الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
لكي يستقيم أمر الحياة ترى الناس على عادتهم يستحسنون عمل الخير ويكبرون من قام به ويمتدحون فعلته، بل وتذكره الخلائق جيلًا بعد جيل، كما يمجدون عمله ويثنون على سيرته ويجعلونه مثلًا يحتذى، وفي مقابل هذا جرت عادة الناس أيضًا على أنهم يستقبحون العمل الشائن وينددون بفاعله ويطلبون من الآخرين ردعه عما اقترف، بل ويجهرون بإنزال العقوبة به إذا ما أحدث ضررًا للغير.
والإنسان بطبعه ينفر من الأعمال القبيحة التي تلحق الضرر به وبغيره من الناس، ولكنه يألف بالأعمال الصالحة التي تجلب الطمأنينة والخير لأبناء المجموعة البشرية، وعلى هذا جرت سنة الله بمعاقبة المقصر ومكافأة المجد، فيعاقب المقصر ليرتدع من عمله الطائش وليكون عبرة لغيره، ويكافأ المجد ليزداد إحسانًا في عمله ويكون قدوة حسنة للغير، يقتدى به ويعم نفعه سائر الناس.
ولله في خلقه شئون، فما جرى عليه أمر الناس من ضرورة إنزال العقوبة فيمن يظلم الآخرين ويلحق بهم الضرر، أمر يأتي وفق سنة الله في الخلق، فهو الذي خلقهم أول مرة وأسكنهم هذه الأرض، أراد لهم الخير واستن لهم سننًا ثابتة لا يحيدون عنها، فإن هم خرجوا عن أمر الله ظهرت سنة الله تعالى بارزة إلى الناس لا تشوبها شائبة، وإن من سنن الله في خلقه أنه يهلك الأقوام التي تحيد عن شرعته ثم يستبدلهم بأقوام آخرين، ويحذر هؤلاء أنه أهلك من قبلهم لسوء فعالهم، وهكذا.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 13، 14] .
والقرآن الكريم حجة الله على الناس جميعًا، وقد حدثنا في كثير من آياته العظام عن حال أولئك الأقوام وما جرى عليهم نتيجة لأعمالهم السيئة وكيف كانت نتيجتهم وما آل إليه مصيرهم.
عاقبة المكذبين بآيات الله
لما كذب قوم هود بما جاءهم من الحق أرسل الله عليهم ريحًا شديدة البرد في يوم مشؤوم وعذاب دائم، وكانت الريح تقتلع الناس من مواضعهم وترميهم في أماكن أخرى، وذلك عذاب الله وعقابه إلى أولئك القوم الذين خرجوا عن أمر الله، قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 18 - 21] .