الحديث الثالث
3 -4 - قوله ثنا يحيى بن بكير بسنده عن عائشة أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث.
الكلام عليه من وجوه
أحدها هذا الحديث من مراسيل الصحابة. فإن عائشة لم تدرك هذه القضية فروتها إما سماعًا من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من صحابي آخر.
ثانيها هذا الحديث أخرجه (خ) في التفسير والتعبير، عن عبد الله بن محمد، وفي التفسير، عن سعيد بن مروان، وفي الأيمان عن ابن رافع.
ثالثها في رواته أما عائشة وعروة فسلفا، وأما ابن شهاب فهو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، سكن الشام وهو تابعي صغير، سمع أنسًا وربيعة بن عباد وخلقًا من الصحابة، وسعيد بن المسيب وخلقًا من كبار التابعين، ورأى ابن عمر، وروى عنه، ويقال سمع منه حديثين، وعنه جماعات من كبار التابعين واتفقوا على جلالته وصح عنه أنه أخذ القولين في ثمانين ليلة وجمع علم التابعين.
قال الشافعي لولا الزهري ذهبت السنن من المدينة. مات بالشام وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها شغب وبدا في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، ابن اثنتين وسبعين سنة.
أقول قال ياقوت الحموي شغب بدون ألف، قيل هي قرية الزهري ضيعة خلف وادي القرى انتهى.
قال ابن الملقن
وأما الراوي عنه فهو أبو خالد، عقيل بضم العين كما سلف بن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي بالمثناة تحت، القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان، روى عن عكرمة والقاسم والزهري وخلق، وعنه الليث وغيره.
قال يحيى بن معين أثبت من روى عن الزهري مالك ثم معمر ثم عقيل. وقيل عقيل أثبت من معمر، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل سنة أربع بمصر فجأة، وليس في الكتب الستة من اسمه عقيل بضم العين غيره.
وأما الراوي عنه فهو أبو الحارث، الليث بن سعد الفهمي مولاهم المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وقيل مولى خالد بن ثابت، وفهم بن قيس غيلان، ولد بقرقند [1] على نحو أربع فراسخ من بلدنا مصر سنة ثلاث أو أربع وتسعين، سمع عطاء وابن أبي مليكة وخلقًا. وعنه قتيبة، وخلائق من التابعين.
وإمامته وبراعته وجلالته مجمع عليه، ووصفه الشافعي بكثرة الفقه، إلا أنه ضيعه أصحابه يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها وكان دخله في السنة ثمانين ألف دينار وما وجبت عليه زكاة قط، ولما قدم المدينة أهدى إليه مالك من طرفها، فبعث إليه ألف دينار.
قال يحيى بن بكير كان الليث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك، وقال ابن وهب ما كان في كتب مالك أخبرني من أرضى من أهل العلم فهو الليث.
وقال أيضًا لولا أن الله أنقذني به وبمالك لضللت، ص 50 ومناقبه جمة.
قال الشافعي ما ندمت على أحد ما ندمت على الليث.
مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقبره بمصر يزار، وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه، نعم في الرواة ثلاثة غيره
أحدهم مصري وكنيته أبو الحارث أيضًا، وهو ابن أخي سعيد بن الحكم. ثانيهم يروي عن ابن وهب. وثالثهم تنيسي حدث عن بكر بن سهل.
وأما الراوي عنه فهو أبو زكريا، يحيى بن عبد الله بن بكير، نسبه البخاري إلى جده، القرشي المخزومي مولاهم، المصري الحافظ المفتي، الثقة روى عن مالك والليث وغيرهما، وعنه (خ) وابن معين وغيرهما، وهو راوي (( الموطأ ) )عن مالك، وقد تكلم أهل الحديث في سماعها منه ولد سنة أربع وقيل خمس وخمسين ومائة، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
واعلم أن البخاري روى عن يحيى هذا في مواضع، وروى عن محمد بن عبد الله هو الذهلي عنه. قال المقدسي نسبه إلى جده بكر كنيته، وتارة يقول ثنا محمد ولا يزيد عليه، وتارة محمد بن عبد الله، وإنما هو محمد بن عبد الله بن خالد بن فارس ابن ذؤيب الذهلي، وتارة ينسبه إلى جده فيقول محمد بن عبد الله، وتارة محمد بن خالد فتنبه لذلك.
وروى مسلم عن أبي زرعة عنه أعني عن بكير حديثًا، وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قال النسائي ليس بثقة. ووثقه غيره. وأخرج له مسلم عن الليث، وعن يعقوب بن عبد الرحمن، والمغيرة، ولم يخرج له عن مالك شيئًا.
فائدة هذا الإسناد على شرط الستة إلا يحيى هذا، فعلى شرط البخاري ومسلم، وكلهم ما بين مصري ومدني كما عرفته وفيه من الطرف رواية تابعي عن تابعي وهما الزهري وعروة.
الثالث في فوائده
الأول قولها (( من الوحي ) )في (( من ) )ههنا قولان
أحدهما أنها لبيان الجنس.
وثانيهما للتبعيض، قال القزاز بالأول، كأنها قالت من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (( من ) )للتبعيض، ورده القاضي، وقال بل يجوز أن تكون للتبعيض، لأنها من الوحي، كما جاء في الحديث أنها جزء من النبوة. والوحي إعلام فرؤيا المنام إعلام وإنذار وبشارة، ورؤيا الأنبياء حق.
الثاني جاء هنا (( الرؤيا الصالحة ) )، وفي مسلم (( الصادقة ) )، وكذا رواه (خ) في التعبير أيضًا، وقال شيخنا في شرحه هنا بلفظ (( الصادقة ) )وهما بمعنى، وكأنه من طغيان القلم، فإنه بعد أن ساقه قال جاء هنا (( الصالحة ) )وفي مسلم (( الصادقة ) )وقد ساقه البخاري في التعبير كما ساقه مسلم.
وذكر ابن المرابط أن رواية معمر ويونس (( الصادقة ) ). قال وهي التي لم يسلط عليه فيها ضغث ولا تلبيس شيطان، وقال المهلب الرؤيا الصالحة هي تباشير النبوة لأنه لم يقع فيها ضغث فيتساوى مع الناس في ذلك بل خص صلى الله عليه وسلم بصدقها كلها، قال ابن عباس رؤيا الأنبياء وحي، وقرأ {إني أرى في المنام أني أذبحك} [الصافات12] .
وكان عليه السلام تنام عينه دون قلبه، فكان صدق الرؤيا في النوم في ابتداء النبوة مع رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة كرامةً له منه.
قال القاضي وغيره وإنما ابتدئ عليه السلام بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها قوى البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا مع سماع الصوت وغيره.
الثالث الرؤيا قال أهل ص 51 اللغة يقال رأى في منامه رؤيا، بلا تنوين كحبلى، وجمعها رؤًى بالتنوين على وزن رعًى.
الرابع في هذا تصريح من عائشة بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم من جملة أقسام الوحي، وهو محل وفاق.
الخامس قولها (( مثل فلق الصبح ) )مثل منصوب على الحال أي جاءت الرؤيا مشبهة فلق الصبح أي ضياءه إذا انفلق وانحاز عن ظلام الليل، وذلك حتى يتضح فلا يشك فيه.
قال أهل اللغة فلق الصبح وفرقه بفتح أولهما وثانيهما ضياؤه. أي إنارته وإضاءته، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البين، يقال هو أبين من فلق الصبح، وإنما عبرت عن صدق الرؤيا بفلق الصبح ولم تعبر بغيره؛ لأن شمس النبوة كان مبادئ أنوارها الرؤيا، إلى أن تم برهانها وظهرت أشعتها.
السادس قولها (( ثم حبب إليه الخلاء ) )هو بالمد أي الخلوة، وهو شأن الصالحين، والحب الميل. الخطابي إنما حبب إليه الخلاء؛ لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، والبشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، فحبب إليه الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مرادًا سهلًا لا حزنًا وعرًا، ولمثل هذا المعنى كانت مطالبة الملك له بالقراءة وضغطه.
وقال ابن المرابط تحبيبها له قيل إنه من وحي الإلهام، فكان يخلو بغار حراء اعتبارًا وفكرة، كاعتبار إبراهيم لمناجاة ربه، والضراعة إليه، ليريه السبيل إلى عبادته.
السابع الغار النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف، وجمعه غيران، وتصغيره غوير، والمغار والمغارة بمعنى الغار.
الثامن حراء بكسر المهملة وتخفيف الراء والمد، وهو مصروف على الصحيح، ومنهم من منع صرفه، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره فهذه ست لغات [2] .
القاضي يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ويمنع، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه ومن أنثه منعه، يعني على إرادة البقعة، وضبطه الأصيلي بفتح الحاء والقصر وهو غريب، وهو جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال عن يسارك إذا سرت إلى منًى.
فائدة حراء هو الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ثبير اهبط عني فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب إلي يا رسول الله.
فلعل هذا هو السر في تخصيصه التحنث به من بين سائر الجبال، وقال أبو عبد الله بن أبي جمرة لأنه يرى بيت الله منه، وهو عبادة، وكان منزويًا مجموعًا لتحنثه.
فائدة ذكر الكلبي أن حراء وثبيرًا سميا بابني عم ابن عاد الأولى.
التاسع قولها (( وكان يخلو بغار حراء ) ). هذا هو الذي نعرفه هنا في البخاري، وأبدل بعض شيوخنا لفظة (( يخلو ) )بـ (( يجاور ) )ثم تكلم على مادة جاور وشرع ينقل الفرق بينه وبين الاعتكاف، بأن المجاورة قد تكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف ولا حاجة إلى ذلك كله.
نعم لفظ الجوار ورد في حديث جابر في كتاب التفسير كما ستعلمه، وفي مسلم (( جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري ) )الحديث.
العاشر قولها (( فيتحنث فيه [3] ) ). هو بحاء مهملة ثم نون ثم مثلثة، وقد فسر في الحديث بأنه التعبد، وأصله اجتناب الحنث وهو الإثم فكأن المتعبد يلقي بعبادته عن نفسه الإثم.
وقال ابن هشام التحنث التحنف يبدلون الفاء من الثاء يريدون الحنيفية، وقال أبو أحمد العسكري رواه بعضهم يتحنف بالفاء، ثم نقل عن بعض أهل العلم أنه قال سألت أبا عمرو الشيباني عن ذلك فقال لا أعرف يتحنث، إنما هو يتحنف من الحنيفية ص 52 أي يتتبع دين الحنيفية، وهو دين إبراهيم عليه السلام.
وقال المازري يتحنث يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، والحنث الذنب ومثله تحرج، وتأثم، وتحوب، إذا ألقى ذلك عن نفسه، وفعل فعلًا يخرج به عن الحرج والإثم والحوب، ومنه قوله فأخبر بها معاذ تأثمًا، وقد ألحق تهجد بها إذا خرج من الهجود وهو النوم بالصلاة، كما يقال تحنث إذا احتنثه وتنجس إذا فعل به فعلًا يخرج به من النجاسة.
وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال؛ لأن غيرها من الأفعال إنما يكون بفعل فيه بمعنى تكسب، لا بمعنى ألقى.
قال السهيلي التحنث التبرر، تفعل من البر، وتفعل يقتضي الدخول في الشيء مثل تفقه وتعبد وتنسك، وقد جاءت ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وإطراحه، كالتأثم والتحرج والتحنث بالثاء؛ لأنه من الحنث، والحنث الحمل الثقيل وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر.
وأما التحنف بالفاء فهو من باب التبرر؛ لا من الحنيفية دين إبراهيم، وإن كانت الفاء مبدلة من الثاء فهو من باب التقذر والتأثم، ذكر الأخفش ثلاثة ووجدنا غير ذلك وهي تحنث تجنب والجور وتحوب تجنب الحوب. قلت والحاصل ثمانية ألفاظ تحنث، وتأثم، وتحرج، وتحوب، وتهجد، وتنجس، وتقذر، وتحنف.
الحادي عشر قولها (( وهو التعبد ) )يحتمل أن يكون من تفسير عائشة وأن يكون من تفسير من دونها.
الثاني عشر قولها (( الليالي ) )هو متعلق بيتحنث أي يتحنث الليالي لا بالتعبد؛ لأنه يفسد المعنى حينئذ فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي بل يطلق على القليل والكثير، والليالي منصوب على الظرف.
الثالث عشر عبادته عليه السلام قبل البعثة هل كان بشريعة أحد أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم وعزي الثاني إلى الجمهور، وإنما كان يتعبد بما يلقى إليه من نور المعرفة. واختار ابن الحاجب والبيضاوي أنه كلف التعبد بشرع.
واختلف القائلون بالثاني هل ينتفي ذلك عنه عقلًا أم نقلًا فقيل بالأول؛ لأن في ذلك تنفيرًا عنه ومن كان تابعًا فبعيد منه أن يكون متبوعًا وهذا خطأ كما قال المازري فالعقل لا يحيل ذلك، وقال حذاق أهل السنة بالثاني؛ لأنه لو فعل لنقل؛ لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله ولافتخر به أهل تلك الشريعة.
والقائل بالأول اختلف فيه على ثمانية أقوال
أحدها أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم.
ثانيها بشريعة موسى.
ثالثها بشريعة عيسى.
رابعها بشريعة نوح.
خامسها بشريعة آدم.
سادسها أنه كان يتعبد بشريعة من قبله من غير تعيين.
سابعها أن جميعه شرع له. حكاه بعض شراح (( المحصول ) )عن المالكية.
ثامنها الوقف في ذلك وهو مذهب أبي المعالي.
وقوله ص 53 تعالى {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم} [النحل123] ، المراد في توحيد الله وصفاته، أو المراد اتباعه في المناسك، كما علم جبريل إبراهيم، ولا خلاف أنه عليه السلام قبل نبوته وسائر الأنبياء منشرحو الصدر بالتوحيد والإيمان، فإنه لا يليق بهم الشك في شيء من ذلك ولا الجهل به، ولا خلاف في عصمتهم من ذلك.
فإن قلت ما كان صفة تعبده؟ قلت لم أر فيه نقلًا، وسمعت بعض مشيختنا يقول سمعت الشيخ أبا الصبر أيوب السعودي يقول سألت سيدي أبا السعود بم كان صلى الله عليه وسلم يتعبد في حراء؟ فقال بالتفكر.
فرع اختلف الأصوليون هل كلف بعد النبوة بشرع أحد من الأنبياء؟
والأكثرون على المنع، وقيل بل كان مأمورًا بأخذ الأحكام من كتبهم ويعبر عنه بأن شرع من قبلنا شرع لنا، واختاره ابن الحاجب، وللشافعي في المسألة قولان، أصحهما الأول، واختاره الجمهور.
الرابع عشر قولها (( قبل أن ينزع ) )هو بكسر الزاي أي يرجع، وقد رواه (م ) ) كذلك فقال نزع إلى أهله إذا حن إليهم فرجع إليهم، ونزعوا إليه حنوا إليه، وهل نزعك غيره؟ أي هل جاء بك وجذبك سواه! ونزع بالفتح ينزع بالكسر ثالثه.
قال صاحب (( الأفعال ) )والأصل في فعل يفعل إذا كان صحيحًا وكانت عينه ولامه حرف حلق أن يكون مضارعه مفتوحًا إلا أفعالًا يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل جنح يجنح، ودبغ يدبغ، وإلا ما جاء من قولهم نزع ينزع بالفتح والكسر، وهنأ يهنئ.
الخامس عشر قولها (( يتزود ) )قال أهل اللغة الزاد هو الطعام الذي يستصحبه المسافر ويقال زودته فتزود.
السادس عشر فيه مشروعية اتخاذ الزاد ولا ينافي التوكل، فقد اتخذه سيد المتوكلين.
السابع عشر قولها (( ثم يرجع فيتزود لمثلها ) )الضمير في مثلها يعود إلى الليالي، وخديجة رضي الله عنها سيأتي ترجمتها.
الثامن عشر قولها (( حتى جاءه الحق ) ). أي الأمر الحق وهو الوحي، وللبخاري في التفسير، ولمسلم (( حتى فجئه الحق ) ). أي أتاه بغتة، يقول فجئ يفجأ بكسر الجيم في الأول وفتحها في المضارع، وفجأ يفجأ فيهما، قوله (( جاءه الملك ) )يعني جبريل.
فائدة روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك عليه بحراء يوم الاثنين، لسبع عشرة خلت من رمضان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن أربعين سنة.
التاسع عشر قوله عليه السلام (( ما أنا بقارئ ) )ما هنا نافية، واسمها أنا وخبرها (( بقارئ ) )والباء زائدة لتأكيد النفي؛ أي ما أحسن القراءة، وقد جاء في رواية (( ما أحسن أن أقرأ ) )وغلط من جعلها استفهامية فإنه جاء في رواية لابن إسحاق (( ما أقرأ؟ ) )أي أي أقرأ؟ ولا دلالة فيه؛ لجواز أن تكون ما هنا نافية أيضًا.
قال السهيلي قوله (( ما أنا بقارئ ) )أي أنا أمي، ولا أقرأ الكتب، قالها ثلاثًا، فقيل له {اقرأ باسم ربك} أي إنك لا تقرؤه بحولك ولا بصفة نفسك ولا بمعرفتك، ولكن اقرأه مفتتحًا باسم ربك مستعينًا به، فهو يعلمك كما خلقك، ونزع عنك علق الدم، ومغمز الشيطان بعدما خلقه فيك كما خلقه في كل إنسان.
فالآيتان المتقدمتان لمحمد والآخرتان لأمته وهما قوله {الذي علم بالقلم} [العلق4 5] لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم، وتعلمه نبيهم تلقيًا من جبريل نزله على قلبه بإذن الله ليكون من المرسلين.
العشرون قوله ص 54 (( فغطني ) )هو بغين معجمة، ثم طاء مهملة مشددة أي عصرني وضمني، يقال غطني، وغتني، وضغطني، وعصرني، وغمرني، وخنقني، كله بمعنًى.
الخطابي ومنه الغط في الماء، وغطيط النائم، وهو ترديد النفس إذا لم يجد مساغًا عند انضمام الشفتين، وقيل الغت حبس النفس مرة وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف. والغط الخنق وتغييب الرأس في الماء، قال والغط الخنق. وعبارة الداوودي معنى غطني صنع بي شيئًا حتى ألقاني إلى الأرض كمرء تأخذه الغشية.
الخطابي وفي رواية (( فسأبني ) )والسأب الخنق.
قال السهيلي ويروى أيضًا (( فسأتني ) )فهذه ثلاث روايات، قال وأحسبه يروى أيضًا (( فذعتني ) )وكلها بمعنى واحد وهو الخنق، والغم، ومن الذعت حديثه أن الشيطان عرض له وهو يصلي (( فذعته حتى وجدت برد لسانه ) )قال وكان في ذلك إظهارًا للشدة والجد في الأمر، وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة، فإنه أمر ليس بالهوينا.
قال وعلى رواية ابن إسحاق أن هذا اللغط كان في النوم، يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولًا ثم يأتي الفرج والروح.
الحادي والعشرون فيه المبالغة في السنة والحض على التعليم ثلاثًا، بما فيه ... كما قيل الشارع أذن ابن عباس في إدارته على المنبه في الصلاة، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم عنه، وانتزع شريح القاضي من هذا الحديث ألا يضرب الصبي إلا ثلاثًا على القرآن، كما غط جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم ثلاثًا.
الثاني والعشرون قوله (( بلغ مني الجهد ) )يجوز في الجهد ضم الجيم وفتحها ونصب الدال ورفعها، ومعناه الغاية والمشقة، فعلى الرفع معناه بلغ الجهد مبلغه، فحذف مبلغه، وعلى النصب معناه بلغ الملك مني الجهد.
قال في (( المحكم ) )الجهد والجهد الطاقة، وقيل الجهد المشقة، والجهد الطاقة، وفي (( الموعب ) )الجهد ما جهد الإنسان من مرض أو من مشاق، والجهد أيضًا بلوغك غاية الأمر الذي لا يألو عن الجهد فيه، وجهدته بلغت مشقته وأجهدته على أن يفعل كذا.
وقال ابن دريد جهدته حملته على أن يبلغ مجهوده. وقال ابن الأعرابي جهد في العمل وأجهد. وقال أبو عمرو أجهد في حاجتي وجهد، وقال الأصمعي جهدت لك نفسي، وأجهدت نفسي.
الثالث والعشرون الحكمة في الغط شغله عن الالتفات إلى شيء من أمور الدنيا، والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له، وقيل أراد أن يوقفه على أن القراءة ليست من قدرته، ولو أكره، وكلما أمره بالقراءة فلم يفعل شدد عليه، فلما لم يكن عنده ما يقرأ كان تنبيهًا له على أن القراءة ليست من قدرته ولا من طاقته، فكان الغط تنبيهًا له كقوله تعالى {وما تلك بيمينك يا موسى} [طه17] ، لئلا يلحقه ريب عند انقلابها حية، فلذلك أراد جبريل أن يعلمه أن ما ألقي إليه ليس في قدرته إذ قد عجز بعد الثلاث، وهي حد الإعذار.
وقد روى ابن سعد أنه عليه السلام كان يقول (( كان الوحي يأتيني على نحوين ص 55 يأتيني به جبريل فيلقيه كما يلقي الرجل على الرجل، فذاك ينفلت مني، ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي، فذلك الذي لا ينفلت مني ) )وقيل سببه أن التخيل والوهم والوسوسة إنما تقع بالنفوس لا بالجسم فوقع ذلك بجسمه؛ ليعلم أنه من الله تعالى.
الرابع والعشرون يؤخذ منه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم، وأمره بإحضار قلبه.
الخامس والعشرون قوله (( {اقرأ باسم ربك} ) )هذا دليل الجمهور أنه أول ما نزل، وقول من قال إن أول ما نزل {يا أيها المدثر} [المدثر1] ، عملًا بالرواية الآتية محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي، كما هو ظاهر إيراد الحديث.
وأبعد من قال إن أول ما نزل الفاتحة. وجمع بعضهم بين القولين الأولين بأن قال يمكن أن يقال أول ما نزل من التنزيل في تنبيه الله على صفة خلقه {اقرأ} ، وأول ما نزل من الأمر بالإنذار {يا أيها المدثر} .
وذكر ابن العربي عن كريب قال وجدنا في كتاب ابن عباس أول ما نزل من القرآن بمكة اقرأ، والليل، ونون، ويا أيها المزمل، ويا أيها المدثر، وتبت، وإذا الشمس، والأعلى، والضحى، وألم نشرح، والعصر، والعاديات، والكوثر، والتكاثر، والدين، والكافرون، ثم الفلق، ثم الناس، ثم ذكر سورًا كثيرة، ونزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكة.
وقال السخاوي ذهبت عائشة والأكثر إلى أن أول ما نزل {اقرأ باسم ربك} إلى قوله {ما لم يعلم} ثم {ن والقلم} إلى قوله {ويبصرون} و {يا أيها المدثر} ، والضحى، ثم نزل باقي سورة اقرأ بعد {يا أيها المدثر} ، و {يا أيها المزمل} .
أقول فإن قلت كيف تكلف بالقراءة ومن المعلوم لجبريل أنه أمي، وكان الظاهر أن يقال له أول وهلة اقرأ باسم ربك فلو تأبى كان يغط. قلت والله أعلم أن الغط لم يكن للقراءة، وإنما قال للتنويه والاستحضار لما يؤمر به من الله تعالى.
فإن قلت كيف ومع الخلاف في نزول اقرأ قبل المزمل والمدثر أم بالعكس مع أن المدثر والمزمل كلاهما يدلان على أنه وقع منه التدثر والتزمل، وذلك لم يكن إلا بسبب نزول جبريل باقرأ، ولا يمكن أن يكون يخاطب بالمدثر والمزمل قيل أن يزيل ويدثر هذا مشكل فقطعًا ينبغي أن يقال أن اقرأ مقدم نزوله على المدثر والمزمل.
قال ابن الملقن
السادس والعشرون قولها (( فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ) ). الضمير في (( بها ) )إلى الآيات قوله {اقرأ باسم ربك} إلى آخرهن. ويرجف يخفق. والرجفان شدة التحرك والاضطراب.
قال صاحب (( المحكم ) )رجف الشيء يرجف رجفًا ورجوفًا ورجفانًا ورجيفًا، وأرجف خفق واضطرب اضطرابًا شديدًا.
السابع والعشرون الفؤاد القلب على المشهور، وفي قول إنه عين القلب، وفي قول باطنه. وفي قول غشاؤه. فهذه أربعة أقوال.
وقال الليث القلب مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط، سمي قلبًا لتقلبه وإنما سمي القلب إلا من تقلبه.
الثامن والعشرون قوله عليه السلام (( زملوني زملوني ) )هكذا هو في الروايات بالتكرار، والتزمل الاشتمال والتلفف، ومثله التدثر، ويقال لكل ما يلقى على الثوب يلي الجسد دثار، وأصلهما المتدثر والمتزمل، أدغمت التاء فيما بعدها، وجاء في أثر أنهما في أسمائه عليه السلام، وقال ذلك عليه السلام؛ لشدة ما لحقه من هول ص 56 الأمر، وشدة الضغط، ولولا ما جبل عليه عليه السلام من الشجاعة والقوى ما استطاع تلقي ذلك؛ لأن الأمر جليل.
وللبخاري في التفسير من حديث جابر، ومسلم أيضًا (( دثروني وصبوا علي ماءً باردًا ) )، فنزلت {يا أيها المدثر} .
أقول فإن قلت التدثير ينافي صب الماء البارد فإنه لا يخلو إما إن حصل له قشعريرة من الهول والخوف فما رأي ما لم يكن يره فيناسبه دثروني وإما أن يكون حصل حرارة وعرق كما سبق فيناسبه صبوا علي ماء فالجمع بينهما كيف يكون؟ قلت يحتمل أنه في أول جوفه حصل له قشعريرة فقال دثروني ثم حصل له حرارة فقال صبوا علي ماء باردًا ومثل هذا ما يعرض للمحموم حمى الريع وغيرها يقشعر أولًا ثم يسخن آخرًا والله أعلم.
قال ابن الملقن
التاسع والعشرون ينعطف على ما مضى. قال السهيلي وفي قوله {اقرأ باسم ربك} دليل من الفقه وجوب استفتاح القراءة ببسم، غير أنه أمر مبهم لم يتبين له بأي اسم من أسمائه يستفتح حتى جاء البيان بعد بقوله {بسم الله مجراها} [هود41] ثم في قوله {وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل3] ، ثم بعد ذلك كان ينزل جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة [4] .
وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصحابة على ذلك، وحين نزلت {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة1] سبحت الجبال، فقالت قريش سحر محمد الجبال، ذكره النقاش، وإن صح فلذلك معنى وذلك أنها آية أنزلت على آل داود عليه السلام، وقد كانت الجبال تسبح معه بنص القرآن العظيم.
الثلاثون ذكر ابن إسحاق في (( السيرة ) )أن جبريل أتاه بنمط من ديباج فيه كتاب، وهو دليل وإشارة إلى أن هذا الكتاب به يفتح على أمته ملك الأعاجم ويسلبونهم الديباج والحرير الذي كان زينتهم وبه ينال أيضًا ملك الآخرة، إذ لباس أهل الجنة فيها الحرير.
وفي سير موسى بن عقبة، وسليمان بن المعتمر وأتاه بدرنوك من ديباج منسوج بالدر والياقوت فأجلسه عليه غير أن موسى بن عقبة قال ببساط. وقال ابن المعتمر فمسح جبريل عليه السلام صدره وقال اللهم اشرح صدره، وارفع ذكره، وضع عنه وزره. ويصححه قوله تعالى {ألم نشرح لك صدرك} ، كأنه يشير إلى الدعاء الذي كان من جبريل.
فائدة قال بعض المفسرين في قوله تعالى {الم* ذلك الكتاب} [البقرة1 _ 2] إنه إشارة إلى الكتاب الذي جاء به جبريل حين قال له اقرأ.
الحادي والثلاثون قولها (( فزملوه حتى ذهب عنه الروع ) )بفتح الراء الفزع، قال صاحب (( المحكم ) )الروع والرواع والتروع الفزع. وقال الهروي هو بالضم موضع الفزع من القلب.
الثاني والثلاثون كونه لم يخبر بشيء حتى ذهب عنه الروع، يؤخذ منه أن الفازع لا ينبغي أن يسأل عن شيء حتى يزول عنه فزعه، حتى قال مالك إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره.
الثالث والثلاثون قوله (( لقد خشيت على نفسي ) )ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله تعالى، كما قال القاضي، لكنه خشي أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر ولا يطيق حمل ص 57 أعباء الوحي، فتزهق نفسه لشدة ما لقيه أولًا عند لقاء الملك.
أقول ينافيه قول خديجة لا يحزنك الله أبدًا إنك لتصل الرحم .. الحديث، فإنه لو كان خائفًا من عدم طاقته لأعباء النبوة لما يأتيه قولها إنك لتصل الرحم فافهمه.
قال ابن الملقن أو يكون هذا أول ما رأى التباشير في النوم واليقظة وسمع الصوت قبل لقاء الملك، وتحققه رسالة ربه، فيكون خاف أن يكون من الشيطان، فأما بعد أن جاءه الملك برسالة ربه فلا يجوز الشك عليه ولا يخشى تسلط الشيطان عليه. وضعف النووي هذا الاحتمال؛ لأنه جاء في الحديث مبينًا أنه كان بعد غط الملك وإتيانه بـ {اقرأ} .
ويحتمل أن يكون معنى الخشية الإخبار بما حصل له أولًا من الخوف لا أنه في الحال خائف، وجزم بما ضعفه النووي ابن الجوزي في (( كشف مشكل الصحيحين ) )فقال كان عليه السلام يخاف في بداءة الأمر أن يكون ما يراه من قبل الشيطان؛ لأن الباطل قد يلتبس بالحق وما زال يستقرئ الدلائل، ويسبر الآيات إلى أن وضح له الصواب، وكما يجب علينا أن نسبر صدق الرسول إلينا وننظر في دلائل صدقه من المعجزات، فكذلك الرسل يجب عليها أن تسبر حال المرسل إليها هل هو ملك أو شيطان؟ فاجتهادها في تمييز الحق من الباطل أعظم من اجتهادنا، ولذلك علت مراتب الأنبياء لعظم ما ابتلوا به من ذلك.
قال وكان نبينا عليه الصلاة والسلام قد نفر في بدايته من جبريل. ونسب الحال إلى الأمر المخوف، وقال لخديجة (( خشيت ) )إلى أن بان له أن الأمر حق، ثم استظهر بزيادة الأدلة حتى بان له اليقين.
ثم ساق بإسناده عن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بالحجون فقال (( اللهم أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها من قريش ) )فقيل له ادع هذه الشجرة فدعاها، فأقبلت على عروقها فقطعتها، ثم أقبلت تخذ الأرض حتى وقفت بين يديه صلى الله عليه وسلم ثم قالت ما تشاء؟ ما تريد؟ قال (( ارجعي إلى مكانك ) )فرجعت إلى مكانها، فقال (( والله ما أبالي من كذبني من قريش ) ).
وقيل إن الخشية كانت من قومه أن يقتلوه. حكاه السهيلي، وقيل إنها كانت خوف أن لا ينهض بأعباء النبوة ثم أذهب الله خشيته ورزقه الأيد والقوة. وقال أبو بكر الإسماعيلي إنها كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك من عند الله تعالى، وأنه خشي على الناس، يعني من وقوعهم فيه ولم ير الإسماعيلي أن هذا محال في أول الأمر؛ لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة واحدة، وقد أثنى الله عليه بهذا العلم، فقال {آمن الرسول بما أنزل إليه} [البقرة285] إلى قوله {وملائكته} فإيمانه بالله وملائكته إيمان كسبي، موعود عليه بالثواب.
الرابع والثلاثون قولها (( فقالت خديجة كلا والله .. ) )إلى آخره، معنى كلا هنا النفي والإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تكون بمعنى حقًا، وبمعنى ألا، التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام، وقد جاءت في القرآن على أقسام، جمعها ابن الأنباري في كتاب (( الوقف والابتداء ) )له.
الخامس والثلاثون قولها (( والله ما يخزيك الله ) ). هو بضم الياء وبالمعجمة، وكذا رواه مسلم في (( صحيحه ) )وهو من الخزي، وهو الفضيحة والهوان، وأصل الخزي الوقوع في بلية وشهرة تذله.
ورواه مسلم يحزنك، بالمهملة وبالنون من الحزن، ويجوز على هذا فتح الياء وضمها. يقال حزنه وأحزنه لغتان فصيحتان. قال اليزيدي أحزنه لغة تميم، وحزنه لغة قريش، وهو الحزن والحزن خلاف السرور، وحكي عن أبي عمرو أنه قال إذا جاء الحزن في موضع نصب فتحت الحاء، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت.
قال الخطابي أكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما يتقاربان في المعنى، إلا أن الحزن ص 58 إنما يكون على أمر قد وقع، والهم هو فيما يتوقع ولا يكون بعد، وقولها أبدًا. منصوب على الظرف.
السابع [5] والثلاثون (( إنك لتصل الرحم ) )بكسر الهمزة من إنك على الابتداء، وكذا الرواية، قال القزاز يقال وصل رحمه صلة، وأصله وصلة، فحذف الواو، كما قالوا زنة من وزن، كذا أصل صلة من وصل، ومعنى (( تصل الرحم ) )تحسن إلى قرابتك، وسيأتي بيانه.
السابع والثلاثون قولها (( وتحمل الكل ) )بفتح الكاف وأصله الثقل، وأصله من الكلال وهو الإعياء ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغيرهم، وقال الداودي الكل المنقطع.
الثامن والثلاثون قولها (( تكسب المعدوم ) )بفتح المثناة فوق على الصحيح في الرواية، والمعروف في اللغة، وروي بضمها، وفي معنى المضموم قولان
أصحهما معناه تكسب غيرك المال المعدوم. أي تعطيه له تبرعًا. ثانيهما تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق، يقال كسبت مالًا وأكسبت غيري مالًا، والأول أفصح، ومنع القزاز الثاني روي بفتح التاء وضمها.
والثاني أن معناه تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم، وكانت العرب تتمادح بذلك وأصل الكسب طلب الرزق، يقال كسب يكسب كسبًا وتكسب واكتسب. وقال سيبويه يكسب أصاب، وتكسب تصرف.
وقال صاحب (( المجمل ) )كسبت الرجل مالًا فكسبه، وهذا مما جاء على فعلته ففعل.
التاسع والثلاثون (( المعدوم ) )كما قاله صاحب (( التحرير ) )عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، وسماه معدومًا لكونه كالميت؛ حيث لم يتصرف في المعيشة، وذكر الخطابي أن صوابه المعدم بحذف الواو، أي تعطي العائل وترفده؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الأفعال، وفيه نظر. قال النووي ليس كما قال الخطابي بل ما رواه الرواة صواب.
الأربعون قولها (( تقري الضيف ) )بفتح التاء تقول قريت الضيف أقريه، قرى بكسر القاف والقصر، وقراء بفتح القاف والمد، ويقال للطعام الذي يضيفه به قرى بالكسر والقصر، وفاعله قار كعصى فهو عاص.
وقال ابن سيده قرى الضيف قرى، وقراء أضافه، واستقراني واقتراني، وأقراني طلب مني القرى، وإنه لقري للضيف، والأنثى قرية عن اللحياني، وفي (( أمالي الهجري ) )ما اقتريت الليلة يعني لم آكل من القرى شيئًا، أي لم آكل طعامًا.
الحادي والأربعون قولها (( تعين على نوائب الحق ) )أي تعين بما تقدر على من أصابته نوائب حق أعنته فيها، والنوائب جمع نائبة وهي الحادثة والنازلة، ناب الأمر نوبة نزل، وهي النوائب والنوب، وإنما قالت نوائب الحق؛ لأنها تكون في الحق والباطل، قال لبيد
~نوائب من خير وشر كلاهما فلا الخير ممدود ولا الشر لازب
الثاني والأربعون معنى كلام خديجة إنك لا يصيبك مكروه لما جعله الله فيك من مكارم الأخلاق. وذكرت ضروبًا من ذلك، وفيه أن مكارم الأخلاق سبب للسلامة من مصارع السوء، فمن كثر خيره حسنت عاقبته، وفيه مدح الإنسان في وجهه لمصلحة، وشرطه في غير الأنبياء انتفاء الفتنة أيضًا.
الثالث والأربعون ذكر البخاري في كتاب التفسير من (( صحيحه ) )خصلة أخرى، وتصدق الحديث ذكرها مسلم، وهي من أشرف خصاله وكان يدعى بها في صغره. ص 59
الرابع والأربعون فيه أنه ينبغي تأنيس من حصلت له مخافة من أمر وتبشيره، وذكر أسباب السلامة، وأن من نزلت به نازلة له أن يشارك فيها من يثق بنصحه ورأيه.
أقول فإن قلت مساورة النساء غير جائزة بل قيل أنه لم تشر أمرًا بخير إلا أم سلمة في قضية الحديبية أنها قالت له صلى الله عليه وسلم لما قال لها (( ما جرى ) )قالت اخرج وادع خالتك الحديث، فكيف شاور خديجة وعمل بما أشارت من ذهابه إلى ورقة بن نوفل. قلت لا يجوز قبول شورهن في أمر لا يعلم صوابه وخطأه. وهذه القضية كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنها أصابت فيما أشارت به فلذلك قبل قولها.
قال ابن الملقن
الخامس والأربعون فيه أبلغ دليل على كمال خديجة، وجزالة رأيها.
السادس والأربعون قولها (( فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ) )إنما كان ابن عمها لأنها خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد، فابن عم تابع لورقة لا لعبد العزى، فينصب ابن، ويكتب بالألف لأنه بدل من ورقة. ولا يجوز جر ابن، ولا كتابته بغير ألف؛ لأنه يصير صفة لعبد العزى، فيكون عبد العزى ابن عمها وهو باطل، كما نبه عليه النووي.
ومثله عبد الله بن مالك ابن بحينة، ومحمد بن علي بن الحنفية، والمقداد بن عمرو بن الأسود، وإسماعيل بن إبراهيم بن علية، وإسحاق بن إبراهيم [6] بن راهويه، وعبد الله بن يزيد بن ماجه؛ لأن بحينة أم عبد الله، وكذلك الحنفية، والأسود ليس بجده، وعلية أم إسماعيل، وماجه لقب يزيد، فكل ذلك يكتب بالألف ونعربه بإعراب الأول، ومثل ذلك عبد الله بن أبي بن سلول بتنوين أبي ويكتب ابن سلول بالألف ويعرب إعراب عبد الله؛ لأن سلول أم عبد الله، هذا هو الصحيح، ومقصودهم في هذه الأسماء تعريف الشخص بوصفه جميعًا ليكمل تعريفه، فقد يكون الإنسان معروفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فإذا جمعا تم تعريفه.
السابع والأربعون اسم أم ورقة هند بنت أبي كبير ولا عقب له، وفي (( مستدرك الحاكم ) )من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتين ) ). ثم قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
وفي كتاب الزبير عن عروة قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ورقة فقال (( لقد رأيته في المنام عليه ثياب بيض، فقد أظن أنه لو كان من أهل النار لم أر عليه البياض ) ).
ورواه الترمذي في (( جامعه ) )في كتاب الرؤيا بنحو ذلك من حديث غريب.
قال السهيلي في إسناده ضعف، قال ولكن يقويه قوله عليه السلام (( رأيت القس يعني ورقة وعليه ثياب حرير؛ لأنه أول من آمن بي وصدقني ) )ذكره ابن إسحاق.
وقال المرزباني كان ورقة من علماء قريش وشعرائهم، وكان يذكر الله في شعره في الجاهلية ويسبحه، وقال ابن منده اختلف في إسلامه، وظاهر الحديث يدل على إسلامه من قوله (( يا ليتني كنت فيها جذعًا ) ). وما بعده.
وذكر ابن إسحاق أنه عليه السلام لما أخبره قال له ورقة إنك والذي نفسي بيده لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، وذكر الحديث، قال ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه.
الثامن والأربعون قولها (( وكان امرأً تنصر ) )أي صار نصرانيًا وترك عبادة الأوثان وفارق طرائق الجاهلية، والجاهلية ما قبل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، سموا بذلك لما كانوا عليه من فاحش الجهالات.
التاسع والأربعون قولها (( وكان يكتب الكتاب العبراني [7] ) )هكذا وقع هنا العبراني والعبرانية، ووقع في موضع آخر من مسلم العربي، فيكتب بالعربية، ص 60 وفي كتاب التعبير والتفسير من البخاري يكتب الكتاب العبراني، فيكتب (( بالعربية ) ). وكله صحيح، أي كان يكتب من الإنجيل ما شابهها لتمكنه من معرفة دينهم وكتابتهم، وقال الداودي يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى عليه السلام.
قولها (( وكان قد عمي ) )فيه جواز ذكر العاهة التي بالشخص ولا يكون ذلك غيبة.
الخمسون قولها (( يا ابن عم ) )كذا وقع هنا، ووقع في رواية مسلم (( يا عم ) )والأول صحيح؛ لأنه ابن عمها كما سلف، والثاني صحيح أيضًا سمته عمها مجازًا للاحترام وهذه عادة العرب يخاطب الصغير الكبير بيا عم احترامًا له، ولا يحصل هذا الغرض بقولها يا ابن عم، فعلى هذا يكون تكلمت باللفظين.
الحادي والخمسون قوله (( هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ) )كذا هو في الصحيحين وغيرهما، وجاء في غير الصحيح (( نزل الله على عيسى ) ). وكلاهما صحيح. أما عيسى فلقرب زمنه، وأما موسى فأبدى له السهيلي معنًى آخر وهو أن ورقة كان قد تنصر والنصارى لا يقولون في عيسى إنه نبي يأتيه جبريل، وإنما يقولون إن أقنومًا من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح على اختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارة عن العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب ويخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب.
فلما كان هذا مذهب النصارى عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه، ولاعتقاده أن جبريل كان ينزل على موسى، قال لكن ورقة ثبت إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم.
الثاني والخمسون (( الناموس ) )بالنون والمهملة هو صاحب السر كما ذكره (خ) ، قال صاحب (( المحكم ) )وغيره ناموس الرجل صاحب سره، قال ابن سيده الناموس السر. وقال صاحب (( الغريبين ) )هو صاحب سر الملك.
وقيل إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد حكاه القزاز في (( جامعه ) )، وقال الخشني في (( شرح السيرة ) )أصل الناموس صاحب سر الرجل في خيره وشره.
ابن الأنباري في (( زاهره ) )الجاسوس الباحث عن أمور الناس وهو بمعنى تجسس سواء.
وقال بعض أهل اللغة التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس، وبالمهملة الاستماع لحديث القوم، وقيل هما سواء، وقال ابن ظفر، في (( شرح المقامات ) )صاحب سر الخير ناموس، وصاحب سر الشر جاسوس، وقد سوى بينهما رؤبة وهو الصحيح.
ونقل النووي عن أهل الغريب نحوه قال ويقال نمست السر بفتح النون والميم أنمسه بكسر الميم نمسًا أي كتمته، ونمست الرجل ونامسته أي ساررته، واتفقوا على أن جبريل سمي الناموس وعلى أنه المراد في هذا الحديث، قال الهروي سمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالغيب والوحي الذي لا يطلع عليه غيره.
قال ابن الأعرابي لم يأت في الكلام فاعول لام الكلمة فيه سين إلا الناموس ص 61 صاحب سر الخير، والجاسوس للشر، والجاروس الكثير الأكل، والفاعوس الحية، والبابوس الصبي الرضيع، والداموس القبر، والقاموس وسط البحر، والقابوس الجميل الوجه، والعاطوس دابة يتشاءم بها، والفانوس النمام، والجاموس ضرب من البقر، وقيل أعجمي تكلمت به العرب، وقيل الحاسوس بالحاء غير معجمة من تجسس بالجيم، وفي مسلم إن كلماتك بلغن ناعوس البحر.
أقول الزمخشري في (( الأساس ) )نمس السمن والطيب نمسًا إذا فسد ونمس بصاحبه نم به وهو نمام نماس وفلان صاحب ناموس ذو مكر وخديعة ونمس علي نمسًا لبس وهو ناموس الأمر صاحب سره ونامسته ساررته ويقال لجبريل عليه السلام الناموس الأكبر انتهى.
قال ابن الملقن
الثالث والخمسون (( يا ليتني فيها جذعًا ) )، الضمير في فيها يعود إلى أيام النبوة، قال ابن مالك وأكثر الناس تظن أن يا التي تليها حرف نداء. والمنادى حذف فتقديره يا محمد، ليتني وهذا الرأي عندي ضعيف؛ لأن القائل يا ليتني قد يكون وحده فلا يكون معه منادى ثابت ولا محذوف.
أقول فإن قلت ما سبق ذكر أيام النبوة ليعود الضمير إليها في فيها. قلت إن لم يذكر لفظًا في الكلام ما يدل عليه وهو مثل قوله {اعدلوا هو أقرب للتقوى} فإن قوله {إذ يخرجك قومك} ونحوه دليل على أن يبنى ويكون له أيامًا انتهى.
قال ابن الملقن
الرابع والخمسون قوله جذعًا. يعني شابًا قويًا حتى أبالغ في نصرتك، والجذع في الأصل للدواب، وهو هنا استعارة، قال ابن سيده الجذع الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل فوق الحق، وقيل الجذع من الإبل لأربع سنين، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة والجمع جذعان وجذعان وجذاع.
قال الأزهري في (( تهذيبه ) )والدهر يسمى جذعًا؛ لأنه جديد الدهر. وقيل معناه ليتني أدرك أمرك، فأكون أول من يقوم بنصرك، كالجذع الذي هو أول الأسنان.
الخامس والخمسون قوله جذعًا. هكذا الرواية هنا، وفي مسلم بالنصب، ووقع للأصيلي هنا ولابن ماهان في مسلم جذع، بالرفع، فعلى الرفع لا إشكال، وفي النصب اختلف في وجهه على ثلاثة أوجه
أحدها على أنه خبر كان المقدرة، تقديره ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي والمازري وابن الجوزي، وهو تجيء على مذهب الكوفيين كما في قوله {انتهوا خيرًا لكم} [النساء171] ، أي يكن الانتهاء خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن {خيرًا} منصوب بفعل مضمر يدل عليه {انتهوا} تقديره انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.
وقال الفراء انتهوا انتهاءً خيرًا لكم. وضعف هذا الوجه أن كان الناصبة لا تضمر إلا إذا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم إن خيرًا فخير.
ثانيها أنه منصوب على الحال وخبر ليت قوله فيها، والتقدير ليتني كائن فيها. أي في مدة الحياة في هذا الحال شبيبة وقوة لنصرتك، إذ كان قد أسن وعمي عند هذا القول، ورجح هذا القاضي وقال النووي إنه الصحيح.
ثالثها أن تكون ليت عملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قال الكوفيون وأنشدوا
~يا ليت أيام الصبا رواجعا [8]
السادس والخمسون قوله (( إذ يخرجك قومك ) ). استعمل فيه إذ في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح كما نبه عليه ابن مالك، وقال غفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى {يوم الحسرة إذ قضي الأمر} [مريم39] ، وقوله {إذ القلوب لدى الحناجر} [غافر18] ص 62
قال وقد استعمل كل منهما في موضع إذ وإذا، ومن الثاني قوله {إذا ضربوا في الأرض} [آل عمران156] ، {وإذا رأوا تجارةً} [الجمعة11] .
السابع والخمسون قوله (( أومخرجي هم؟ ) )هو بفتح الواو وتشديد الياء وهو جمع مخرج، ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح التشديد، وبه جاءت الرواية، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر وهو نحو {بمصرخي} [إبراهيم22] ، وقرئ بهما فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا تجتمع الكسرة وياءان بعد كسرتين.
وقال ابن مالك الأصل فيه أومخرجوي، سقطت نون الجمع بالإضافة، واجتمعت ياء وواو وياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء وأدغمت، ثم أبدلت الضمة كسرة وفتحت الياء في (( مخرجي ) )للتخفيف. لئلا تجتمع الكسرة وياءان بعد كسرتين، قال السهيلي لابد من تشديد الياء في (( مخرجي ) )لأنه جمع. ثم هنا أمران
أحدهما وهو الثامن والخمسون الأصل تقديم حرف العطف على الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، نحو {وكيف تكفرون} [آل عمران11] ، {فأي الفريقين} [الأنعام81] ، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذه المثل، وهي معطوفة على ما قبلها من الجمل ومثله أفتطمعون لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام فيقال (( وأومخرجي ) )والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، لكن خصت الهمزة بتقدمها على حرف العطف؛ تنبيهًا على أنها أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فقال تعالى {أفتطمعون} [البقرة75] ، {أوكلما عاهدوا} [البقرة1] .
قال الزمخشري بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة ومعطوف عليها بالعاطف ما بعده تقديره أكفروا بالآيات، وكلما عاهدوا؟ وفيه من التكلف ما لا يخفى.
الثاني وهو التاسع والخمسون (( مخرجي ) )خبر مقدم و (( هم ) )مبتدأ ولا يجوز العكس كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن (( مخرجي ) )نكرة فإن إضافته غير محضة، وهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال فيؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة من غير مصحح.
ويجوز أن تكون (( هم ) )فاعلًا سد مسد الخبر، و (( مخرجي ) )مبتدأ على لغة أكلوني البراغيث. ولو روي (( مخرجي ) )بسكون الياء أو فتحها مخففة على أنه مفرد. وقد سبق جوازه؛ لصح جعله مبتدأ وما بعده فاعلًا سد مسد الخبر لاعتماده على حرف الاستفهام، وجزم السهيلي بأنه خبر مبتدأ مقدم، قال ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأ.
الستون إنما قال (( أو مخرجي هم؟ ) )؛ لأنها حرم الله، وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه، فأتى بهمزة الاستفهام على وجه الإنكار والتفجع لذلك، وذكر ابن إسحاق عن ورقة أنه قال بعد قوله ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى وليكذبنه وليؤذينه وليخرجنه.
لما قال ليكذبنه وليؤذينه، لم يقل شيئًا فلما قال الثالثة قال ذلك، فاستبعد عليه السلام إخراجه من غير سبب فإنه لم يكن منه سبب يقتضي ذلك، بل كان منه أنواع المحاسن المقتضية لإكرامه.
أقول قال السهيلي ص 63 ففي هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النفس وأيضًا فإنه حرم الله وبلد أبيه فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم يتحرك قبل ذلك فقال أومخرجي.
قال الشيخ تقي الدين السبكي في بعض مؤلفاته وأحب من حب الوطن أن يقال تحركت نفسه لما في الإخراج من فوات ما ندب إليهم من إيمانهم فإن ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقب ومع الإخراج منقطع، وذلك هو الذي لا شيء عند الأنبياء عليهم السلام أعظم منه لأنه امتثال أمر الله تعالى، وأما مفارقة الوطن فهو أمر جبلي والنبي صلى الله عليه وسلم أجل وأعلا مقامًا من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم.
أقول ويمنع قول السبكي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة. ) )الحديث. فهو صريح بأنه كان يحب مكة وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم (( اللهم أخرجني من أحب البلاد إلي .. ) )الحديث. وقصة بلال مشهورة حين مرضه بالمدينة وقوله
~ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
انتهى.
الحادي والستون قوله (( نعم، لم يأت رجل ) )يعني أن أهل الحق لا يخلو من أهل باطل يعادونه، وذكره في التفسير بلفظ أوذي، من الأذى، قوله (( يدركني يومك ) )أي وقت (( إخراجك ) )أو وقت انتشار نبوتك.
قوله (( مؤزرًا ) )بضم الميم ثم همزة مفتوحة ثم زاي مفتوحة، أي قويا بالغًا من الأزر وهو القوة، وفي (( المحكم ) )آزره ووازره أعانه على الأمر. قال ابن قتيبة مما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز آزرته على الأمر، أي أعنته فأما وازرته فبمعنى صرت له وزيرًا.
الثاني والستون وقع في (( السيرة ) )إن أدرك ذلك اليوم، وما في البخاري هو القياس؛ لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء (( أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي ) )نبه على ذلك السهيلي قال ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى إن أر ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل {لا تدركه الأبصار} [الأنعام13] أي لا تراه على أحد القولين.
الثالث والستون قوله (( ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الو?