فهرس الكتاب

الصفحة 849 من 3844

82 -باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله

{يخرجون من الأجداث} [المعارج43] القبور ... إلى آخره.

فيه حديث علي قال كنا في جنازة في بقيع الغرقد ... الحديث.

ما ذكره في الأجداث، هو ما قال ابن سيده الجدث القبر، والجمع أجداث، وقد قالوا جدف بالفاء بدل من الثاء، إلا أنهم قد أجمعوا في الجمع على أجداث، ولم يقولوا أجداف.

زاد في (( المخصص ) )قال الفارسي اشتقاقه من التجديف وهو كفر النعم. وقال ابن جني الجمع أجداث بالثاء، ولا يكسر بالفاء. قال وأجدف موضع، وقد نفى سيبويه أن يكون أفعل من أبنية الواحد، فيجب أن يعد هذا مما فاته، إلا أن يكون جمع الجدث الذي هو القبر على أجدث، ثم سمي به الموضع، ويروى بالفاء.

وفي (( الصحاح ) )الجمع أجدث وأجداث. وفي (( المجاز ) )لأبي عبيدة بالثاء لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون جدف بالفاء. وما ذكره في بعثرت؟ فهو أيضًا كذلك. قال أبو عبيدة في (( المجاز ) )بعثرت حوضي أي هدمته. وقال الفراء بعثرت وبحثرت لغتان إذا استخرجت الشيء وكشفته.

وفي (( الصحاح ) )عن أبي عبيدة {بعثر ما في القبور} [العاديات9] أثير وأخرج.

وعن ابن عباس بعثرت بحثت. وقال ابن سيده بعثر المتاع والثياب قلبه، وبعثر الشيء فرقه. وما ذكره في الإيفاض فهو كما قال. قال أبو عبيدة في (( مجازه ) )النصب العلم الذي نصبوه، ومن قال (( إلى نصب ) )، فهو جماعة مثل رهن ورهن.

وفي (( المنتهى ) (( الواعي ) )النصب والنصب والنصب بمعنى. وقيل النصب حجر ينصب فيعبد ويصب عليه ماء الذبائح. وقيل هو العلم ينصب للقوم أي علم كان، وقال ابن سيده النصب جمع نصيبة، كسفينة وسفن، وقيل النصب الغاية، قال ابن سيده والنصب جمع، واحدها نصاب، وجائز أن يكون واحدًا. وقال الجوهري النصب بالضم، وقد يحرك.

وفضت الإبل أسرعت، وناقة ميفاض مسرعة، وأوفضها واستوفضها طردها، واستوفضها استعملها، وجاء على وفض ووفض. وقال الفراء الإيفاض السرعة والزمع.

وما ذكره في {ينسلون} ذكره عبد بن حميد، عن قتادة. وقال أبو عبيدة ينسلون يسرعون، والذئب ينسل ويعسل، وفسره ابن عباس بالخروج بسرعة. وفي (( المجمل ) )النسلان مشية الذئب إذا أعنق وأسرع.

وقال ابن سيده أصله للذئب، ثم استعمل في غير ذلك. وحديث علي أخرجه (م) والأربعة، ويأتي في القدر والتفسير والأدب والتوحيد أيضًا.

والبقيع بفتح أوله من الأرض موضع فيه أروم شجر بين ضروب شتى، وبه سمي بقيع الغرقد بالمدينة. والغرقد عربي، شجر له شوك يشبه العوسج.

وفي الحديث في ذكر الدجال (( كل شيء يواري يهوديًا ينطق إلا الغرقد، ص 1386 فإنه من شجرهم فلا ينطق ) )كان ينبت هناك، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع.

وعن (( الجامع ) )سمي بذلك لاختلاف ألوان شجره. وقال أبو عبيد البكري، عن الأصمعي قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون، فسمي بقيع الغرقد. لهذا قال ابن سيده وربما قيل له الغرقد. أي بغير ذكر البقيع.

قال ياقوت وبالمدينة أيضًا بقيع الزبير، وبقيع الخيل عند دار زيد بن ثابت، وبقيع الخبجبة بفتح المعجمة والموحدة وفتح الجيم وباء أخرى والخبجب شجر عرف به هذا الموضع ذكره السهيلي والرواة بجيمين، ونقيع الخضمات وقيل بالباء.

والمخصرة قال ابن سيده هو شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه، مثل العصا وهو أيضًا ما بيد الملك يشير به إذا خطب، واختصر الرجل أمسك المخصرة. وجزم ابن بطال أنها العصا.

وقال ابن التين عصا أو قضيب. والنكت قرعك الأرض بعود أو بإصبع يؤثر فيه. ونكس أمال، ويكون ذلك عند الخضوع والتفكر. ويقال نكس بالتخفيف والتشديد.

فيه جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ، ونكته عليه السلام بالمخصرة في الأرض هو أصل تحريك الإصبع في التشهد، قاله المهلب. ومعنى النكت بالمخصرة. هو إشارة إلى المعاني وتفصيل الكلام، وإحضار القلب للفصول والمعاني.

وهذا الحديث أصل لأهل السنة، في أن السعادة والشقاء خلق لله تعالى، بخلاف قول القدرية الذين يقولون إن الشر ليس بخلق لله تعالى.

وفيه رد على أهل الجبر لأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر، والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه.

وفيه تنكيس الرءوس على الجنائز، وظهور الخشوع والتفكر في أمر الآخرة، كان الناس إذا حضروا يلقى أحدهم حميمه فلا ينشط إليه ولا يقبل عليه إلا بالسلام وكانوا لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلًا يضحك فآلى أن لا يكلمه أبدًا، وكان يبقى أثر ذلك عليهم ثلاثة أيام، حضر الحسن والفرزدق جنازة فقال الحسن للفرزدق ماذا أعددت لهذا المقام؟ فقال شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فقال الحسن خذها من غير رام، ثم قال له ما يقول الناس يا أبا فراس؟ فقال يقولون حضر اليوم خير الناس وشر الناس يعني الحسن ونفسه. فقال له ما أنت بشرهم، وما أنا بخيرهم، فلما توفي الفرزدق رآه رجل في المنام فقال ما فعلت؟ فقال نفعتني كلمتي مع الحسن.

وقول الرجل (( أفلا نتكل على كتابنا؟ ) )فيه مطالبة بأمر مضمونه تعطيل العبودية، وذلك أن إخباره عليه السلام بسبق الكتاب بالسعادة والشقاء، إخبار عن علم الغيب فيهم، وهو حجة عليهم، فراموا أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل والاتكال على سابق الكتاب.

فاعلم أن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن هو العلة الموجبة في أمر الربوبية. وظاهر وهو السمة اللازمة في حق العبودية، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة العلم، بين أن كلًا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك تمثل بالآية.

قال أبو سليمان فإذا طلبت لهذا نظيرًا من العلم يجمع لك هذين المعنيين، فاطلبه في باب أمر الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ص 1387 والأجل المضروب في العمر مع التعالج بالطب، فإنك تجد الغيب عنهما علة موجبة، والظاهر البادي سببًا مخيلًا.

قال الداودي قد كتب الله أفعال العباد وما يصيرون إليه قبل خلقهم، فالعباد غير خارجين من العلم ولا ممنوعين عن العمل. واختلف هل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد مثل من اشتهر له لسان صدق؟ فقال نعم. محتجين بهذه الآية والحديث؛ لأن كل عمل أمارة على جزائه، وقال قوم لا. والحق أنه يدرك ظنًا لا جزمًا.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( القبور ) )تفسير (( الأجداث ) )وهو جمع الجدث بفتح الدال المهملة اعلم أن عادة (خ) أنه يذكر تفسير ألفاظ القرآن المناسب لترجمة الباب والحديث الذي فيه تكثيرًا للفوائد وإن كان بينهما مناسبة بعيدة.

و (( المخصرة ) )بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح المهملة وبالراء هي كل ما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها و (( نكس ) )بتخفيف الكاف وتشديدها لغتان أي خفض رأسه وطأطأه إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر ويحتمل أن يراد تنكيس المخصرة والنكت أن يضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.

قوله (( منفوسة ) )أي مصنوعة مخلوقة و (( مكانها ) )بالرفع والواو في (( والنار ) )بمعنى أو و (( شقية ) )بالرفع أيضًا أي هي شقية ولفظ (( إلا ) )في المرة الثانية في بعضها مع الواو وفي بعضها بدونها، وهذا نوع من الكلام غريب يحتمل أن يكون ما من نفس بدل ما منكم وإلا ما تبدأ بدل إلا أو لا وأن يكون من باب اللف والنشر وأن يكون تعميمًا بعد تخصيص إذ الثاني في كل منهما أعم من الأول.

قوله (( على كتابنا ) )أي الذي قدر الله علينا و (( نتكل ) )أي نعتمد وأصله نوتكل فأدغم بعد القلب.

قوله (( فسيصير ) )أي فسيجريه القضاء إليه قهرًا ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره و (( ييسرون ) )ذكر لفظ الجمع باعتباره معنى الأهل.

فإن قلت ما يوجبه مطابقة الجواب السؤال؟ قلت حاصل كلامه أنا نترك المشقة الذي في العمل الذي لأجلها سمي بالتكليف فقال رسول الله (( لا مشقة ثمة إذ كل ميسر لما خلق له وهو يسير على من يسر الله عليه ) ).

فإن قلت إذا كان القضاء الأزلي يقتضي ذلك فلم المدح والذم والثواب والعقاب؟ قلت المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية وهذا هو المراد بالكسب المشهور عن الأشاعرة، وذلك كما يمدح الشيء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته.

وأما الثواب والعقاب فكسائر العاديات وكما لا يصح عندنا أن يقال له خلق الله الاحتراق عقيب مماسة النار ولم يحصل ابتداء فلهذا ههنا.

قال الطيبي الجواب من الأسلوب الحكيم معهم صلى الله عليه وسلم عن الاتكال وترك وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببًا مستقلًا لدخول الجنة والنار بل أنها علامات له فقط.

النواوي فيه دلالة في إثبات القدر وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره لا يسأل عما يفعل وقيل إن سر القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف لهم قبل دخولها.

الخطابي لما أخبر عليه السلام عن سبق الكتاب بالسعادة رام القوم أن يتخذوه حجة في ترك العمل فأعلمهم أن ههنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن هو العلة الموجبة في حكم الربوبية، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية وإنما هو إمارة مختلفة في مطالعة علم العواقب غير مقيدة حقيقة وبين لهم أن كلًا ميسر ص 1388 لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك تمثل بقوله تعالى {فأما من أعطى} الآية.

ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب مع التعالج بالطب فإنك تجد الباطل منهما على موجبه، والظاهر سببًا مخيلًا وقد اصطلحوا على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن.

الزركشي

قوله (( شقية أو سعيدة ) )بالرفع أي أشقية أو سعيدة ويروى بنصبهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت