فقه التغيير
في ضوء ما سبق مع مراعاة قاعدة المصالح وسنة التدرج
اعداد د عبد الله شاكر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين، وبعد
فمما لا شك فيه أن الأمم تمر بفترات مختلفة، وتكون قوية في حين، وضعيفة في حين آخر، والغيورون على الأمة الإسلامية يسعون دائمًا إلى تغيير الواقع الانهزامي أو الضعيف بالأمة والوصول بها إلى مصاف العزة والقوة والسيادة، وهذا يحتاج إلى فقه سديد ونظر رشيد، وإذا أردنا القيام به فلا بُدَّ أن نبدأبأهم الأمور فنعتني أولاً بتغيير العقائد الباطلة والأفكار المنحرفة والتصورات الخاطئة؛ لتحل محل ذلك العقيدة الصحيحة والمفاهيم السليمة المستقيمة، ثم نعتني بعد ذلك بجميع الجوانب التي تتعلق بحياة المسلم وعزته وكرامته، ويجب أن تُراعي قاعدة المصالح الشرعية في ذلك، فتغيير المنكر أمر يحبه الله ورسوله، ولكن إذا كان تغييره سيؤدي إلى منكر أكبر منه وأعظم، فإنه لا يسوغ إنكاره حينئذ، وهذا كالإنكار على المُلوك والولاة، بالخروج عليهم، فإنَّه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا أفلا نقاتلهم؟ فقال «لا؛ ما أقاموا الصلاة» وقال «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية» متفق عليه
ومن تأمل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها مِن إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر، وقد كان رسول الله يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت وردّه على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش ذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم إعلام الموقعين ... ،