في رحاب سورة الفيل
بقلم: صلاح أحمد الطنوبي
قال الله جل ثناؤه:
(( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ*أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ*وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ*تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) ) (صدق الله العظيم) [سورة الفيل).
تشير هذه السورة الشريفة إلى حادث مستفيض الشهرة في حياة الجزيرة العربية قبل البعثة، عظيم الدلالة على رعاية الله تعالى لهذه البقعة المقدسة التي اختارها الله جل جلاله لتكون محضن العقيدة الجديدة، والنقطة التي تبدأ منها زحفها المقدس لمطاردة الجاهلية في أرجاء الأرض وإقرار الهدى والحق والخير فيها.
ومعنى آيات السورة واضح، وهي تذكر السامعين في معرض الإنذار بما كان من نكال الله في أصحاب الفيل، فجعل كيدهم حابطًا خاسرًا، حيث أرسل عليهم جماعات من الطير، فرمتهم بحجارة طينية، وجعلتهم كورق الزرع الممضوغ.
وجمهور المفسرين على أن المقصد من أصحاب الفيل هم الأحباش الذين غزوا مكة. وقد كان لهذا الحادث ونتيجته رد فعل عظيم في بلاد العرب، حتى صاروا يؤرخون أحداثهم بعام الفيل.
وأسلوب الآيات ومضمونها يدلان:
أولًا: على أن الحادث كان لا يزال صداه يتردد على الألسنة في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزلت السورة.
ثانيًا: على أن العرب كانوا يعتقدون أن البلاء الذي وقع على الأحباش وهرأ أجسامهم، ومزق شملهم هو بلاء رباني.
ثالثًا: على أن القصد من التذكير بالحادث الذي كان قريب العهد، وكان مالئًا للأذهان، هو الموعظة، ودعوة السامعين أو زعماء قريش إلى الأرعواء عن مواقف الأذى والجحود التي يقفونها. فالله الذي كان من قدرته أن يصب بلاءه على الأحباش ويمزقهم شر ممزق - مع ما هم عليه من شدة البأس - قادرٌ على أن يصب بلاءه عليهم ويمزقهم، وهم يعرفون ذلك، فعليهم أن يرعووا ويحذروا ويتركوا الأذى والعناد.