قال ابن الملقن رحمه الله تعالى
5 -الحديث الخامس قوله ثنا موسى بن إسماعيل إلى قوله كما كان قرأ فيه وجوه
1 هذا الحديث أخرجه (خ) هنا، عن موسى، عن أبي عوانة، وفي التفسير، وفضائل القرآن، عن قتيبة، عن جرير، كلهم عن موسى بن أبي عائشة.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة وغيرهما، عن جرير، وعن قتيبة، عن أبي عوانة كلاهما عن موسى بن أبي عائشة به.
ولمسلم ص 75 فإذا ذهب قرأ كما وعد الله. وللبخاري في التفسير ووصف سفيان يريد أن يحفظه، وفي أخرى يخشى أن يتفلت منه، ولمسلم في الصلاة (( لتعجل به ) )أخذ {إن علينا جمعه وقرآنه} [القيامة17] ، إن علينا أن نجمعه في صدرك {وقرآنه} فتقرأه {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} . قال أنزلناه فاستمع له {إن علينا} أن نبينه بلسانك.
ورواه الترمذي بسنده عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله {لا تحرك به لسانك} [القيامة16] .
2 في رجاله ابن عباس هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث، أخت ميمونة أم المؤمنين، وكان يقال له الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وترجمان القرآن، هو والد الخلفاء العباسية، وأحد العبادلة الأربعة هو وعبد الله بن عمر وابن مسعود وابن عمرو بن العاص أو ابن الزبير على خلاف فيه، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكمة والفقه وتعلم التأويل، أي تأويل القرآن، ودعا له أيضًا فقال (( اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين ) ). (( اللهم زده علمًا وفقهًا ) )وهي أحاديث صحاح.
وفي البخاري أنه ضمه إليه وقال (( اللهم علمه الكتاب ) ). وتقديم عمر له مشهور. وهو أحد الستة المكثرين.
قال الإمام أحمد ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس رضي الله عنهم، وأبو هريرة أكثرهم حديثًا. ومناقبه جمة أفردت بالتأليف منها أنه عليه السلام حنكه بريقه.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، اتفقا منها على خمسة وتسعين حديثًا، وانفرد (خ) بمائة وعشرين، و (م) بتسعة وأربعين.
ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال أحمد خمس عشرة. وروى مجاهد عنه أنه قال رأيت جبريل مرتين.
روى عنه جماعة من الصحابة منهم أنس وابن عمر وخلق من التابعين. مات بالطائف، وقبره بها مشهور يزار. سنة ثمان وستين ابن إحدى وسبعين سنة على الصحيح، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال اليوم مات رباني هذه الأمة. وهو أحد أولاد العباس العشرة، وليس في الصحابة عبد الله بن عباس غيره.
أقول قال ابن عبد البر في (( الاستيعاب ) )ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وكان ابن ثلاث عشرة سنة حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن الملقن سعيد بن جبير هو الإمام المجمع على جلالته وثقته وعلو مرتبته في العلوم، أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الكوفي الأسدي الوالبي بكسر اللام وبالموحدة نسبة إلى ولاء بني والبة.
ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان بدالين مهملتين بضم الدال الأولى ابن أسد بن خزيمة، سمع سعيد خلقًا من الصحابة منهم العبادلة غير ابن عمرو.
وعنه خلق من التابعين منهم الزهري، مات سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين سنة، قتله الحجاج صبرًا.
قال خلف بن خليفة ثنا بواب الحجاج قال رأيت رأس سعيد بن جبير بعدما سقط في الأرض يقول لا إله إلا الله، وعن رجل إنه لما ندر رأسه هلل ثلاث مرات يفصح بها. ص 76
وقيل إن الحجاج قال له اختر أي قتلة شئت قال اختر أنت لنفسك، القصاص أمامك. ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا، ولما قدم أصبهان لم يحدث ثم لما رجع إلى الكوفة حدث، فقيل له في ذلك، فقال انشر بزك حيث تعرف.
والراوي عن سعيد هو موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني بالمهملة مولى آل جعدة بن هبيرة، روى عن كثير من التابعين، وعنه الأعلام الثوري وغيره ووثقه السفيانان ويحيى بن معين وغيره، ولما ساقه (خ) في التفسير قال وكان ثقة.
والراوي عنه أبو عوانة بفتح العين، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري ويقال الكندي الواسطي مولى يزيد بن عطاء، وقيل عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان.
رأى الحسن وابن سيرين، وسمع خلقًا من التابعين وأتباعهم. روى عنه الأعلام منهم شعبة ووكيع وابن مهدي.
قال عفان كان صحيح الكتاب ثبتًا. وقال أحمد إذا حدث من كتابه فهو أثبت من شريك، وإذا حدث من غير كتابه وهم، مات سنة ست وسبعين ومائة، وقيل خمس وسبعين.
قال الخطيب حدث عنه شعبة والهيثم بن سهل التستري، وبين وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة أو أكثر.
والراوي عنه هو أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري بكسر الميم وإسكان النون وفتح القاف نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس البصري الحافظ المكثر الثقة الثبت، التبوذكي بفتح المثناة فوق، ثم موحدة مضمومة، ثم واو، ثم ذال معجمة مفتوحة سمع المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة.
روى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود، وغيرهم، وروى له (م، ت، د) عن رجل عنه، والذي رواه (م) حديث واحد حديث أم زرع رواه عن الحسن الحلواني عنه. قال الداودي كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة.
واختلف في سبب نسبته على أقوال
أحدها أنه اشترى دارًا بتبوذك، قاله أبو حاتم الرازي.
ثانيها لأنه نزل دار قوم فيها فنسب إليها، قال ابن أبي خيثمة سمعته يقول لا جزى الله خيرًا من سماني تبوذكيًا، أنا مولى بني مرمر، إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك، سموا تبوذكيًا.
ثالثها أنها نسبة إلى بيع السماد، قاله السمعاني، والسماد بفتح السين سرجين يوضع في الأرض ليجود نباته.
رابعها أنها نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقانصة، قاله ابن ناصر.
فائدة هذا الإسناد كله على شرط الستة، ورواته ما بين مكي وكوفي وبصري وواسطي، وكلهم من الأفراد لا أعلم من شاركهم في اسمهم واسم أبيهم، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد.
الوجه الثالث قيل كان يتعجل به حتى يكتب لئلا ينسى، قال تعالى {ولا تعجل بالقرآن} [طه114] ،، وقال {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى6] ، وعن الشعبي إنما يعجل بذكره من حبه له وحلاوته في لسانه، فنهى عن ذلك حتى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض وجمعه بإسكان الميم مع فتح العين.
قال ابن قرقول ص 77 جمعه لك صدرك بسكون الميم عند الأصيلي مع ضم العين ورفع الصدر، وعند أبي ذر جمعه لك في صدرك. وعند النسفي جمعه لك صدرك. وقيل تحفظه وتقرأه. وقيل {وقرآنه} تأليفه.
الوجه الرابع في فوائده
1 هذا الحديث في إسناده نوع من علوم الحديث وهو التسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله، وقل في المسلسل الصحيح.
2 المعالجة المحاولة وسبب حصولها عظم ما يلاقيه من هيبة الوحي والملك، قال تعالى {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل5] .
3 قوله (( وكان مما يحرك شفتيه ) )معناه كثيرًا ما كان يفعل ذلك، وقيل معناه هذا من شأنه ودأبه، حكاه القاضي، فجعل ما كناية عن ذلك ومثله قوله في كتاب الرؤيا كان مما يقول لأصحابه (( من رأى منكم رؤيا ) )، أي هذا من شأنه، وقيل معناها ربما، وهو قريب من الأول؛ لأن ربما قد تأتي للتكثير.
4 فيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إذا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول؛ لقول ابن عباس (( فأنا أحركهما لك ) ).
5 قوله {فإذا قرأناه} [القيامة18] ، أي قراءة جبريل عليك، وفيه إضافة ما يقول من أمره تعالى إليه ويحتج به في أمر التنزيل وغيره من الظواهر المشكلة إلى الله تعالى.
وقوله (( فاتبع قرآنه ) )أي اسمع له وأنصت، وقيل اتبع حلاله واجتنب حرامه.
قوله {إن علينا بيانه} [القيامة19] ، أي أن تقرأه، وفي مسلم أن نبينه بلسانك، وقيل بحفظك إياه، وقيل بيان ما وقع فيه من حلال وحرام حكاه القاضي.
قال وقد اختلف في الهذ والترتيل، فمن رأى الهذ أراد استكثار الأجر بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل ذهب إلى فهم معانيه وتدبره، والوقوف عند حدوده وتحسين تلاوته، وما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم {ورتل القرآن} [المزمل4] وهو اختيار الأكثر، ولا خلاف أن الهذ الذي ينتهي إلى ترك إقامة حروفه غير جائز.
وقال مالك من الناس من إذا هذ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومنهم من لا يحسن يهذ.
6 همز وأنصت همز قطع، هذا الذي جاء به القرآن، وفيه ثلاث لغات أنصت، ونصت، وانتصت. والإنصات السكوت. والإسماع الإصغاء.
7 أعاد كان في قوله (( وكان مما يحرك ) )مع تقدمها في قوله (( كان يعالج ) )، وهو جائز إذا طال الكلام.
8 فيه أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله وفضله، قال الله تعالى {ولقد يسرنا القرآن للذكر} [القمر17] .
9 معنى أمر الله تعالى نبيه أن لا يحرك بالقرآن لسانه ليعجل به، وعدته له أن يجمعه في صدره، لكي يتدبره ويتفهمه وتبدو له عجائب القرآن وحكمته، ولتتأسى به أمته قال تعالى {ليتدبروا آياته} .
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يعالج ) )أي يحاول من تنزيل القرآن على شده، وشده إما مفعول به ليعالج أو مفعول مطلق له؛ أي معالجة شديدة.
قوله (( وكان مما يحرك ) )أي كان العلاج ناشئًا عن تحريك الشفتين؛ أي مبدأ العلاج شفتيه أو ما بمعنى من إذ قد يجيء للعقلاء أيضًا أي كان ممن يحرك قوله فقال ابن عباس (( فأنزل الله ) )جملة معترضة بالفاء وذلك جائز كما قال
~واعلم فإن علوم المرء تنفعه أن سوف يأتي عليه كل ما قدرا
قوله (( فأنزل الله ) )عطف على قوله كان يعالج، ولفظ كان حينئذ في مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار والتكرار.
قوله (( فأنا أحركهما لك ) )وفي بعضها (( لكم ) )وتقديم أنا على الفعل يشعر بتقوية الفعل ووقوعه لا محالة، وقال ههنا (( كما كان رسول الله يحرك ) )وقال في الآخر (( كما رأيت ابن عباس يحركهما ) )ص 78 بلفظ رأيت والعبارة العبارة الأولى أعم من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمع أنه حركهما والغالب أنه لم ير ذلك لأن هذا كان في أوائل النبوة وابن عباس لم يولد بعد.
فإن قلت القرآن يدل على تحريك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانه لا شفتيه فلا تطابق بين الوارد والمورود. قلت التطابق حاصل لأن التحريكين متلازمان غالبًا أو لأنه كان يحرك الفم المشتمل على اللسان والشفتين فيصدق كل منهما. ومثل هذا يسمى بالمسلسل بالتحريك لكن في الطبقة الأولى أي طبقة الصحابة والتابعين لا في جميع الطبقات.
قوله (( قال ) )ابن عباس في تفسير جمعه أي جمع الله لك في صدرك، وقال في تفسير {وقرآنه} أي تقرأه يعني المراد بالقرآن القراءة لا الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه كأنه مصدر لا علم للكتاب، وفي بعض الروايات صدرك بالرفع بإسناد الجمع إلى المصدر بالمجاز لملابسة الظرفية إذ الصدر ظرف الجمع وهو مثل أنبت الربيع البقل أي أنبت الله في الربيع، فالمراد جمع الله في صدرك.
قوله (( فاستمع ) )هو تفسير فاتبع يعني قراءتك لا تكون مع قراءته بل تابعة لها فتكون أنت في حال قراءته ساكتًا، والفرق بين السماع والاستماع أنه لا بد في باب الافتعال من التصرف والسعي في ذلك الفعل [1] .
قال الفقهاء تسن سجدة التلاوة للمستمع لا السامع، قوله (( ثم إن علينا أن تقرأه ) )أي مرة بعد أخرى، وقيل المراد ثم إن علينا بيان مجملاته وشرح مشكلاته، واستدل الأصوليون به على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما هو مذهب أهل السنة؛ لأن ثم تدل على التراخي انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى.
أقول كل ما سبق من تفسير الآية الشريفة والحديث الشريف دال على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسابق جبريل أو يساومه في ما يوحيه من الله إليه، وهذا مشكل لأنه غير مقصور أنه يسامعه أو يساومه فيما لم يسمعه بعد اللهم إلا أن يقال أن المعنى أنه كان إذا سمع آية بادر إلى قرائتها ولم يصبر إلى سماع ما بعدها ليحفظ جملة واحدة جميع ما يوحي إليه في ذلك الحين حرصًا على حفظ ما أوحي إليه وخوفًا من نسيانه فقال الله تعالى تطييبًا لقلبه {إن علينا جمعه} الآية.
[1] في هامش المخطوط قال المهدوي في تفسيره ?ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى? الآية أي لا تتله قبل أن تتبينه عن ابن عباس ومجاهد وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعجل بالقرآن من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به مخافة النسيان فنزلت، وقال ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )في سبب نزولها قولان أحدهما أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة والآي فيتلوها عليه فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها والثانية أن رجلًا لطم امرأته فجاءت إلى رسول الله فجعل رسول الله يبينها القصاص فنزلت.