فهرس الكتاب

الصفحة 2166 من 3844

44 -باب غزوة موتة من أرض الشام

(مؤتة) بضم الميم وبالهمز قرية من أرض البلقاء أي بأدناها من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان، والفتح بعدها في رمضان وأما الموتة بلا همز فضرب من الجنون، كما نبه عليه السهيلي وقال صاحب (( المطالع ) )أكثر الرواة لا يهمزونها. وأما ثعلب فلم يحك في (( فصيحه ) )غير الهمز، وتبعه الجوهري وآخرون ولما ذكر ابن إسحاق أن مؤتة قرية من أرض البلقاء قال لقيهم يعني زيد بن حارتة ومن معه جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة.

وهذا منه يؤذن أن مشارف غير مؤتة. وقد قال المبرد المشرفية سيوف تنسب إلى المشارف من أرض الشام، وهو الموضع الملقب بمؤتة.

وكان سببها أنه صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب بكسر اللام بكتابه إلى ملك الروم وقيل إلى ملك بصرى فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه (رباطا) ثم قدم فضربت عنقه صبرا ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا، وأمر عليهم زيد بن حارثة. وقال (( إن أصيب زيد فجعفر، وإن أصيب فعبد الله بن رواحة ) )فتجهزوا ثم تهيئوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوادع، فقال المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى، فقال ما يبكيك؟ فقال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وإن منكم إلا واردها} [مريم71] فكيف بالصدر بعد الورود، ثم قال

لكنني اسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

في أبيات ثم مضوا حتى نزلوا معان من أرض الشام بضم الميم. وقال الوقشي الصواب فتحها فبلغ الناس أن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وتغلب مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلي يقال له مالك بن زافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين فأقاموا على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا نكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة ص 3338، ثم التقى الناس فقتل الثلاثة كما أخبر صلى الله عليه وسلم، زيد، ثم جعفر، ثم ابن رواحة، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، فدفع القوم وتحاشى بهم، ثم حاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس كما ذكره ابن إسحاق وهو المحاز. وحكى ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين. ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى معتركهم فلما أخذ خالد اللواء قال (( الآن حمي الوطيس ) ). ولما قدموا استقبلهم أهل المدينة يحثون في وجوهم التراب، ويقولون يا فرارون، فيقول صلى الله عليه وسلم (( ليسوا بفرارين ولكنهم كرارين إن شاء الله ) ).

وفي الباب أحاديث

أحدها عمرو، عن ابن أبي هلال قال وأخبرني نافع، أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، وذكر في الحديث بعده فوجدنا في جسده بضعا وتسعين بين طعنة ورمية) ولا تحالف بينهما؛ لأنه لم يعد الرمي في الأولى.

و (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثي الذي ولد بمصر سنة سبعين، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، ومات بها سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائة.

ثانيها حديث ابن عمر (( إن قتل زيد فجعفر ) ).. إلى آخره.

سلف، رواه عن أحمد بن أبي بكر، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عنه. وليس للمغيرة في (( الصحيح ) )غيره، وهو ثقة وإن ضعفه أبو داود. عرض عليه الرشيد قضاء المدينة وجائزة أربعة آلاف دينار فامتنع فأجازه بألفين، وكان فقيه أهل المدينة بعد مالك، ومات سنة ست أو ثمان وثمانين ومائة، وروى عمر بن الحكم، عن أبيه قال جاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف مع الناس وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا؛ لأن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا، إن كان محمد نبيا، قال زيد أشهد أنه نبي صادق بار.

فائدة

ظواهر الحديث أن زيدا أصيب أولا، ثم جعفر، ثم ابن رواحة. بل صريح حديث أنس الآتي، وكذا حديث الحكم السالف.

وقال ابن إسحاق قول كعب بن مالك يصدق أن جعفرا كان أول قتيل، وهو

إذ يقتدون بجعفر ولوائه ... قدام أولهم ونعم الأول

حتى تفرجت الصفوف وجعفر ... حيث اللقاء تحت الصفوف مجدل وكذا ذكر ابن سعد، عن أبي عامر أنه أول قتيل، ثم زيد، ثم عبد الله بن رواحة، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حيث لم أر اثنين جميعا، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار فسلمه لخالد في حديث عروة فأخذه ثابت بن أقرم العجلاني، ثم تسلمه خالد فحمل على الروم، فهزمهم الله أسوأ هزيمة وحديث العطاف بن خالد أصبح خالد جعل مقدمته ساقه وساقته مقدمة وممنيه ميسر وميسريه ممينه فأنكر الروم ذلك وقالوا قد جاهم وانكشفوا منهن فقتلوا مقتله لم تقتلها قوم.

الحديث الثالث

حديث أنس ص 3339 رضي الله عنه أنه عليه السلام نعى زيدا الحديث سلف في الجهاد ومعنى (نعى زيدا) .. إلى آخره أخبر بموتهم، وقوله (تذرفان) أي الدمع، وقيل (تدمعان) وهو مثله.

الحديث الرابع

حديث عائشة رضي الله عنها في قتل هؤلاء الثلاثة جلس يعرف فيه الحزن.

سلف بطوله في الجنائز قوله (( فاحث في أفواههن من التراب ) )وقع هنا بكسر الثاء وفيه لغتان كما سلف. حثا يحثو، وحثى يحثي حثيا، و (العناء) النصب. يقال عنا عناء إذا نصب.

الحديث الخامس

حديث عامر قال كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر الحديث من مناقبه الظاهرة.

السادس

حديث قيس بن أبي حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول الحديث قوله يمانية. أصلها أن تقرأ بتشديد الياء؛ لأنها ياء النسبة، إلا أنهم خففوها، يقال سيف يمان، والأصل يماني.

الحديث السابع

حديث النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة، الحديث وعنه أيضا قال أغمي على عبد الله بن رواحة بهذا، فلما مات لم تبك عليه.

كذا أورده البخاري هنا، وإغماؤه كان في غير هذا الموضع، وأخته لم تكن إذ ذاك معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت