فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
3 -باب إثم مانع الزكاة
وقول الله عز وجل {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية.
وذكر فيه حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم (( تأتي الإبل .. ) )الحديث.
وعنه أيضًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من آتاه الله .. ) )الحديث.
جعل أبو العباس الطرقي هذا الحديث حديثًا واحدًا. ورواه مالك في (( موطئه ) )موقوفًا على أبي هريرة. وهذه الآية قال الأكثرون إنها في أهل الكتاب. وقيل عامة. وقيل خاصة في من لم يؤد زكاته من المسلمين، وعامة في المشركين، وهو تأويل (خ) بعد هذا.
وقيل إنها منسوخة بقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} ؛ لأن جميع المال كان محرمًا في أول الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه.
والكنز أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالنقدين ألا ترى قوله (( ألا أخبركم بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة ) )أي يضمه لنفسه ويجمعه.
وقال صاحب (( المحكم ) )هو اسم للمال ولما يحرز فيه، وجمعه كنوز.
وقال في (( المغرب ) )هو اسم للمال المدفون. وقيل هو الذي لا يدرى من كنزه. وعن علي أربعة آلاف فما دونها نفقة، فإن زادت فهي كنز أديت زكاته أو لم تؤد.
قوله {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران21] أي اجعل لهم موضع البشارة، عذابا أليمًا، أي مؤلمًا.
قوله (( على خير ما كانت ) )يعني في القوة والسمن، ليكون أشد لثقلها.
قوله (( تطؤه بأخفافها ) )سقطت الواو من (( تطؤه ) )عند بعض النحويين؛ لشذوذ هذا الفعل من بين نظائره في التعدي، وكذلك وسع؛ لأن الفعل إذا كانت فاؤه واوًا وكان على فعل بكسر العين، كان غير متعد غير هذين الحرفين، فلما شذا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل إن أصله يوطئ بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة ص 1419.
قوله (( تنطحه ) )بكسر الطاء. وحكى المطرز في (( شرح الفصيح ) )فتحها، وماضيه مخفف، وقد تشدد. ولا يختص بالكبش كما ادعاه ابن صاف، بل يستعمل في الثور، وغيره.
قوله (( ومن حقها أن تحلب على الماء ) )وجهه نيل ... إلى المال من الفقراء حسوة من لبنها، وكذلك أبناء السبيل والمارة.
وقد عاب الله قومًا أخفوا جدادهم في قوله {ليصرمنها مصبحين} [القلم17] أرادوا أن لا يصيب المسكين منها شيئًا. وقيل كان هذا قبل فرض الزكاة.
ويحتمل أن يكون باقيًا معها وأنه مثلها، قاله الشعبي، والحسن، وعطاء، وطاوس.
وقال أبو هريرة حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن.
قلت وكان من عادة العرب التصدق باللبن على الماء، وكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم.
وفي كتاب الشرب من (خ) من روى تجلب، بالجيم، أراد تجلب لموضع سقيها، فيأتيها المصدق. ولو كان كما قال لكان أن تجلب إلى الماء.
ولعل (خ) يرى رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض.
قوله (( يعار ) )بياء مثناة تحت مضمومة ثم عين مهملة، كذا هنا. وروي بالمثلثة.
وروي (( ثعار أو يعار ) )على الشك. وروي بالغين المعجمة. وفي باب الغلول (( شاة لها ثغاء أو يعار ) )والثغاء للضأن، واليعار للمعز.
وقال ابن سيده اليعار صوت الغنم، وقيل المعز. وقيل هو الشديد من أصوات الشاء. وقال الفراء الثغار ليس بشيء، وإنما هو الثغاء وهو صوت الشاة.
وقال صاحب (( الأفعال ) )الثغور الشاة التي تبول على حالها وتتغير فيفسد لبنها.
قوله (( ببعير لها رغاء ) )هو صوت البعير.
قوله (( مثل له ماله ) )أي جعل مثله. يريد أنه يجعل له ماله الذي لم يؤد زكاته، أو الزكاة التي لو توفرها. والأول أشبه بلفظ الحديث ومثلت يتعدى إلى مفعولين، تقول مثلت الشمع فرسا. فإذا بني لما لم يسم فاعله تعدى إلى مفعول واحد، فلهذا قال (( مثل له ماله شجاعًا أقرع ) ).
وفي رواية الشافعي شجاع أقرع؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثل لأنه أخلاه من الضمير، وجعله له مفعولًا واحدًا. ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤد زكاته. وإنما هو حقيقة حية تخلق له، تقول له ذلك.
قوله (( يطوقه ) )وفي رواية (( حتى يطوقه ) )فالواو مفتوحة أي حتى يطوقه الله في عنقه، أي يجعله له طوقا. والهاء فيها كالأول، وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه، وهو كناية عن الشجاع، أي يقيم له طوقًا. فالهاء عائدة إلى الطوق؛ لا إلى المطوق إليه.
والأقرع إنما يتمعط شعر رأسه لجمعه السم فيه. وقال أبو سعيد النيسابوري هو الذي ذهب لحم رأسه ولبس جلدته. وإنما يكون أقرع إذا كان مرة أشعر فقرع بعد. وقال الأزهري الشجاع الحية الذكر، وسمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.
وقال القزاز في (( جامعه ) )ليس على رءوس الحيات شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وحكى الحربي فتح الشين وضمها.
قال ابن دريد والكسر في الجمع. وقال شمر في كتاب (( الحيات ) )هو ضرب من الحيات لطيف رقيق، وهو زعموا أجرؤها.
وقال في (( الاستذكار ) )قيل إنه الثعبان. وقيل الحية. وقيل هو الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه. وربما غلب الفارس. قال والأقرع الذي برأسه بياض. وقيل كلما كثر سمه ابيض رأسه.
وقال ابن خالويه وليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب، فذكر ص 1420 أربعة وثمانين اسما.
و (( الزبيبتان ) )نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال إنهما يبرزان حين يهيج ويغضب. وقيل إنهما نقطتان سوداوان على عينيه، وهي علامة الذكر المؤذي.
قوله (( بلهزمتيه ) )يعني شدقيه، هي بكسر اللام، وقريب من هذا التفسير أن اللهزمة، اللحي، وما يتصل به من الحنك.
وحكى ابن سيده فيه خلافًا. وعند ابن العربي هما المصعتان اللتان بين الأذن والفم انتهى.
أقول
ذكر الشيخ الحسين ابن أبي ثعلب بن المبارك الطبيب في كتابه المتقدمين الهلكة في دفع الشمائم المهلكة أجمع العلماء فيمن اشتهر بتشريح الحيوان بأن للحيات مئتي وأربعين قائمة وأن لها مائة ضلع وواحدًا وعشرين ضلعًا، وأن لها مائة مفصل وعشرين مفصلًا، وأن لها اثنتين وثلاثين سنًا ولها من هذه الأسنان أربعة أنياب مجوفة هي أمهات السم ورواضعه وهذه الأنياب دون جميع الأسنان مجوفات.
وذكر علماء الهند والروم بأن السم يجري إلى الأنياب المجوفة من الدماغ في سرقين وعروق دقاق ويحدث هذا الجريان للسم عند شدة الغضب، وذكر بعض علماء الروم أن السم ينبعث من أثر الحيات عند شدة هيجها أو عند شدة غضبها في عرقين مجوفين إلى الرأس وينزل من الرأس إلى الأنياب في عروق دقاق فتميل الأنياب سما كما تمتلئ ضروع الحيوان لبنًا.
وذكر أنواع الحيات قال الحية المعروفة بالشجاع قد ذكر هرمس الثالث من الهرامسة في كتابه الموضوع في صفات الأفاعي والحيات أن هذه الحية متسلطة على جميع أنواع الأفاعي والحيات وأنها تأكل ما لقيت من ذلك وتقهره فصار كم هذا النوع من الحيات بهذا السبب قوي الفعل نافذ القوة في سائر الحيوان.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الإبل ) )هو اسم الجمع وهي مؤنثة وكذلك الغنم، وقال بلفظ (( على صاحبها ) )بيانًا لاستعلائها وتسلطها عليه.
و (( خير ما كانت ) )أي في القوة والسمن ليكون أثقل لوطئها وأشد لنكايتها، والخف من الإبل بمنزلة الظلف للغنم والقدم للآدمي والحافر للحمار.
قوله (( من حقها أن تحلب على الماء ) )أي ليسقي ألبانها أبناء السبيل والمساكين الذين ينزلون على الماء، ولأن فيه الرفق بالماشية لأنه أهون لها وأوسع عليها.
فإن قلت لما فسر الحق بالحلب فما وجه دلالته على الترجمة؟ قلت من للتبعيض فالحلب على الماء من جملة الحقوق والزكاة أصلها وأعظمها.
قال ابن بطال في المال حقان فرض عين وغيره فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق.
قال (( ولا يأتي ) )خبر بمعنى النهي (( واليعار ) )بالمهملة بعد التحتانية صوت الشاه يقال يعرت يعارًا إذا صاحت صياحًا شديدًا، وثغت الشاه ثغاء إذا صاحت، وأما الرغاء فللإبل وباب الأصوات يجيء في الغالب على فعال كالبكاء وعلى فعيل كالصهيل وعلى فعللة كالجمجمة.
الجوهري الرغاء صوت ذوات الخف.
قوله (( لك ) )أي للتخفيف عنك (( قد بلغت ) )إليك حكم الله فيك وفي الكلام نوع لف ونشر على غير الترتيب.
قوله (( مثل له ) )أي صور له ماله شجاعًا أو ضمن مثل معنى التصيير أي صير ماله على صورة شجاع، وفي بعضها بالرفع ص 1421 خبر مبتدأ محذوف أي والمصور شجاع وهو بضم الشين وكسرها الحية الذكر.
(( والأقرع ) )هو الذي انحسر شعر رأسه لكثرة سمه (( والزبيبتان ) )بفتح الزاي وكسر الموحدة الأولى الزائدان في الشدقين إذا غضبت يقال تكلم فلان حتى زبب شدقاه أي خرج الزبد عليهما وقيل هما النكتتان والنقطتان السوداوان فوق عينيها.
و (( يطوقه ) )بفتح الواو أي يجعل طوقًا في عنقه و (( اللهزمة ) )بكسر اللام والزاي مفرد اللهزمتين وهما العظمتان الناتئتان في اللحيين تحت الأذنين وفسرها في الكتاب بالشدقين أي جانبي الفم.
قوله (( أنا كنزك ) )وإنما يقول ذلك زيادة للغصة والهم لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو خيرًا.
وفيه نوع من التهكم، وأما مناسبة الآية للحديث ففي قوله تعالى {سيطوقون ما بخلوا به} .