فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 3844

85 -باب ثناء الناس على الميت

فيه حديث أنس مروا بجنازة ... الحديث.

وحديث عمر (( أيما مسلم شهد له أربعة بخير ... ) )الحديث.

أما حديث أنس فأخرجه (م) أيضًا، وسيأتي في الشهادات. وحديث عمر من أفراد (خ) ويأتي في الشهادات وذكره مسندًا عن شيخه عفان بن مسلم، ولأحمد (( فيشهد له أربعة أثبات من جيرانه الأدنين إلا قال الله قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون ) ).

قوله (( أثنى على صاحبها خيرًا ) )كذا هو في بخط الدمياطي (( خيرًا ) )في الموضعين (( ثم مر بثالثة فأثنى على صاحبها شرًا ) )بالألف في الثلاثة، وهو أصح إذا قرئ فأثنى بفتح الألف.

وقال ابن التين قوله (( خيرًا ) )صوابه خير. قال وكذلك هو في بعض الروايات، وشر مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًا. قال وفي نصبه بعد في اللسان.

وعارض بعضهم قوله (( فأثنى على صاحبها شرًا ) )بالحديث الآخر (( أمسكوا عن ذي قبر ) )أي من أهل الإيمان، وجوابه من أوجه

1 على تقدير صحته، يحتمل أن يكون مجاهرًا.

2 أنه لم يقبر فيكون ذا قبر، ويرده قوله بعد هذا (( لا تسبوا الأموات ) ).

3 أنه كان في زمانه عليه السلام وأصحابه؛ لأنه كان زمانًا ينطقهم الله فيه بالحكمة ويجريها على ألسنتهم، وأما الآن فلا، إلا أن يثني أهل العدالة. وقيل إن حديث أنس يجري مجرى الغيبة في الأحياء، وإن كان الرجل أغلب أحواله الخير وقد يكون منه الغلبة، والاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه، فكذلك الميت، إذا كان أغلب أحواله الخير وقد يكون منه الغلبة والاغتياب له مجرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه وكذلك الميت إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شر ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهي عنه من سب الأموات ويؤيد ذلك إجماع أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجروحين.

وقيل إن حديث (( لا تسبوا الأموات ) )عام وحديث (( أمسكوا عن ذي قبر ) )يحتمل أن يكون أباح ذكر الميت بما فيه من غالب الشر عند موته خاصة؛ ليتعظ بذلك فساق الأحياء، فإذا صار في قبره أمسك عنه، لإفضائه إلى ما قدم، فإن اعترض على التجريح بأن الضرورة دعت إلى ذلك حياطة لحديثه، فيقال له هو مثل الذي غلب عليه الفسق، فوجب ذكر فسقه تحذيرًا من حاله، وهو من هذا الباب، وهل يشترط أن يكون ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيه احتمالان.

وقال ص 1391 القرطبي يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا.

قال الداودي معنى هذا إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخلون في معنى هذا الحديث، والمراد والله أعلم إذا كان المثني بالشر ممن ليس له بعدو؛ لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو، فإذا مات عدوه ذكر عند ذلك الرجل الصالح شرًا، فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا وإن كان عدلًا للعداوة؛ والبشر غير معصومين.

وحديث أنس لم يشترط في الذين أثنوا عددًا من الناس لا يجزئ أقل منهم، بخلاف حديث عمر، وأحال في ذلك عليه السلام ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء الخير والشر، وأنه المحكوم له به في الآخرة، وقد جاء بيان هذا في حديث يأتي إن شاء الله تعالى (( إذا أحب عبدًا أمر الملائكة ) ).. الحديث.

فهذا معنى قوله (( أنتم شهداء الله في الأرض ) )؛ لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى {وألقيت عليك محبة مني} [طه39] .

فإن قلت فهذا المعنى مخالف لحديث عمر؛ لأنه شرط فيه أربعة شهداء أو ثلاثة أو اثنين بخلاف الأول. قيل ليس كما توهمت، وإنما اختلف العددان؛ لاختلاف المعنيين وذلك أن الثناء قد يكون بالسماع المتصل على الألسنة، فاستحب في ذلك التواتر والكثرة، والشهادة لا تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له، فناب في ذلك أربعة شهداء وذلك أعلى ما يكون من الشهادة؛ لأن الله تعالى جعل في الزنا أربعة، فإن قصروا ناب فيه ثلاثة، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه شاهدان، وذلك أقل ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق رحمة من الله تعالى لعباده المؤمنين وتجاوزًا عنهم حين أجرى أمورهم في الآخرة على ما أجراه في الدنيا.

وقال البيهقي فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما فعله إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه.

والثناء ممدود يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وقيل يستعمل فيهما، وأما الثناء بتقديم النون وبالقصر ففي الشر خاصة، وقد يستعمل في الخير أيضًا، واستعمل الثناء هنا بالمد في الشر، بناء على اللغة الشاذة أو للتجانس كقوله {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى40] .

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( مر بجنازة ) )في بعضها بلفظ الجمع مضموم الميم ومفتوحها.

فإن قلت كيف مكنوا من ذكر الشر مع الحديث الصحيح في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بالخير؟ قلت ذلك في غير الكافر والمتظاهر بالفسق والبدعة وأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بالشر للتحذير من طريقهم ومن الاقتفاء بآثارهم.

قوله (( خير ) )في بعضها . قال ابن بطال أقام الجار والمجرور مقام المفعول الأول وخيرًا مقام الثاني والاختيار عكسه ولعله لغة قوم، وقال المالكي خيرًا صفة لمصدر محذوف وأقيمت مقامه فنصب لأن (( أثنى ) )مسند إلى الجار والمجرور والتفاوت بين الإسناد إلى المصدر والإسناد إلى الجار والمجرور قليل.

قال النواوي هو منصوب بإسقاط الجار أي فأثنى عليها بالخير قال وفيه قولان للعلماء

أحدهما أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ثناؤهم مطابقًا لأفعاله فيكون من أهل الجنة وإلا فلا.

والثاني وهو المختار أنه على عمومه وإن كان مسلم مات وألهم الله الناس الثناء عليه كان دليلًا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضيها أم لا لأن العقوبة بمشيئة الله تعالى فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا على أنه قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء وإلا فلا فائدة له وقد أثبت صلى الله عليه وسلم له فائدة.

قوله (( ما وجبت ) )ما استفهامية.

فإن قلت مذهب أهل السنة أنه لا وجوب على الله ولا عن الله؟ قلت ص 1392 المراد بالوجوب الثبوت أو الوجوب بحسب وعد الشارع أو هو كالوجوب.

قوله (( كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ) )فإن قلت ما المقول؟ قلت يحتمل أن يكون أيما مسلم فيكون مسندًا مرفوعًا إلى رسول الله وأن يكون ما ذكره أنس في الحديث السابق فيكون هذا موقوفًا على عمر وأن يكون كليهما والظاهر الأول.

فإن قلت هذا لا يدل إلا على الشق الأول وهو دخول الجنة. قلت إما أنه أحال حكم الشر إلى القياس على الخير وإما أنه ترك الباقي اختصارًا.

الزركشي

واعلم أن (خ) ذكر وجبت مرة واحدة من جهة شعبة عن عبد العزيز، ورواه (م) من جهة أن عليه عن عبد العزيز ثلاث مرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت