المسلمون عندما يغيب العقل (2)
للأستاذ عبد الكريم الخطيب
واذ ننظر اليوم في المجتمع الإسلامي كله، نجد أنماطا متعددة من الثقافات المختلفة، فهناك العوام، وهم أكثر المسلمين عددا، ثم هناك من أطلق عليهم"المثقفون"وهم الذين تخرجوا في الجامعات العربية والإسلامية، وجامعات أوربا وأمريكا، وهؤلاء يمكن أن يطلق عليهم"علمانيون"بمعنى أنهم طبقة ارستقراطية التفكير، ومفهوم هذا عندهم أنهم"عقلانيون"لا شأن لهم بالدين، وما فيه من غيبيات لا تخضع لمدركات العقل .. ثم انه من كان له نظر في التدين، أحس أنه اذا كان عليه أن يتعرف إلى حقائقه أن يطرح عقله وراءه، قبل أن يدخل إلى حرم الدين. ثم هناك طائفة أخرى. وهى جماعات رجال الدين، وما تضم جماعاتهم من علماء في الدين، ومتصوفة، وأرباب طرق وغيرهم .. وهؤلاء جميعا يمثلون قطاعا كبيرا من المجتمع، واليهم تتجه أنظار العامة في كل ما يتصل بالدين ..
وعلى هذا يمكن أن نقول أن مجتمعنا الإسلامي يحكمه طرفان، طرف يمثل المثقفين العقلانين، وطرف يمثل رجال الدين، وأصحاب الطرق المتصوفة، وما تحت سلطانهم من العوام ..
وليس بين هذين الطرفين تلاق في وجهات النظر، وفي مناحي التفكير، التى توجه الانسان الى الطريق الذى يأخذه في الحياة.
فالمثقفون العقلانيون، يعيشون في عزلة باردة مع عقولهم التى لم تشتعل بحرارة العاطفة الدينية، وهم لهذا يشعرون بأنهم محرومون من تلك العاطفة، فإذا صادفهم من يفتح لهم الطريق الى الدين كانوا بين أمرين: إما أن يتلقوا كل ما يسمعون دون مراجعة أو اعتراض، باعتبار أنهم انما يتلقون ذلك من أهل الذكر، الذين هم على صلة بالله، فاذا بدا لأحد منهم أن يسأل أو يعترض، ألقوا إليه بهذه القولة العمياء:"من اعترض انطرد".. وبهذا يدخل هذا المثقف إلى ساحة الدين بلا عقل! ..
وإما أن يتلقى المثقف من هؤلاء المثقفين ما يتلقى من هؤلاء الدينيين ممسكا بعقله، حريصا على ألا يقبل شيئا من أمور دينه، دون أن يكون لعقله مشاركة فيه، وهنا يجد الطريق إلى الدين مسدودا دونه، فيعطى الدين ظهره، ويقبل- كارها- أن يعيش مع عقله، في حيرة وقلق، وجزع عاطفى يحرق الكبد!.
وهكذا، لا نجد للدين مكانا الا في بيوت العبادة، نجده مظهرا أكثر منه مخبرا .. أما خارج بيوت العبادة، فلا يعرف المؤمن من الملحد، ولا من كان من حزب الله أو حزب الشيطان، اذ لم يكن للمتدينين أثر ظاهر لدينهم فيما يأتون وما يدعون من شئون الحياة .. إنهم إذا خرجوا من المساجد، ودخلوا في غمار الحياة، صافحوا الدين على باب المسجد، وتركوه هناك ينتظرهم إلى أن يعودوا للصلاة، وحتى لكأنهم بهذا يخافون على الدين أن يخالط الحياة معهم، فيدخل عليه ضيم مما يلابسون من شئون الحياة، ولهذا فانهم لا يتحرجون من أن يخوضوا في الأوحال، ما دام الدين هناك بعيدا عنهم قابعا في المسجد!.
فالمتدينون يعيشون منقسمين على شخصياتهم. شخصية في مقام العبادة والذكر، وشخصية خارج مقام العبادة في الحياة .. تلك حال أشبه بحال المنافقين، يلبسون أكثر من وجه 00
والذى يلبس وجها واحدا- أيا كان هذا الوجه من السوء والنكر أحسن ممن يلبس وجهين أو أكثر .. لان الأول يعرف ذاته، على حين أن الآخر لا يدرى من هو!!.