فهرس الكتاب

الصفحة 853 من 3844

86 -باب ما جاء في عذاب القبر

قوله تعالى {إذ الظالمون في غمرات الموت} الآيات [الأنعام93] .

فيه ستة أحاديث

حديث البراء (( إذا أقعد المؤمن ) ).

2 حديث ابن عمر اطلع النبي صلى الله عليه وسلم.

3 حديث عائشة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنهم ليعلمون .. ) )الحديث.

4 حديثها أيضًا أن يهودية دخلت .. الحديث.

5 حديث أسماء قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا .. الحديث.

6 حديث أنس إن العبد إذا وضع .. الحديث.

والأحاديث سلفت، والأخير سلف في باب خفق النعال. و {غمرات الموت} شدائده. {والملائكة باسطو أيديهم} أي بالعذاب. و {الهون} الهوان. قال ابن جريج عذاب الهون في الآخرة. وقال غيره لما بعثوا صاروا إلى النار، قالت الملائكة {اليوم تجزون} والهون بفتح الهاء السكينة والوقار.

قوله (( {سنعذبهم مرتين} ) )الآية [التوبة101] قيل عذاب يوم بدر بالقتل، ثم في القبر، ثم يردون إلى جهنم، وقيل بالسباء ثم بالقتل ثم بجهنم. وقال مجاهد بالجوع والقتل ثم بجهنم. وقيل بالزكاة تؤخذ منهم كرهًا. {وحاق} نزل.

قوله {النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا} قال ابن مسعود إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تعرض على النار مرتين.

وقال مجاهد {غدوًا وعشيًا} من أيام الدنيا. وقال الفراء ليس في القيامة غدو ولا عشي، لكن مقدار ذلك. ويرد عليه قوله تعالى {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر46] .

وحديث البراء مفسر للآية، واختلف في قوله {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} [إبراهيم27] فقال طاوس قول لا إله إلا الله. وقال قتادة يثيبهم بالحذر والعمل الصالح، وقيل الحياة حياتان دنيا وهي التي نحن فيها؛ لأنها تقدمت ودنت، والثانية الآخرة؛ لأنها تأخرت.

وحديث ابن عمر في أهل القليب قد يكون هو المحفوظ؛ لأنه لا يكلم من لا يسمع كلامه، وإذا أراد الله إسماع شيء أسمعه، ألا تراه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأن النار اشتكت إلى ربها، ويكون معنى قوله {إنك لا تسمع الموتى} [النمل80] مثل قوله {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص56] ويعني بالموتى وأهل القبور من سبق في علم الله أنه لا يسلم، ويكون قول عائشة إنما حملته على التأويل، وإن كان ما قاله عائشة محفوظًا فإنما حمله ابن عمر على التأويل.

وحديث عائشة مع اليهودية فيه أن يتحدث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرسول عليه السلام، وأن يوقف عن خبرهم حتى يعرف أصدق هو أم كذب.

واحتج لأهل السنة القائلين أن الأرواح كلها باقية، أرواح السعداء منعمة، وأرواح الأشقياء معذبة بالآية السالفة {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر46] ، وبقوله {والملائكة باسطو أيديهم} [الأنعام93] وقيل في قوله {رب ارجعون} [المؤمنون99] هو قول الروح. وقوله {أخرجوا أنفسكم} اختلف في النفس والروح، فقال القاضي أبو بكر وأصحابه ص 1393 إنهما اسمان لشيء واحد. وقال ابن حبيب الروح هو النفس الجاري يدخل ويخرج لا حياة للنفس إلا به، والنفس تألم وتلتذ، والروح لا تألم ولا تلتذ. وعن ابن القاسم، عن عبد الرحيم بن خالد بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا.

وعنه أيضًا أن النفس هي التي لها جسد مجسد.

قال ابن حبيب وهي في الجسد كحلق في جوف حلق يخرج من الجسد عند الوفاة، ويبقى الجسد حيا، ونحوه حكى ابن سفيان، عن ابن القاسم وزاد قال الروح كالماء الجاري.

قال أبو بكر بن مجاهد أجمع أهل السنة على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها، ويسألون ويثبت الله من أحب تثبيته منهم.

وقال أبو عثمان بن الحداد إنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار، واحتجوا بقوله تعالى {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان56] وبمعارضة عائشة لابن عمر.

قال القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره قال تعالى {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [غافر46] وقام الاتفاق على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار قبل يوم القيامة، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب.

فإذا جاز أن يكون المكلف بعد موته معروضًا على النار غدوًا وعشيًا، جاز أن يسمع الكلام، ويمنع الجواب؛ لأن اللذة والعذاب لا تأثير لهما إلا بحي حساس، وإذا كان ذلك وجب اعتقاد رد الحياة في تلك الأجسام، وسماعهم للكلام، والعقل لا يدفع هذا ولا يوجب حاجة إلى بلل ورطوبة، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط، فإذا صح رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقص البنية وتقطيع الأوصال، أن يوجد منهم سماع الكلام ورد الجواب.

وقد ذكر (خ) في غزوة بدر قوله عليه السلام (( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) )قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا ونقمة. وعلى تأويل قتادة فقهاء الأمة وأهل السنة، وعلى ذلك تأوله ابن عمر، وهو راوي الحديث.

قال القاضي وليس في قول عائشة ما يعارض رواية ابن عمر؛ لأنه يمكن أن يكون قد قال في قتلى بدر القولين جميعًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما.

قال الطبري في معنى قوله (( ما أنتم بأسمع منهم ) )اختلف السلف في تأويله، فقال جماعة بعموم الحديث. وقالت إن الميت يسمع كلام الأحياء، ولذلك قال عليه السلام لأهل القليب ما قال. وقال (( ما أنتم بأسمع منهم ) ).

وقال آخرون ما أنتم بأعلم أنه حق منهم، ورووا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكروا قول عائشة حين أنكرت على ابن عمر وقالت إنما قال عليه السلام (( إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق ) ). قالوا فخبر عائشة يبين ما قلنا من التأويل، إلا أنه أخبر أنهم يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم. قالوا ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى لم يكن لقوله تعالى {إنك لا تسمع الموتى} [النمل80] {وما أنت بمسمع من في القبور} [فاطر22] معنى.

والواجب الإيمان بها والإقرار بأن الله يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلام خلقه، وينعم من أحب منهم ويعذب في قبره الكافر، كيف أراد وليس في قوله {إن الله يسمع من يشاء} [فاطر22] الآية حجة في دفع ما صحت به الآثار في قرع النعال وقصة القليب، إذ كان قوله {وما أنت بمسمع من في القبور} {وإنك لا تسمع الموتى} محتملًا لأن يكون معناه، فإنك لا تسمع الموتى بقدرتك إذ خالق السمع غيرك، ونظيره {وما أنت بهادي العمي} الآية [النمل81] فنفى الرب عن ص 1394 نبيه القدرة أن يسمع الموتى إلا بمشيئته، كما في الهداية، إنما أنت نذير مبلغ ما أرسلت به.

ويحتمل أن يكون المراد إنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لانقطاع أعمالهم وانتقلوا إلى دار الجزاء فلا ينفع الدعاء إذن؛ وكذا قوله {ما أنت بمسمع من في القبور} يريد إنك لا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى، وفي صدر الآية ما يدل على هذا؛ قال {وما يستوي الأعمى والبصير} [فاطر19] ، يعني الكافر والمؤمن {ولا الظلمات ولا النور} [فاطر20] يعني الكفر والإيمان {ولا الظل} [فاطر21] أي الجنة {ولا الحرور} أي النار {وما يستوي الأحياء} العقلاء {والأموات} الجهال ثم قال {إن الله يسمع من يشاء} يعني إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم موتى في القبور، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلًا للجهال شهداء بدر المؤمنين ولا يعارض ما يثبت في عذاب القبر الآية {لا يذوقون فيها الموت} [الدخان56] الآية لأن الله تعالى قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة فقال {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} [آل عمران169] ولما كانت حياتهم قبل محشرهم ليست رادة لهذه الآية كانت حياة المقبورين في قبورهم من قبل محشر الناس ليست رادة لقوله {لا يذوقون} .

ومن أنكر حياة الشهداء قبل المحشر، وادعى أن قوله {أحياء} أنه في يوم القيامة، أبطل ما اقتضاه قوله {ويستبشرون بالذين} الآية [آل عمران170] ؛ والأخبار في عذاب القبر صحيحة متواترة وإن لم يصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( الهون ) )بضم [الهاء] الهوان أي الذلة.

(( الكشاف ) )يجوز أن يريدوا بقوله اليوم وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة.

قوله (( مرتين ) )هما القتل في الدنيا وعذاب القبر في الآخرة، والدليل عليه {ثم يردون إلى عذاب عظيم} وهو عذاب النار.

قوله (( ويوم تقوم الساعة ) )العطف يقتضي المغايرة فعرض النار قبل يوم القيامة هو عذاب القبر.

قوله (( أتي ) )بضم الهمزة أي حال بكونه آتيًا إليه أي أتاه الملكان منكر ونكير و (( القول الثابت ) )هو كلمة التوحيد لأنها راسخة في قلب المؤمن وتثبيتهم في الدنيا أنهم إذا ثبتوا لم يزلوا عنها وفي الآخرة إنهم إذا سئلوا في القبر لم يتوقفوا في الجواب.

فإن قلت ليس في الآية ما يدل على عذاب المؤمن فما معنى أنه نزلت في عذاب القبر قلت سمي أحوال العبد في القبر بعذابه على تغليبه فتنة الكافر على فتنة المؤمن تخويفًا، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن.

قوله (( أهل القليب ) )أي أهل البئر، والمراد به قليب بدر، و (( لا يجيبون ) )أي لا يقدرون على الجواب فعلم أن في القبر حياة فيصلح العذاب فيه.

قوله (( إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ) )جاء بلفظة إنما وهي للحصر وكأن الحديث (( ما أنتم بأسمع منهم ) )لم يثبت عندها، ومذهبنا أن أهل القبور يعلمون ما سمعوا قبل الموت ولا يسمعون بعد الموت.

قوله (( عذاب القبر ) )خبره محذوف؛ أي حق وذكر غندر الخبر صريحًا وإلا تعوذ إلى الصلاة تعوذ فيها، وهذا يحتمل أنه كان يتعوذ قبل ذلك سرًا، ولما رأى استغرابها حيث سمعت من اليهودية أعلن ليترسخ ذلك في عقائد أمته وتكريرًا على خيفة من فتنة، وقال الطحاوي إنه سمع اليهودية ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر.

قوله (( التي يفتتن ) )صفة للفتنة يعني ذكر الفتنة بتفاصيلها مما يجري على المرء في قبره ومن ثم ضج المسلمون ص 1395 وصاحوا وجزعوا والتنوين في (( ضجة ) )للتعظيم.

قوله (( لمحمد ) )بيان من الراوي أي لأجل محمد وذكر بلفظ المجهول ولفظ (( في ) )زائدة إذ الأصل يفسح له قبره و (( رجع ) )أي قتادة و (( مطارق ) )جمع مطرقة، وأفرد الضربة على نحو قولهم معًا جياعًا ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت