له رجلًا أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثم أعاده إليه، ويحتمل أنه يزيله عنه ثم يعيده إليه بعد التبليغ، نبه على ذلك إمام الحرمين، وأبدى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام سؤالًا، فقال إن قيل إذا لقي جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد الذي له ستمائة جناح، فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كان في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المتشبه بجسد دحية؟

ثم أجاب بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته فيبقى الجسد حيًا لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، قال وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، ولا يلزم في غيرهم.

قال والدي رحمه الله

قال المتكلمون الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل بأي شكل شاءوا.

أقول ولا يحتاج إلى هذا النظر بل ويندفع الإشكال بأن الملك الذي يشكل في صورة دحية هو صاحب الستمائة جناح فصورته وشكله يختلف وحقيقة هي هي ص 48 فليس هناك مفارقة روح لجسد ولا اتصاله بآخر وهذا طاهر لا غبار عليه فتأمل.

قال والدي رحمه الله

فإن قلت السؤال عن كيفية إتيان الوحي والجواب على النوع الثاني عن كيفية الحامل للوحي. قلت لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفية حامله ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعرة بكيفية الوحي حيث قال فيكلمني أي تارة تكون كالصلصلة وتارة تكون كلامًا صريحًا ظاهر الفهم.

فإن قلت فلم قال في الأول وعيت ما قال بلفظ الماضي وفي الثاني فأعي ما يقول بلفظ المضارع. قلت لأن في الأول حصل الوعي قبل الفصم ولا يتصور بعده وفي الثاني الوعي حال المكالمة ولا يتصور قبلها أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حاله الجبلية كان حافظًا فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة أو يقول لفظه قد تقرب الماضي إلى الحال فأعي فعل مضارع للحال، فهذا لما كان صريحًا بحفظه في الحال وذاك بقرب من أن يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات.

وقد بين لنا من هذا الحديث أن الوحي كان يأتيه على صنفين أو لا مما أشد من الأخرى وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فتوحي إليه كما يوحي إلى الملائكة والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته وكانت هذه أيسر انتهى.

قال ابن الملقن

الوجه الخامس قوله (( فيفصم عني ) )فيه روايات أصحها (( يفصم ) )بفتح المثناة تحت وإسكان الفاء وكسر الصاد، الخطابي معناه يقلع وينجلي ما يغشاني منه، قال وأصل الفصم القطع وقيل إنه القطع بلا إبانة، وبالقاف قطع مع إبانة. فمعنى الحديث أن الملك فارقه ليعود.

الثانية بضم أوله وفتح ثالثه.

والثالثة بضم أوله وكسر ثالثه من أفصم المطر إذا أقلع رباعي، وهي لغة قليلة.

السادس قوله (( وعيت عنه ) )أي فهمت وجمعت وحفظت. قال صاحب (( الأفعال ) )وعيت العلم حفظته، ووعيت الأذان سمعته، وأوعيت المتاع جمعته في الوعاء.

قال ابن القطاع وأوعيت العلم مثل وعيته، وقوله تعالى {والله أعلم بما يوعون} [الانشقاق23] ، أي يضمرون في قلوبهم من التكذيب، وقال الزجاج بما يحملون في قلوبهم.

السابع قوله (( يتمثل ) )أي يتصور وانتصب (( رجلًا ) )على التمييز، والملك بفتح اللام المراد به واحد الملائكة، ويقال للجمع أيضًا.

الثامن قوله (( وإن جبينه ليتفصد عرقًا ) )الجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، والصدغ ما بين اللحاظ إلى أصل الأذن، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ويتفصد بالفاء والصاد المهملة يسيل.

و (( عرقًا ) )منصوب على التمييز، والمعنى أن الوحي إذا كان ورد عليه يجد له مشقة ويغشاه كرب لثقل ما يلقى عليه، قال تعالى {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل5] ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء يعني البهر والعرق من الشدة، وإنما كان ذلك ليبلو صبره ويحسن تأديبه، ويرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة.

التاسع ذكر في هذا الحديث حالين من أحوال الوحي [6] وهما ص 49 (( مثل صلصلة الجرس ) )، وتمثيل الملك رجلًا، ولم يذكر الرؤيا في النوم مع إعلامه لنا أن رؤياه حق لوجهين

أحدهما أن الرؤيا الصالحة قد يشركه فيها غيره بخلاف الأولين.

ثانيهما لعله علم أن قصد السائل بسؤاله ما خص به ولا يعرف إلا من جهته.

العاشر في الحديث إثبات الملائكة، والرد على من أنكرهم من الملحدة والفلاسفة.

الحادي عشر فيه دلالة على أن الصحابة كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان عليه السلام يجمعهم ويعلمهم وكانت طائفة تسأل وأخرى تحفظ وتؤدي.

[1] في هامش المخطوط وكانت تحب أن تدخل النساء من أهلها في شوال على أزواجهن وتقول هل كان في نسائه عنده أحظى مني وقد نكحني وابتنى بي في شوال.

[2] في هامش المخطوط وقد جمعهم الشاعر

[3] في هامش المخطوط أقول قال القادري في كتابه تعبير الرؤيا على أن أكبر الأنبياء كانوا يشاهدون الملك إلا المحصورون منهم، وإنما كان يوحى إليهم في النوم انتهى.

[4] في هامش المخطوط فإن قلت ما الحكمة في أنه قال مثل صلصلة الجرس ولم يشبهه بشيء آخر قلت هذا سؤال لا يتجه لأنه حكى عليه السلام أنه سمع من الملك صوتًا مثل صلصلة الجرس فلا معنى للسؤال لم قال مثل صلصلة الجرس ولم يقل مثل صوت غيره فيسأل الملك لم صوت صوتًا يشبه صلصلة الجرس وهذا خلف لا يتجه.

[5] في هامش المخطوط أقول فإن قلت ما الحكمة في أنه شبهه بصوت الجرس دون غيره من الأصوات وصوت الجرس مكبر وما ذكره المؤلف قلت قصد بذلك تفهيم السامعين بشيء يعرفونه ويسمعون حسه في .... قال السهيلي كان يأتيه الوحي في أحوال مختلفة فمنها النوم ومنها أن ينفث في روعه الكلام نفثًا ومنها أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس. وقيل إن ذلك ليستجمع به قلبه عند تلك الصلصلة فيكون أوعى لما يسمع وأبقى لما يلقى ومنها أن يقبل له الملك رجلًا وكان يأتيه في صورة دحية ومنها أن يتراءى له جبريل في صوره التي خلقه الله فيها له ستمائة جناح منها اللؤلؤ والياقوت ومنها أن يكلمه الله من وراء حجاب أما في اليقظة كما كلمه ليلة الإسراء أو في النوم كما في حديث معاذ الذي رواه (ت) قال أتاني ربي في أحسن صورة الحديث ... فهذه ست أحوال وحالة سابعة وهي نزول إسرافيل بكلمات من الوحي قبل نزول جبريل فهذه سبع صور في كيفية نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم كما في (( الروض ) ).

[6] في هامش المخطوط قال ابن الأثير في (( النهاية ) )الوحي يقع على الكتابة والإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، يقال وحيت إليه الكلام وأوحيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت