نظرة الإسلام إلى الخير والشر
للأستاذ أحمد جمال العمري
من القضايا الأزلية التي حيرت الإنسان وأرهقته، وبددت قواه العقلية ومزقته: قضية الخير والشر.
هل الخير موجود؟ وإذا كان موجودا فلماذا وجد الشر؟ وما مصدره؟
هل الخير غاية؟ فإذا كان كذلك ... فلماذا ينتصر عليه الشر أحيانًا؟ ...
هذه المشكلة العويصة ألهبتْ فكر الإنسان منذ فجر الإنسانية، ورمته بين أنياب الصراع، تعتصره الهواجس، وتحطمه الشكوك والظنون، وهو حائر حائر، لا يجد لنفسه دليلا ولا مرشدًا.
وكان مما زاد الأمر تعقيدا أمام الإنسان في القديم، أن المعتقدات التي اعتقدها لم تستطع أن تجد حلا لمشكلته هذه.
كانت هناك عقيدة ترى أن الإنسان عبد لقوى مسيطرة هي قوى الشر، وأن الخير يقف عاجزا أمام طغيانها لا قبل له بمواجهتها، لذلك فلا سبيل له إلا الاستسلام لها أو ترضيتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن استخلص من براثنها شيئًا فإلى حين، إذ لا تلبث أن تستعيده وتلتهمه، لأن قانون هذا الوجود في نظره هو الفناء لا البقاء، ومن هنا لجأ الإنسان القديم إلى عبادة آلهة الشر استرضاءً لها وخوفا من نقمتها.
وعقيدة أخرى رأى فيها أن الوجود ما هو إلا حرب سجال، وصراع دائم بين الخير والشر، إن كسب الخير حينا، خسر أحيانًا، وهي معركة لا تنتهي ولا تحقق شيئًا، فما يبنى يهدم. وما يهدم يبنى، وما يزول يعود للظهور، وما يظهر يختفي من جديد، والحياة صراع، وعلى الإنسان أن يقاوم، فهذا قدره.
وعقيدة ثالثة - وجدت عند المجوس، عبدة النار، ترى أن الخير والشر عنصران متكاملان متلازمان، كالليل والنهار، كالنور والظلمة، لا تكتمل الحياة بدونهما فالخير ينقصه الشر فيأتي خير أكمل، لينقص من جديد، ولا معنى للحياة إلا بنقص أحدهما للآخر، وتعاقبهما لتكون الحياة أكمل. وهكذا صراعات وتخبطات.