قال ابن كثير في «البداية والنهاية» : لما ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاوية بن أبي سفيان الشام بعد موت أخيه يزيد، قال أبو سفيان: يا بني، إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقهم وقدمهم عند الله وعند رسوله وقصر بنا تأخرنا فصاروا قادة وسادة وصرنا أتباعًا، وقد ولوك جسيمًا من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد، فنافس، فإن بلغته أورثته عقبك. فلم يزل معاوية نائبًا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدة خلافة عثمان، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرس (1) وسكنها المسلمون قريبًا من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات والجهاد قائمًا على ساق في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها. فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين عليّ ما كان لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية لا على يديه ولا على يدي عليّ، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب عليٍّ تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب إليه معاوية: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف وبعث يطلب الهدنة. فلما انعقدت الكلمة على معاوية وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين، لم يزل مستقلاًّ بالأمر في هذه المدة إلى وفاته سنة 60هـ والجهاد في بلاد العدو قائم وكلمة الله عالية والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل وصفح وعفو.
هذا أمير المؤمنين، الخليفة الذي أعز الله به دينه، وأعلى به كلمته، يتنقصه اليوم من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، بل يجهل أبسط الأمور فيخلط، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الهوامش
(1) هكذا كان يكتبها علماء المسلمين قديمًا بالسين، وإن كان اليوم يكتبونها بالصاد، وهي كلمة رومية، تعني في لغة العرب: النحاس الجيد.